صعود وهبوط الموظف اللاسياسي العربي
الأهرام 20 أغسطس 2026
تراجع العقل السياسي الخلّاق يبدو سمةَ العديد من السياسات والقرارات السياسية في عالمنا العربي، وفي الغالب الأعمّ العقل السلطوي في الحكم – مع بعض الاستثناءات المحدودة تاريخياً – يعمل وفق نمط من بعض البراغماتية السياسية، أحياناً تبدو رصينة، وفي كثير من الأحيان تبدو رِثّةً، وناتجة عن بعض الموازنات البسيطة بين الضغوط الخارجية من الدول الكبرى في شمال العالم، لا سيما الولايات المتحدة، وبين بعض من القروض والمساعدات العسكرية والأمنية، والدخول في اتفاقات سياسية دونما درس للتوازنات بين المصالح. من هنا يبدو العقل البيروتكنوقراطي محضَ موظف في تشكيل غالبية حكومات بلاده، ولا يُطلب منه سوى تنفيذ أوامر الرئيس أو الملك أو الأمير أو الشيخ.. إلخ، ويخضع طائعاً لها، ويبحث عن تسويغ لها من منظور مالي أو قانوني أو ديني أو فني في أي مجال من مجالات عمله، وغالباً لا يستطيع إقناع بعض الرأي العام بالتفسيرات التي يقدمها تبريراً لسياسته أو ميزانيته أو قراراته في مجال تخصصه، والاستثناءات القديرة محدودة.
تفاقمت مشكلات الموظف الدولي، أو التكنوقراطي من أساتذة الجامعات، أو الخبراء المميزين خارج الجامعات والمعاهد العليا، لأنهم جاءوا من خارج السياسة، أو من اللاسياسة عربياً. في بدايات ما بعد الاستقلال كانت حاجة آباء الاستقلال إلى التكنوقراط، وبيروقراطية الإدارة الفرنسية المباشرة، والإدارة غير المباشرة البريطانية زمن الاستثمار، وبعض أبناء البلد المتعلمين في الجامعات الأوروبية أو الأمريكية، لإدارة الوزارات والإدارات الحكومية بعد الاستقلال، وذلك للاستفادة من خبراتهم وتخصصاتهم. بعض هؤلاء لم يعملوا بالسياسة في إطار الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال الوطني، وينتمون إلى أبناء القبائل أو العائلات الكبرى، أو قادة القبائل الكبرى، وكان اختيار بعضهم جزءاً من التوازنات الداخلية في كثير من البلدان العربية الانقسامية في تركيباتها الداخلية، وعمل بعضهم، وكانوا منحازين إلى المكون الاجتماعي القبلي والعشائري والديني والمذهبي والعرقي والمناطقي الذين جاءوا من أصوله وأنسجته القيادية، ومن ثم يمثلون سنداً ومصدر قوة للوزير، أو رئيس الحكومة، أو والٍ أو محافظ أو رئيس مدينة، أو رئيس مؤسسة عامة. بعضهم شارك في الحركة الوطنية، وكان ذلك ميزة لهم في بعض تشكيلات وزارات وحكومات دولة ما بعد الاستقلال في المشرق العربي والمنطقة المغاربية، وتشكلت خبراتهم في مضمار الحركة الوطنية، وتمثلوا بعضاً من اللغة السياسية السائدة في الأنظمة الليبرالية التمثيلية في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. كان هناك بعض من التأثر بالفكر السياسي في هذه البلدان، وأيضاً بالفكر السياسي المستمد من بعض الترجمات عن اللغات الأوروبية، والجدل حولها في مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس والمغرب. حالة السياسي المصري في المرحلة شبه الليبرالية مختلفة، لأن الدولة الحديثة تشكلت قواعدها، وبعض من نخبها الحداثية القانونية والإدارية، وفي مجال الصناعات من الذين تلقوا تعليمهم في مدرسة الإدارة الفرنسية، ومن القضاء المختلط من القضاة والمحامين، وذلك قبل الاحتلال البريطاني، وتطورات الأفكار القانونية والسياسية مع مدرسة الحقوق الفرنسية وخريجيها رجال القانون.
بالإضافة إلى التعليم المتخصص في الجامعات خارج مصر وداخلها، كانت الحياة السياسية المفتوحة على تعدد الاتجاهات السياسية، والأهم الجدل العام من خلال الصحف والندوات، وداخل الأحزاب السياسية، وفي الفضاء البرلماني، أحد روافد السياسي الليبرالي، أو ذوي التوجه الاجتماعي على سبيل مثال جماعة الغد ودورها في الفكر الاجتماعي الإصلاحي، ومطالبتها بالإصلاح الزراعي، مع إبراهيم شكري – ١٩٤٩ – وميريت غالي، ومحمد زكي عبد القادر وإبراهيم مدكور، وقبلهم عضو مجلس الشيوخ محمد خطاب ١٩٤٥ – عضو الهيئة السعدية – وأحمد حسين – وزير الشئون الاجتماعية في حكومة الوفد يناير ١٩٥٠ – ناهيك عن الفكر الاجتماعي الاشتراكي والماركسي على الرغم من مطاردة أجهزة الدولة لبعض الأحزاب الماركسية في ظل المرحلة شبه الليبرالية، على الرغم من العمل التنظيمي والسري لهذه الأحزاب، إلا أن هذه الأحزاب عملت على تكوين كوادرها من الناحية التنظيمية والإيديولوجية من المصادر الأساسية أو شروحها التبسيطية للكوادر العمالية المنظمة لها، وغيرهم من بعض المتعلمين.
الحالة المصرية ربما شكلت حالة خاصة تحت الاحتلال البريطاني، لأن معالم الدولة وسلطاتها ومؤسساتها اكتملت وتطورت في إطار الحركة القومية الدستورية، من فصل للسلطات، واستقلال للقضاء والقضاة، ودور جماعة المحامين البارز سياسياً وقانونياً وفي الفكر السياسي، والانخراط في الحياة الحزبية، لا سيما حزب الوفد والأحرار الدستوريين. كانت التعددية السياسية الحزبية، ودولة القانون، والصحف، والبرلمان معامل إنتاج السياسي، وتشكلت في سياق الجدل العام الحر.
يمكن القول إن التحول السياسي بعد نظام يوليو 1952 وطبيعة تكوينه من الضباط الأحرار، على التمايزات والخلاف فيما بينهم خلال المرحلتين الناصرية والساداتية، إلا أنهم كانوا على وفاق في إنهاء الحياة الحزبية – باستثناء قليل مثل محمد نجيب وآخرين – ووصم التجربة شبه الليبرالية بأنها فاسدة.
القطع مع التجربة الحزبية، وفصل السلطات، واستقلال القضاء وفرض قيود على صلاحيته، وأنظمة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات، أدت إلى تصفية معامل إنتاج السياسي لصالح نمط من الشعبوية السلطوية، والكاريزما الناصرية الساحقة، والسياسات الاجتماعية المرتكزة على العدالة الاجتماعية للعمال والفلاحين، والطبقة الوسطى الصغيرة، والوسطى الوسطى، والتأميمات، والإصلاح الزراعي، هي التي سوّغت لبعض هذه الفئات والشرائح الاجتماعية نظام تأميم الصراع الاجتماعي، وسياسات التعبئة السياسية من خلال أشكال متعاقبة من نظام الحزب الواحد، من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي إلى الاتحاد الاشتراكي العربي في المرحلة الناصرية وجزء من عهد السادات، حتى التعددية الشكلية المقيدة، والمنابر، وحزب مصر، ثم الحزب الوطني الديمقراطي كحزب حاكم، وبقية الأحزاب شكلية في ظل موت السياسة في كافة مراحل تطور النظام، ومن ثم كان حضور البيروقراطي والتكنوقراطي والموظف الدولي أساسياً في التشكيلات الوزارية، حيث جاءوا من ثقافة التعبئة والطاعة والإذعان والتفكير الوظيفي والمهني اللاسياسي، ويعملون وفق تعليمات تأتي من أعلى قمة النظام، ومركز كل مصادر القوة السياسية والأمنية والعسكرية.
مفهوم التراتبية والهريراكية العسكرية كان سائداً في كل تطورات النظام ومثل بعضاً من معالم نظام يوليو مع بعض الاختلافات، وساد في العراق مع محمولاتهم الدينية والمذهبية والقومية، وسوريا واليمن القبلي، وانقلاباتهم العسكرية والحزبية البعثية، وفي تونس وليبيا القذافي، وثنائية المدنيين والعسكر في السودان منذ الاستقلال، وتواري متدرج للدور السياسي للمهدية والخاتمية، وهيمنة قبائل الوسط النيلي على كل مكونات السودان العرقية والمناطقية.. إلخ.
التكوين السوسيو – نفسي للتكنوقراطي والبيروقراطي في السلطة يعتمد على السمع والطاعة والإذعان للهريراكية، ولقمة السلطة، ومن ثم وضع عقل غالبية الوزراء ورؤساء الوزراء، ووكلاء الوزارات، ومن دونهم بين حد الطاعة والإذعان دون تفكير خلّاق أو مختلف يظهره في مناقشة سياسة ما، أو تنفيذها من حيث جدواها وتأثيراتها على القوى الاجتماعي. هذا النمط الطاعوي هو نتاج للعقل العسكرتاري السلطوي كما حدث في سوريا والعراق واليمن ومصر والسودان وليبيا وتونس بن علي والجزائر مع بعض الاختلافات بين هذه الحالات المختلفة، وذلك بعد الانقلابات العسكرية المتعددة داخل هذه البلدان. في البلدان الانقسامية وانقلاباتها غالباً ما تبدأ بالحاكم الانقلابي الذي يسعى إلى تأكيد وترسيخ مكانته عبر الاستعانة ببعض أقاربه وأصدقائه، والأهم شخصيات تنتمي إلى جماعته القبلية والعائلية والعشائرية والدينية والمذهبية التي ينتمي إليها، وتمثل قاعدته الاجتماعية. مع تطور الخبرات السياسية في بعض النظم السياسية ظهر الميل إلى تنوع جزئي في اختيار شخصيات موالية للحاكم – أيا كان – وذلك لإبراز بعض من التنوع القبلي والعشائري والديني والمذهبي والعرقي، وبعضهم يميل إلى تشكيلات حكومية تضم بعض الموالين للحكم، وذلك لتلبية طموحات بعض الموالين في المناصب الوزارية في كثير من البلدان العربية منذ الاستقلال. كل هذه الاختيارات في تشكيل الحكومات والمواقع القيادية في مؤسسات الدولة أو عضوية البرلمانات من خلال الترشح لحزب حاكم أو موالٍ للحكم أو مجموعة أحزاب داعمة له، هي سياسة ناتجة عن غياب مؤسسات تمثيلية ديمقراطية حقيقية وفاعلة قادرة على المشاركة السياسية بفعالية وسط قواعد اجتماعية حقيقية، ومن ثم تعبر عن تحول السياسة إلى لعبة تمثيل مسطحة وفاقدة للمواهب والكفاءات الجادة لأداء أدوار تمثيلية باهتة على مسرح يقال إنه السياسة. الممثلون الذين يلعبون أدوار السياسيين، يبدون وكأنهم محض كومبارس سلطوي، أقرب إلى مسرح الماريونيت الذي يحرك شخصياته من أعلى وفق إرادته وأهوائه. بعض الاختيارات الجادة للكفاءات تمثل استثناءات، وغالباً لا تستمر طويلاً! غلب ولا يزال الاختيار من بين عناصر الموالاة بقطع النظر عن الكفاءة والتخصص، ومن ثم تتدهور مستويات ومعايير الاختيار من بعض الكفاءات في مرحلة ما بعد الاستقلال ثم إلى المديوكر في مراحل تالية إلى المنيوكرات – مستويات ما دون الحد الأدنى من الكفاءة والتخصص والمعرفة والثقافة – منذ الثمانينيات حتى عقود الألفية الحالية مع استثناءات في بعض التشكيلات الحكومية العربية، وقيادات الأجهزة والمؤسسات الدولة في بعض البلدان العربية، وهو ما أثر سلباً في كافة المجالات على نحو ما نرى في بلدان العسر العربي وتفاقم مشكلاتها الهيكلية على عديد من الصعد، وذلك بسبب المنيوكر البيروقراطي والتكنوقراطي في الحياة الحكومية العربية اللاسياسية. من ثم العقل البيروتكنوقراطي العربي المديوكر والمنيوكر معتقلٌ سلفاً، ولا مجال له للتفكير سوى كيفية التنفيذ للقرارات والأوامر الصادرة من الأعلى إلى الأدنى، بقطع النظر عما إذا كانت ستحقق نتائج إيجابية أم لا؟! وفي بعض الأحيان بلا دراسات معمقة حولها.
لا شك أيضاً تمدد هذه الظاهرة في ظل موت الساسة، وتفاقم أزمات دولة القانون والحق، وفي مراحل تمدد واتساع معدلات الفساد في الوظيفة العامة في بعض البيروقراطيات العربية، وفساد بعض مكونات النخب الحاكمة التي تمددت داخلها، سعياً وراء مراكمة بعضهم للثروات من خلال الاستيلاء على المال العام، أو الرشاوى، أو العمولات عن طريق صفقات مع الشركات الأجنبية الكبرى، أو من رجال الأعمال، ومشاركاتهم لبعضهم، أو عمل شركات بأسماء أبنائهم أو بعض أفراد أسرهم، ومراكمة ثروات كبرى تظهر في أعقاب خروجهم من العمل الوزاري أو المصرفي العام أو القيادي على رأس المؤسسات والهيئات العامة. هذه الظاهرة ليست قاصرة على الدول العربية المعسورة، وإنما أيضاً في بعض دول اليسر النفطية، وباتت موضعاً للنقد، وأحياناً المساءلة القانونية.
حدث تراجع في مستويات تكوين البيروقراطي والتكنوقراطي، من مرحلة لأخرى. من بعض الكفاءات البارزة في مصر الناصرية، وبعضهم في سوريا والعراق وتونس والمغرب ما بعد الاستقلال – إلى التكنوقراطي المديوكر والبيروقراطي المديوكر، وخاصة في مراحل التحول من رأسمالية الدولة الوطنية إلى النيوليبرالية الرأسمالية، وثقافة الاستهلاك المكثف، وتراجع مستويات ونوعية التعليم في غالب البلدان العربية، والاختيارات باتت تدور بعضها أو غالبها لدى بعض السلطات الحاكمة عربياً في دوائر المنيوكرات – ما دون الحد الأدنى – لأنهم الأقرب لنظام الطاعة والإذعان، بل وانخراط بعضهم في شبكات الفساد السلطوي والبيروقراطي. من الشيق ملاحظة تراجع أهمية هذه الوظائف في ظل النيوليبرالية ما بعد الحرب الباردة عالمياً، وأيضاً في العالم العربي، حيث يرفض كثيرون العمل كوزراء، وخاصة في البلدان الفقيرة والمعسورة، لأن مكانة وهيبة هذا الموقع الوزاري تراجعت في كثير من البلدان العربية.
ثمة تحديات كبرى تواجه عالمنا العربي في مجالات الاقتصادات ما بعد النفط، وأيضاً مشكلات المديونية الخارجية، والأخطر السعي إلى الانخراط في التحول نحو الذكاء الاصطناعي واقتصادياته، وهو ما يتطلب نمطاً جديداً ومختلفاً من القادة في ظل تراجع دور ومكانة التكنوقراط وأيضاً البيروقراط في ظل الذكاء التوليدي وعالم الروبوتات. عالم مختلف ستتغير في سياقاته وأحواله معاني السياسي والسياسة على نحو يتطلب وعياً ومعرفة واختيارات مختلفة تماماً عن عالم المديوكرات والمنيوكرات الذي أودى بنا ومعهم من اختاروهم إلى هنا حيث حالة من الانحطاط الحضاري العربي، وتفكك وعجز وصراعات ضارية بين نمط جديد من القيادات في دول اليسر والعسر يسعون لأدوار سياسية قيادية في الإقليم من خلال تفكيك وتخريب العالم العربي، وأيضاً تدمير الفكرة العربية الجامعة وسحقها، وا أسفاه!