من يكتب الدستور السوري؟

img

لست أبالغ في القول إن الطريقة التي ستُتَّبع للوصول إلى كتابة الدستور السوري ستكون منعطفاً أساسياً في طبيعة الدولة التي ستُؤسَّس في سورية.

فمع الخروج من المرحلة الانتقالية تنفتح مرحلة أخرى مختلفة كل الاختلاف، وإذا كانت المرحلة الانتقالية تبرر وضع إعلان دستوري مؤقت يمركز السلطة التنفيذية إلى حد كبير، ويُنشئ مجلس شعب بطريقة غير ديمقراطية يمكن النظر إليه كهيئة تشريعية مؤقتة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمرحلة الانتقالية، فمع انتهاء المرحلة الانتقالية نصبح أمام وضع أسس الدولة السورية الجديدة، وذلك استحقاق مختلف كلياً عن الاستحقاقات السابقة.

يبدأ ذلك الاستحقاق بكتابة الدستور الدائم، وهنا نجد أنفسنا أمام السؤال الجوهري: من يكتب الدستور الدائم لسورية؟

لكي يمتلك الدستور الشرعية التي تفرض احترامه على جميع السوريين، ينبغي أن يكون منتجاً لهيئة دستورية شرعية تمثل السوريين تمثيلاً ديمقراطياً، لا لهيئة تعينها السلطة التنفيذية، ولا لمؤتمر حوار وطني يتم انتقاء ممثليه من قبل السلطة التنفيذية أو بالتشارك بين السلطة ومجموعة محدودة من النخب.

وكما هو الحال بالنسبة للإعلان الدستوري المؤقت، سيكون من السهل الطعن في شرعية تمثيله، لكن الأمر هنا مختلف، فالإعلان الدستوري المؤقت يمكن تبريره بالمرحلة الانتقالية، أما الدستور الدائم فلا يمكن تبرير افتقاده للشرعية التمثيلية.

أيضاً: يفترض الدستور وجود توافق وطني حوله، وهذا في حالة سورية يستوجب حواراً واسعاً منظماً بين نخب مفوضة من قبل الشعب تفويضاً حراً ديمقراطياً، ولا يمكن تحقيق ذلك سوى تحت قبة البرلمان وعبر فترة زمنية كافية.

يحيلنا ما سبق إلى ضرورة انتخاب جمعية تأسيسية انتخاباً عاماً حراً مباشراً تتولى وضع الدستور الدائم للبلاد.

فقط مثل تلك الجمعية تمتلك الشرعية التمثيلية لوضع الدستور الدائم، وليس هناك بديل عنها، ولا يوجد مبرر للبحث عن أدوات أخرى غير شرعية وغير دستورية.

مع اقتراب توحيد سورية من الإنجاز، وانتهاء كل أشكال العقوبات التي كانت مفروضة عليها، والدخول في مرحلة التعافي الاقتصادي، فإن أهم ما يستحق التفكير فيه هو بناء الدولة السورية الجديدة.

وأهم أركانها بناء المؤسسات الدستورية، ونقطة البدء هي وضع الدستور الدائم.

فإذا استطعنا إنجاز دستور دائم بتوافق وطني وبمشروعية تمثيلية، نكون قد وضعنا حجر الأساس للدولة السورية التي هي ثمرة نضال وتضحيات شعبنا السوري خلال الفترة الماضية.

أما إذا جرى التعامل مع هذا الاستحقاق باعتباره مجرد عملية شكلانية مكملة للمسار الانتقالي الحالي، أي بجعل ما بعد المرحلة الانتقالية مجرد امتداد للمرحلة الانتقالية مع بعض التعديلات الطفيفة، فذلك يعني افتقاد الأساس الثابت لبناء الدولة السورية الجديدة.

وأقل ما يقال في ذلك أنه لا يخلق أرضية للاستقرار السياسي.

فإذا نظرنا في الأنظمة السياسية المستقرة في العالم، نجد بسهولة أن استقرارها يعود لمشروعية مؤسساتها الدستورية، وهي مشروعية مكتسبة من الدستور والقوانين المستمدة منه، إضافةً للتقاليد الديمقراطية.

فهل سنسير بالطريق الواضحة المجرَّبة نحو ذلك الاستحقاق، كما فعل قبلنا الآباء المؤسسون في دستور 1920 ودستور 1928 ودستور 1950، أم سنسلك طريقاً آخر؟


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة