من الانتماء إلى الشعب السياسي: لماذا نحتاج إلى ضبط مفاهيمنا؟

img

ليس الخلاف على الكلمات أمراً لغوياً دائماً، فقد تكون وراء الكلمة نظرية كاملة في المجتمع والدولة والسياسة. وهذا ما يجعل بعض المصطلحات المتداولة اليوم في النقاش السوري أكثر أهمية مما تبدو عليه: دين، طائفة، إثنية، قومية، أمة، شعب، شعب سياسي، مواطنة. كلمات تُستخدم أحياناً كما لو أنها تصف الشيء نفسه بدرجات مختلفة، مع أن الانتقال من واحدة إلى أخرى قد يحمل في داخله نتيجة سياسية كاملة. فالجماعة ليست أمة لمجرد امتلاكها ذاكرة مشتركة، والأمة ليست شعباً سياسياً لمجرد تصورها كذلك، كما أن وجود جماعة ثقافية أو إثنية لا يمنحها تلقائياً هذه الصفة. ولذلك فالمشكلة ليست في البحث عن تعريف قاموسي لكل كلمة، وإنما في معرفة المستوى الذي نستخدمها فيه، وما الذي يترتب سياسياً على استخدامها. والسؤال الذي يحكم هذا النقاش كله يمكن صياغته ببساطة: ما الذي ينتمي إليه الفرد، وما الذي يحدد هويته، ومتى تتحول جماعة اجتماعية إلى مشروع سياسي يدّعي تمثيل “نحن” الكلية؟

الإنسان لا يعيش داخل رابطة واحدة. ينتمي إلى عائلة ومنطقة ودين، وقد ينتمي إلى طائفة، أو جماعة إثنية، أو قبيلة، أو ثقافة، أو مهنة، أو طبقة اجتماعية. بعض هذه الانتماءات موروث وبعضها مكتسب، ويمكن أن يحملها جميعاً من دون تناقض ضروري. والانتماء، بهذا المعنى، علاقة جزئية تجيب أساساً عن سؤال: إلى ماذا أنتمي؟ لكن المشكلة السياسية لا تبدأ من وجود هذه الانتماءات، بل من الموقع الذي يحتله الانتماء عندما يدخل المجال السياسي: هل يبقى رابطة اجتماعية أو ثقافية أو دينية، أم يتحول إلى أساس لتحديد الحقوق والسلطة والعضوية في الدولة؟

أما الهوية فتقترب من سؤال مختلف هو: من أنا؟ ومن نحن؟ ولهذا لا تكون مجرد جمع حسابي للانتماءات، بل هي الطريقة التي ينتظم بها إدراك الإنسان لنفسه والطريقة التي تعرف بها جماعة ما نفسها وتقدم نفسها إلى الآخرين. وقد يكون الانتماء الجزئي عنصراً مهماً في تكوين هوية الفرد أو الجماعة، لكن ذلك لا يغير مرتبته السياسية في الدولة الحديثة؛ فالدين والطائفة والإثنية والمنطقة وغيرها تبقى، مهما بلغت أهميتها بالنسبة إلى أصحابها، انتماءات جزئية لا تستطيع واحدة منها أن تقوم مقام الهوية الوطنية الجامعة. فالهوية السياسية الكلية تنشأ على مستوى الشعب السياسي نفسه، بوصفه “نحن” التي تجمع مواطنين مختلفي الانتماءات داخل جماعة سياسية واحدة. والدولة الحديثة لا تلغي الانتماءات الجزئية، لكنها لا تسمح لواحد منها بأن يتحول إلى تعريف سياسي ملزم للجميع. ويمكن تلخيص العلاقة بقاعدة بسيطة: الكلية لا تعني محو الجزئي، والجزئي لا يملك حق الحلول محل الكلي. وهذا قريب مما يميز برهان غليون، في معالجته لمسألة الطائفية والجماعة السياسية، بين التضامن الذي ينشأ داخل الجماعات الخاصة والعلاقة العامة التي تنشئها الدولة بين أفراد ينتمون إلى جماعات مختلفة. فإذا أصبحت الدولة تعبيراً عن واحدة من هذه الجماعات، لم تعد مجالاً مشتركاً بينها، بل تحولت إلى أداة امتياز لجماعة على حساب الآخرين.

ومن أكثر أنواع الخلط شيوعاً التعامل مع الإثنية والقومية كما لو كانتا اسمين للشيء نفسه. فالإثنية، في معناها الاجتماعي، انتماء يرتبط بعناصر مثل الثقافة واللغة والذاكرة والأصل والتاريخ المشترك أو ببعضها، ويمكن أن تكون رابطة عميقة من دون أن تكون في ذاتها مشروعاً للدولة أو للسيادة. أما القومية، في معناها السياسي الحديث، فهي شيء آخر؛ إنها مشروع فكري وسياسي لا يكتفي بوجود جماعة أو بوعي أفرادها بانتماء مشترك، وإنما ينتقل إلى تصور جماعة بشرية بوصفها أمة، ويجعل هذا التصور أساساً لتنظيم المجال السياسي أو لإعادة تعريفه، ضمن شروط يحددها إطار أيديولوجي خاص، يحدد أو ينتج لهذه الأمة هوية كلية تعرّف بها نفسها وتحدد من خلالها حدود “نحن” التي تتصورها. وهنا يفيد تعريف إرنست غلنر للقومية في كتابه “الأمم والقومية” باعتبارها مبدأً سياسياً يتعلق بالتوافق بين الوحدة القومية والوحدة السياسية. فالقومية ليست مجرد شعور بالانتماء الثقافي، بل مشروع يحمل تصوراً لمن تكون “نحن” السياسية، وللعلاقة التي ينبغي أن تقوم بينها وبين الدولة. ومن هنا ينبغي توجيه السؤال إلى أي مشروع قومي يعمل داخل مجتمع متعدد الإثنيات:

هل يستطيع بناء هوية سياسية كلية تستوعب المختلفين عنه، أم يجعل إثنية بعينها أساساً لتعريف الأمة والجماعة السياسية والدولة؟ ففي الحالة الثانية لا نعود أمام مجرد دفاع عن لغة أو ثقافة أو حقوق جماعة، بل أمام مشروع لإعادة تعريف الجماعة السياسية نفسها.

أما الانتقال إلى مفهومي الأمة والشعب فيضعنا أمام مشكلة اصطلاحية أخرى، لأننا ندخل منطقة لا تتمتع فيها المصطلحات بحدود ثابتة، لا بين اللغات المختلفة ولا حتى داخل اللغة الواحدة. فكلمتا “الأمة” و”الشعب” تتداخلان في الاستعمال التاريخي والسياسي والقانوني، ولا تقابلهما كلمتا Nation وPeople في الإنجليزية مقابلة مطردة تسمح ببناء تمييز نظري عليهما. ولذلك لا يقوم التمييز الذي نعتمده هنا على ادعاء أن للأمة معنى عالمياً ثابتاً يقابله معنى ثابت للشعب، بل هو تمييز تحليلي تفرضه المسألة التي نناقشها. فالأمة، في المعنى الذي نعتمده هنا، ليست مجرد جماعة تجمع أفرادها خصائص مشتركة، وإنما تصور لجماعة بشرية عن نفسها بوصفها “نحن” تاريخية كلية تتجاوز الانتماءات الجزئية لأفرادها. وهذا قريب من معالجة بندكت أندرسون في كتابه “الجماعات المتخيلة” للأمة بوصفها جماعة سياسية متخيلة؛ والمقصود بالتخيل هنا ليس الوهم، وإنما قدرة أفراد لن يعرف معظمهم بعضهم بعضاً على تصور أنفسهم جزءاً من “نحن” مشتركة.

أما كلمة “الشعب” فهي أكثر التباساً، إذ تستخدم بمعانٍ تاريخية وثقافية وسياسية وقانونية مختلفة، وقد تطلق في بعض السياقات على جماعات لا تملك دولة مستقلة. ويكشف الاستعمال في الوثائق الدولية نفسها عن عدم وجود تطابق اصطلاحي مطرد بين Nation وPeople، ولذلك لا يمكن بناء التمييز الذي نعتمده هنا على الترجمة وحدها. ولهذا فإن المفهوم الحاسم بالنسبة إلى بحثنا ليس “الشعب” بإطلاقه، وإنما “الشعب السياسي”: أي جماعة المواطنين التي تشكل، داخل دولة محددة، جماعة العضوية السياسية، ومصدر السلطة، والشرعية، والسيادة. ومن هنا لا يكون السؤال الحاسم ما إذا كان يجوز وصف جماعة دينية أو إثنية أو ثقافية بأنها “شعب” في هذا الاستعمال أو ذاك، بل متى وبأي شروط يتحول انتماء جماعة ما وهويتها المشتركة إلى مشروع سياسي يدّعي أنها شعب سياسي مستقل، أي ذات سياسية تدّعي لنفسها تمثيلاً سياسياً وسيادة وعلاقة خاصة بالأرض؟ عند هذه النقطة تحديداً تنتقل المسألة من وصف الاختلاف الاجتماعي والثقافي إلى إعادة تعريف الدولة والجماعة السياسية التي تقوم عليها، ومنها تستمد السلطة شرعيتها.

وهنا نصل إلى واحد من أكثر الفروق ضرورة في النقاش السوري: الجماعة ليست شعباً سياسياً لمجرد أنها جماعة. فالطائفة جماعة، والإثنية جماعة، والقبيلة جماعة، والجماعة الدينية جماعة. وقد تكون لأي منها ذاكرة ومؤسسات ونخب وتضامن داخلي، وقد تتعرض للتمييز أو الاضطهاد، وقد تنظم نفسها سياسياً للدفاع عن حقوقها؛ لكن شيئاً من ذلك لا يكفي بذاته لتحويلها إلى شعب سياسي. ويحذر روجرز بروبيكر، في كتابه “الإثنية من دون جماعات”، من التعامل مع التصنيفات الإثنية والقومية كما لو أنها جماعات متماسكة ومكتملة الحدود تتصرف تلقائياً كفاعل واحد. فوجود جماعة إثنية شيء، وتحولها إلى فاعل سياسي منظم شيء آخر، والانتقال من ذلك إلى اعتبارها شعباً سياسياً مستقلاً يدّعي السيادة شيء ثالث مختلف في طبيعته ونتائجه. ويمكن للخطاب السياسي، إذا لم نضبط هذه الانتقالات، أن يبني سلسلة من الادعاءات تبدو حلقاتها كما لو أنها تنتج بعضها بعضاً:

جماعة هوية جماعية أمة شعب سياسي ادعاء بالسيادة أرض

لكن أي انتقال في هذه السلسلة ليس تلقائياً، ولا تنتج حلقة منها التي تليها بالضرورة؛ فوجود الجماعة لا ينتج الأمة بذاته، ووجود تصور للأمة لا ينتج شعباً سياسياً بالضرورة، كما أن ادعاء صفة الشعب السياسي هو نفسه انتقال يحتاج إلى أساس سياسي يبرره قبل أن تترتب عليه دعاوى السيادة على والأرض.

إذا كانت الطائفة أو الإثنية أو الجماعة الدينية لا تصبح بمجرد وجودها شعباً سياسياً، فما الذي يجعل المختلفين يشكلون شعباً سياسياً واحداً؟ هنا يصبح المفهوم ضرورياً. فالشعب السياسي لا يقوم على التجانس في الدين أو الإثنية أو الثقافة، وإنما يتشكل تاريخياً عندما يصبح أفراد مختلفون أعضاء متساوين في مجال سياسي مشترك، يخضعون لقواعد عامة واحدة، ويتمتعون بحقوق متساوية، ويشاركون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج السلطة والشرعية. ويضع برهان غليون، في حديثه عن “الجماعة والجماعة السياسية والمواطنة”، تمييزاً مفيداً حين يجعل مرجعية الدولة الشعب، ويربط الجماعة السياسية بالأفراد المنضوين في الدولة والمشاركين في قوانينها وسلطتها. فالذي يجعل هؤلاء شعباً سياسياً ليس اتفاقهم في الدين أو الأصل أو الثقافة، وإنما عضويتهم المتساوية في علاقة سياسية مشتركة بالدولة والقانون والسلطة. ولذلك فالاختلاف ليس نقيض الشعب السياسي؛ القدرة على تنظيم الاختلاف هي أحد شروط وجوده.

والشعب السياسي ليس مجرد نتيجة ناجحة للعيش المشترك؛ ففي الدولة الحديثة هو الطرف الذي يجعل الشرعية ممكنة أصلاً. فالسلطة تمارس باسمه وتستمد منه حقها في الحكم، والقواعد الدستورية التي تنظمها لا تكتسب شرعيتها لمجرد وجودها، بل من صدورها عن الجماعة السياسية، ومن قبولها بها بوصفها قواعد مشتركة، ومن خضوع تعديلها ومراجعتها لقواعد تعترف بها الجماعة نفسها. بهذا المعنى، لا يختفي الشعب بعد تأسيس الدولة، بل يبقى المرجع الذي تعود إليه شرعية السلطة واستمرار النظام السياسي.

أما المواطنة فتجيب عن سؤال مختلف ومكمل: بأي صفة يصبح الفرد عضواً متساوياً في هذا الشعب؟ فهي الصيغة القانونية والسياسية التي تنظم علاقة الفرد بالدولة، من دون أن تطلب منه التخلي عن انتماءاته، ومن دون أن تجعل هذه الانتماءات وسيطاً إلزامياً بينه وبين الدولة. فالمسلم والمسيحي، والعربي والكردي، والسني والعلوي والدرزي، يدخلون المجال السياسي مواطنين متساوين، لا ممثلين لجماعاتهم أولاً؛ وتبقى انتماءاتهم قائمة، لكنها لا تكون مصدر حقوقهم السياسية ولا معيار تفاوتهم فيها. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين دولة المواطنين ودولة الجماعات والحصص:

في دولة المواطنين: الدولة الفرد بصفته مواطناً

وفي دولة الجماعات: الدولة الجماعة الفرد

في الأولى تقوم علاقة الفرد بالدولة على مواطنته المتساوية، وفي الثانية تمر علاقته بها عبر الجماعة التي يُنسب إليها وما تحصل عليه من موقع أو حصة في السلطة. والمساواة هنا لا تعني إنكار الخصوصيات، كما أن الاعتراف بالخصوصيات لا يعني تحويل الجماعات إلى وحدات تأسيسية للدولة، تتوزع بينها السلطة، والحقوق السياسية، وفق أحجامها، وقواها. الدولة لا تتوزع بين الجماعات بقدر أحجامها، ولا يحق لأي طرف أن يصبغها بلونه، كبر أم صغر.

ولا يصبح الاختلاف مشكلة سياسية لمجرد وجوده. المشكلة تبدأ عندما يتغير موقع الانتماءات الجزئية، فتصبح أساساً لتحديد الحقوق أو التمثيل أو الوصول إلى السلطة، ثم قد تتقدم لتصبح أساساً لادعاءات تتعلق بالسيادة نفسها. وقد درس عزمي بشارة، في “الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة”، الانتقال من وجود الطائفة بوصفها جماعة اجتماعية إلى الطائفية بوصفها ظاهرة سياسية تعيد إنتاج الجماعة وتعبئتها سياسياً. وما يعنينا من هذه الفكرة أوسع من الحالة الطائفية وحدها: فالانتماء الجزئي يمكن، تحت شروط سياسية معينة، أن يتحول من رابطة اجتماعية أو ثقافية إلى إطار للتمثيل السياسي، ثم إلى ادعاء احتكار تمثيل الجماعة كلها.

وهنا يظهر الخطر في اتجاهين يغذي كل منهما الآخر: أن تستولي سلطة ذات لون ديني أو طائفي أو إثني على مؤسسات الدولة وتقدم هويتها الخاصة كما لو كانت هوية الدولة نفسها، فتدفع الجماعات الأخرى إلى تحويل انتماءاتها وهوياتها الجزئية إلى مشاريع سياسية تسعى إلى إعادة تعريف نفسها بوصفها شعوباً سياسية مستقلة. في الحالة الأولى يصبح المعنى الضمني: الدولة ينبغي أن تشبهنا؛ وفي الثانية يأتي الرد: إذا كانت الدولة تعرَّف بكم، فنحن نريد إطاراً سياسياً يعرَّف بنا. وبين الحركتين يبدأ المجال السياسي المشترك في التفكك.

وسورية متعددة الأديان والطوائف والإثنيات والمناطق والثقافات، لكن تعدد مكونات المجتمع لا ينتج بذاته تعدداً في الشعب السياسي. ولم تكن المشكلة السورية أن السوريين مختلفون؛ المشكلة كانت، وما تزال، في قدرة الدولة على جعل هذا الاختلاف آمناً، بحيث لا تشعر جماعة أن أمنها يقتضي السيطرة على الدولة، ولا تشعر جماعة أخرى أن أمنها يقتضي الخروج من المجال السياسي المشترك.

ولهذا فإن صبغ الدولة بلون جماعة الأكثرية ليس حلاً لمشكلة التعدد، كما أن إعادة توزيعها على أساس الجماعات ليست علاجاً لاستئثار تلك الجماعة بها. الأول يحول انتماءً جزئياً لجماعة كبيرة إلى هوية كلية للدولة، والثاني يعيد إنتاج المنطق نفسه على مستوى جماعات متعددة. وفي الحالتين يتراجع المعنى الذي نبحث عنه: الدولة بوصفها مجالاً سياسياً مشتركاً تكون العضوية فيه للمواطنين على قدم المساواة، ولا تستطيع جماعة، مهما بلغ حجمها أو قوتها، أن تحتكر تعريفه.

ويمكن توزيع السلطة، وتوسيع اللامركزية، وضمان المشاركة، وحماية اللغات والثقافات والخصوصيات المحلية، ومنع التمييز، من دون تحويل الجماعات إلى وحدات سيادة، ومن دون تحويل الجغرافيا إلى امتدادات طائفية أو إثنية. فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الصراع على السلطة صراعاً على تعريف “نحن” الكلية؛ عندها لا يعود السؤال: من يحكم سورية وكيف نحاسبه؟ بل يصبح: من هي الجماعة السياسية السورية أصلاً، ومن يدخل في تعريفها؟ وهنا يكون الخلاف قد انتقل من السلطة إلى الدولة، ومن قواعد الحكم إلى تعريف الشعب السياسي نفسه.

لهذا فإن ضبط المفاهيم ليس ترفاً لغوياً. فالانتماءات الجزئية، مهما كانت عميقة في حياة أصحابها، لا تنتج بذاتها هوية سياسية كلية، كما أن وجود جماعة ذات انتماء وهوية مشتركة لا ينتج أمة بالضرورة، ووجود تصور للأمة لا ينتج تلقائياً شعباً سياسياً مستقلاً. في كل انتقال من هذه الانتقالات يتغير نوع الادعاء وتختلف النتائج السياسية المترتبة عليه. والدولة الحديثة لا تطلب من الإنسان أن يكون بلا انتماءات، وإنما أن تكون المواطنة مرتبته السياسية المشتركة مع الآخرين، وأن يكون الشعب السياسي هو المجال الذي تنتج فيه الهوية الوطنية الجامعة. وتصبح المشكلة عندما يسعى انتماء جزئي إلى الحلول محل هذه الهوية الكلية، أو إلى احتكار تعريف الجماعة السياسية، أو عندما يكون الرد على هذا الاحتكار إنتاج جماعات سياسية موازية تدعي لنفسها سيادة منفصلة وأرضاً خاصة.

فالوطن القادر على البقاء ليس وطناً بلا اختلاف، بل وطن يستطيع المختلفون أن يعيشوا فيه من دون أن يحتاجوا إلى تحويل اختلافهم إلى حدود سياسية. الكلية لا تمحو الجزئي، والجزئي لا يحل محل الكلي؛ والمواطنة لا تلغي الانتماءات والجماعات، لكنها تمنعها من أن تصبح واسطة إلزامية بين الفرد ودولته؛ والشعب السياسي لا يولد من التشابه، بل من قدرة المختلفين على أن يبقوا، رغم اختلافهم، “نحن” سياسية واحدة.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة