العرب بين حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع(*) (3-3)
الشفافية الرقمية تواجه رقابة عربية
مما لا شك فيه أنّ وحش المنع فقد الكثير من «مخالبه» وهيبته ونفوذه مع حلول الثورة التكنولوجية وشيوع النشر الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، الذي ألغى سبل اعتراض طريق الكتب. وأصبحت شبكة الإنترنت وسيلة فاعلة لمكافحة الرقابة، من خلال نشر الأعمال الممنوعة والتشهير بممارسات الرقيب في جميع أنحاء العالم العربي.
وتُعد الشفافية الرقمية، ويقصد بها التدفق الإلكتروني الحر للمعلومات، من المميزات المهمة لشبكة الإنترنت بالنسبة إلى العالم العربي، ولكنها أيضاً من أهم التحديات التي تواجه الحكومات العربية. ويعتقد البعض أنّ الاستخدام البطيء والمتأخر للإنترنت في أغلب الدول العربية يرجع في المقام الأول إلى رغبة الحكومات في السيطرة على المعلومات.
إذ تتنوع ردود أفعال الحكومات العربية حيال الشفافية الرقمية بحسب هامش الحرية المتاح في كل دولة بشكل عام، إذ عمد بعضها إلى «تمرير» الإنترنت عبر عقدة مركزية محلية، مما يتيح السيطرة على محتوى الإنترنت من البيانات والمعلومات والبريد الإلكتروني وغيرها.
ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الحكومات العربية بدأت أو زادت من جهودها لمراقبة تدفق المعلومات على الإنترنت بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. والمشكلة أنّ تلك الدول لا تقصر رقابتها على ما يسمى بالاتصالات «الإرهابية» أو حتى المواقع الإباحية، بل تشمل أية اتصالات تراها الدولة «غير ملائمة» لسياساتها.
رقابة الدولة الأمنية على المجتمع: سورية أنموذجاً
الدولة الأمنية مصطلح شاع استعماله منذ سنوات في الثقافة السياسية العربية، وخصوصاً السورية منها في النظام البائد، للدلالة على بنية شاملة مستترة خلف بنية الدولة الرسمية المعلنة، ويحيل إلى حقل دلالي خاص بعمل الأجهزة الأمنية وتسلطها الشامل على البلاد والعباد، وفرض سيادتها التي تنزع كل سيادة أخرى، بما فيها سيادة سلطة الدولة الرسمية.
وتتضح هذه الدلالة عيانياً في المثال السوري، فيما ذكرته الصحافة الرسمية عن تخفيف تدخل الأجهزة الأمنية في حياة المواطنين، فقد نشرت صحيفة «الثورة» السورية، وهي إحدى ثلاث صحف رسمية تصدر في دمشق، يوم الثلاثاء 10 مايو/أيار 2005، وعلى صدر صفحتها الأولى، خبرا عنوانه: إلغاء 67 حالة من الموافقة الأمنية المسبقة، وجاء فيه: «علمت الثورة أنه تم إلغاء الموافقة الأمنية المسبقة بشأن 67 حالة»، ثم أوردت الصحيفة قائمة طويلة نقتطف منها ما يأتي: التثبيت أو النقل أو الندب أو التعاقد لدى جميع جهات القطاع العام، الإعادة للعمل بعد انتهاء إجازة الاستيداع واعتبار الشخص بحكم المستقيل والغياب (ما لم يكن الشخص موقوفاً أو مكفوف اليد قبل الإعادة إلى العمل)، قبول الطلاب بالجامعات والمعاهد المتوسطة ومدارس التمريض، التكليف بتدريس ساعات من خارج الملاك في محافظتي دمشق وريف دمشق، وضع الطلاب تحت الإشراف للدراسة خارج القطر، الإيفاد الداخلي والخارجي والاستفادة من المقاعد الدراسية في بعض البلدان العربية والأجنبية، الموافقة على إقامة الندوات الطبية والدعائية للتعريف بمنتجات الشركات، تأسيس الجمعيات السكنية، تثبيت أعضاء مجالس إدارة الجمعيات، إقامة معارض فنية أو أسواق تجارية وأعراس جماعية، الترخيص لمكتب قطع تذاكر سفر، الترخيص لمكتب عقاري، الترخيص لمكتب بيع وشراء وتأجير سيارات، الترخيص لمكتب تعقيب معاملات، الترخيص لمكتب شحن بضائع، الترخيص لمدرسة تعليم وقيادة وإصلاح المركبات والآليات، الترخيص لمعهد تدريب على الحرف والمهن، الترخيص لجليسات الأطفال، الترخيص لمحل بيع أجهزة الخليوي وصيانتها، الترخيص لصالة بلياردو، الترخيص لصالة بينغ بونغ، الترخيص لصالة أفراح، الموافقة على منح الترخيص لفندق، الترخيص لألعاب كمبيوتر، الترخيص لمقهى، الترخيص لسيرك، الترخيص لاستديو تصوير، الترخيص لمصور جوال، الترخيص لمنشأة صناعية للطباعة على الورق والكرتون، الترخيص لكشك، الترخيص لصالون حلاقة، الترخيص لمطعم، الترخيص لمحل بقالة، الترخيص لفرن خبز، الترخيص لاستيراد قطع السيارات الحديثة والمستعملة، الترخيص لمسبح، الترخيص لبيع وشراء وتأجير الدراجات النارية، الترخيص لمحطة محروقات. وثمة خشية أن تتجه سلطة المرحلة الانتقالية، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، للعمل بهذا التوجه.
وهكذا، ففيما يوجد دستور ممنوح، وتعددية شكلية، وانتخابات مطبوخة النتائج في مطابخ وزارات الداخلية العربية، وحرية صحافة، توجد معها أحكام الطوارئ في بعض من البلدان، واعتقالات ومحاكمات وانتهاكات صارخة للحقوق المدنية والسياسية ولحقوق المرأة في الأعم الأغلب من تلك البلدان.
إنّ العاقل يتعظ ويدعو إلى إلغاء كل أشكال الرقابة في العالم العربي وتأكيد مسؤولية الضمير الفردي للمبدع، مع العمل على تأكيد استقلالية المؤسسات الثقافية والأكاديمية عن سلطة الدولة. مما يستوجب تأسيس مرصد لتسجيل صور انتهاك حرية الرأي والتعبير والإبداع في العالم العربي، إلى جانب العمل مع منظمات المجتمع المدني لتكوين مجموعات دعم قانوني لمن يتعرض فكره أو عمله الإبداعي للمصادرة.
*- في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة «الرقباء والرقابة بين السياسي والديني في المجتمعات العربية» بدعوة من «مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات» بالتعاون مــع «مؤسسة كونراد أديناور» – تونس، في الفترة ما بين 22 و24 يونيو/حزيران 2006.
وقد أعدت صياغتها على ضوء حاجتنا في سوريا، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى نجاح المرحلة الانتقالية، خاصة بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة.