الشك في السلطة لا يعني الشك في الوطن
ثمة أطروحة تجد اليوم صدى في النقاش السوري، وتوحي وكأنها تستخلص نتيجة منطقية من سنوات الحرب والانقسام والدم: “لقد انتهت الدولة الوطنية”، أو تكاد؛ وما اعتقدناه شعباً واحداً لم يكن، في العمق، سوى جماعات دينية ومذهبية وإثنية جمعتها دولة لم تنجح في تحويلها إلى جماعة سياسية حقيقية. وما إن ضعفت هذه الدولة حتى ظهرت الحقيقة التي كانت تخفيها: لسنا شعباً واحداً، بل شعوب متعددة، لكل منها ذاكرتها ومخاوفها ومصالحها، وربما حقها في أن تبحث عن شكل سياسي مستقل لحياتها.
وليس صعباً فهم الأسباب التي تجعل أطروحة كهذه تجد من يصغي إليها اليوم. فخوف قطاعات من السوريين، ولا سيما في بعض الأوساط الأقلوية، من سلطة ذات توجه إسلامي سني سلفي متشدد، وتوارب في تعريف نفسها كسلطة انتقالية ذات مهمة ” ائتمانية ” ليس خوفاً متوهماً يمكن تبديده بشعارات الوحدة الوطنية. فلقد أضعفت سنوات الحرب الدولة، ورفعت من الوزن السياسي للانتماءات الدينية والمذهبية والإثنية والمناطقية، وأعادت معها أسئلة الأمان والتمثيل والمصير إلى الواجهة. وليس من الجاد تجاهل هذه المخاوف أو مطالبة أصحابها بالثقة المجردة بالمستقبل.
لكن فهم الشروط التي تجعل أطروحة ما قابلة للتصديق لا يعني التسليم بصحتها. فالاعتراف بالخوف الذي يغذيها شيء، وتحويل هذا الخوف إلى نظرية في الوطن والتاريخ شيء آخر تماماً.
هذه الأطروحة، على ما تبدو عليه من تماسك ظاهري، شديدة الالتباس؛ وما إن تُفكك حتى تكشف عن سلسلة من التداخلات والانزلاقات المفهومية والمغالطات المنطقية، تختلط فيها الملاحظة التاريخية بالاستنتاج السياسي، والواقع الاجتماعي بالحكم النظري، والسبب بالنتيجة، وتنتقل بين مستويات مختلفة من التحليل من دون أن تستوفي شروط الانتقال بينها، حتى يصبح ما يحتاج إلى البرهنة مقدمةً مسلَّماً بها، وما أنتجته الحرب والانهيار حقيقةً أصلية يُعاد بها تفسير التاريخ. وهكذا تنزلق من أزمة الدولة إلى إعلان نهايتها، ومن تسييس الجماعة إلى ولادة “شعب”، ومن تصدع المشترك الوطني إلى إنكار وجوده أصلاً، ومن الشك أو الخوف من سلطة راهنة إلى حكم على الوطن نفسه؛ فتصل في النهاية إلى مخرجات تكاد تنقطع صلتها بالمدخلات التي انطلقت منها.
فالسؤال ليس إن كانت الدولة الوطنية في سورية قد دخلت أزمة عميقة، ولا إن كان المشترك السوري قد أصيب بتصدعات خطيرة. هذه وقائع يصعب إنكارها. السؤال هو: هل تكفي للقول إن الدولة الوطنية انتهت، وإن الشعب السوري انتهى معها، وإن ما بقي بعد سقوطهما ليس إلا “شعوباً” كانت الدولة الشمولية تجمعها قسراً أو تخفي وجودها الحقيقي؟
هذه ليست نتيجة تفرضها الوقائع بذاتها. إنها تفسير لها، وبين الاثنين مسافة ينبغي ألا تضيع تحت وطأة الخوف أو الشك.
لقد نجح السوريون، خلال قرن، في بناء دولة ذات إطار وطني، وفي تكوين قدر من المجال السياسي المشترك؛ تشكلت في إطاره مؤسسات الدولة وأجهزتها، من الإدارة والتعليم والقضاء والجيش، ونمت داخله المدن والاقتصاد والمصالح المتشابكة والذاكرة العامة والتجارب السياسية والاجتماعية المشتركة. وتكوّنت، عبر هذا التاريخ، هوية سورية حقيقية لم تكن وهماً ولا مجرد اختراع إداري.
ولم تكن هذه الهوية بحاجة إلى أن تلغي ما دونها من انتماءات حتى تكون حقيقية. فالهوية الوطنية ليست نقيض الانتماءات الدينية أو المذهبية أو الإثنية، ولا قوة إحداها دليلاً آلياً على موت الأخرى. يمكن للسوري أن يكون عربياً، أو كردياً، أو علوياً، أو درزياً، أو مسيحياً، أو سنياً، من دون أن يكون أحد الانتماءين نفياً للآخر. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء الفرعي إلى هوية داخل الوطن وإلى معيار للحقوق، أو مصدر للسلطة، أو شرط للأمان.
وما كشفته الكارثة السورية ليس أن هذا البناء الوطني لم يوجد، بل أنه كان أكثر هشاشة مما اعتقدنا. فما تحقق في بناء الدولة لم يرافقه القدر نفسه من النجاح في بناء شرعيتها بوصفها ملكاً عاماً لجميع مواطنيها. لم تكن المؤسسات مستقلة بما يكفي عن السلطة، ولم تكن المواطنة محصنة بما يكفي أمام القوة والخوف والانتماءات الفرعية، ولم يترسخ بما يكفي أن الدولة تبقى للجميع حتى عندما تتغير السلطة.
لكن اكتشاف الخلل في أساسات بيت قائم ليس دليلاً أن البيت لم يوجد.
ولهذا لا ضير في الدفاع عن الدولة الوطنية؛ لا عن الصيغة التي عرفناها، ولا عن السلطات التي حكمتها، بل عن المبدأ نفسه: إمكان أن يعيش المختلفون بوصفهم مواطنين متساوين وشعباً سياسياً واحداً داخل دولة مشتركة.
هنا، في تلك الأطروحة، يقع الخلط الأول الذي ينبغي تفكيكه: الخلط بين فشل صيغة تاريخية للدولة الوطنية وفشل فكرة الدولة الوطنية نفسها. فقد تكون الصيغة التي قامت عليها الدولة السورية قد استنفدت قدرتها على الاستمرار، وقد يكون ما نحتاجه فعلاً إعادة تأسيس الدولة على أساس مختلف في الشرعية والمواطنة والمؤسسات. لكن انهيار صيغة من صيغ الدولة لا يبرهن أن فكرة الدولة المشتركة نفسها أصبحت خطأً، كما أن إثبات فشل تجربة تاريخية لا يثبت تلقائياً صلاحية نقيضها.
ومن هذا الخلط تنشأ خطوة أكثر إشكالاً: تحويل الجماعات إلى شعوب.
متى تصبح الجماعة شعباً؟
هل يكفي أن تكون مختلفة دينياً أو مذهبياً أو إثنياً؟ أم لا بد من ذاكرة مشتركة؟ أم تجربة تاريخية خاصة؟ أم إرادة سياسية مشتركة؟ أم تنظيم سياسي؟ أم مطالبة بحق مستقل في تقرير المصير والسيادة؟
والسؤال الأشد إحراجاً لهذه الأطروحة وأهلها: متى أصبحت الجماعات السورية التي توصف اليوم بأنها “شعوب” شعوباً؟
هل كانت كذلك عام 2010؟ أم عام 1970؟ أم عند الاستقلال؟ أم أصبحت كذلك خلال الحرب؟
إذا كانت شعوباً منذ البداية، فذلك ادعاء تاريخي يحتاج إلى البرهنة، ولا يمكن استخراجه بأثر رجعي من نتائج الانهيار. وإذا كانت الحرب والانهيار قد حوّلاها إلى شعوب، فنحن أمام تشكل سياسي تاريخي جديد، لا أمام حقيقة أصلية كانت الدولة الوطنية تخفيها ثم انكشفت.
لا يمكن أن تبدأ الحجة من وجود جماعات مختلفة، ثم تنتهي، من دون خطوة نظرية وسيطة، إلى وجود شعوب مختلفة.
فالجماعة يمكن أن تكون حقيقية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وأن تمتلك ذاكرة ومصالح خاصة، وأن تتعرض للتمييز أو الاضطهاد، وأن تطالب بحقوق وضمانات، من دون أن تصبح بذلك شعباً سياسياً منفصلاً. كما يمكن لشعب سياسي أن يضعف ويتشقق من دون أن ينتج عن ذلك تلقائياً شعوب سياسية بديلة. وربما كان هذا أقرب إلى الحالة السورية: تراجع قدرة المشترك السياسي على تنظيم الاختلاف، وارتفاع الوزن السياسي للانتماءات الفرعية، لا ولادة شعوب جديدة بالضرورة.
وهنا يظهر الخلط الثاني: اعتبار عودة الجماعات إلى الواجهة أثناء الانهيار دليلاً على أنها الوحدات السياسية الأصلية والحقيقية للمجتمع.
عندما تنهار الدولة أو تعجز عن أداء وظائفها، تستعيد العائلة والعشيرة والطائفة والجماعة الإثنية والمنطقة وظائف في الحماية والتضامن التي كانت الدولة يفترض أن توفرها للمواطن. وقد يتحول الخوف مع الزمن إلى وعي جماعاتي، وقد تتبنى قوى وأفراد مشاريع مذهبية أو إثنية عن قناعة سياسية فعلية. لكن حتى هذه الحالة لا تحسم وحدها مسألة الشعب والسيادة. فما يحتاج إلى البرهنة هو الانتقال من جماعة أصبحت أكثر تماسكاً أو أكثر خوفاً أو أكثر تسييساً إلى شعب سياسي مستقل.
وهنا تحديداً تكتسب الأطروحة جاذبيتها في اللحظة السورية الراهنة. فإذا شعرت جماعات من السوريين، ولا سيما في بعض الأوساط الأقلوية، بأن السلطة انتقلت إلى قوة ذات توجه إسلامي سني، يصبح مفهوماً أن تسأل عن أمنها وحقوقها وموقعها في الدولة. لكن الشك أو حتى الخوف من السلطة لا يثبت أن الوطن قد انتهى، كما أن سيطرة قوة ذات هوية إسلامية سنية لا تجعل السنة جميعاً أصحاب هذه السلطة أو ممثلين بها.
بل قد يقود الخوف نفسه إلى النتيجة المعاكسة: الحاجة إلى دولة لا تستطيع أية جماعة، ولا أية قوة تدعي تمثيل جماعة، امتلاكها.
نعم قد يكون من حق الجماعات الخائفة أن تطلب ضمانات دستورية وقانونية ومؤسسية حقيقية ضد التمييز والهيمنة والعنف. لكن ثمة فارقاً بين ضمانات تمنع جماعة من امتلاك الدولة، وبين اعتبار الجماعة نفسها شعباً ذا سيادة مستقلة. الأولى محاولة لإصلاح المجال الوطني المشترك، أما الثانية فتعيد تعريفه.
والسؤال الأهم، بدل الاكتفاء بالسؤال عن سبب عودة الجماعات، هو: لماذا أصبحت الجماعة أكثر قدرة من الدولة على توفير الأمان والضمانات؟
وهذا يقود إلى ما يغيب عن كثير من ذه أصحاب أطروحات نهاية الدولة الوطنية: الشرعية.
فالدولة لا تنتج شعباً سياسياً لمجرد أنها ترفع علماً واحداً، أو تدرّس تاريخاً واحداً، أو تنشئ مؤسسات تحمل اسم الدولة. الشعب السياسي يُنتج ويُعاد إنتاجه من خلال تجربة المواطن مع الدولة: من خلال القواعد العامة، وتساوي الحقوق، وحياد المؤسسات، ووصول القانون إلى القوي والضعيف، وإمكان المشاركة والاعتراض، وأن يعرف المواطن أن خسارته السلطة لا تعني خسارته الدولة.
الشعب السياسي يظهر حين يصبح الخلاف على السلطة ممكناً من دون أن يتحول إلى خلاف على الوطن.
وحين تفشل هذه القاعدة، لا تبقى الانقسامات الاجتماعية كما كانت. يمكن للسلطة نفسها أن تعيد إنتاجها سياسياً: بالمحسوبية والتمييز، وبتوزيع القوة والموارد وفق شبكات الولاء، وربط الأمان بالقرب من السلطة، وتحويل الانتماء الفرعي إلى وسيلة للنفوذ والحماية. بهذا المعنى، لا يكون التطييف دائماً عودة تلقائية إلى حقيقة اجتماعية قديمة؛ قد يكون أيضاً منتجاً سياسياً لفشل الدولة في أن تكون دولة لجميع مواطنيها.
وهنا ينبغي التوقف عند خلط آخر: استمرار الرموز الوطنية لا يعني بالضرورة استمرار المشروع الوطني.
يمكن لسلطة أن تحتفظ بالعلم والذاكرة الوطنية وأبطال الاستقلال وأسماء المؤسسات وخطاب الوحدة، وأن تكون، في الوقت نفسه، قد أفرغت هذه الرموز من مضمونها السياسي. فالمشروع الوطني لا يستمر لأن السلطة تتحدث باسم الوطن، بل حين تستمر المؤسسات بوصفها مؤسسات عامة، ويظل المواطن مصدراً للحقوق، وتبقى الدولة منفصلة عن السلطة بما يكفي كي لا تصبح ملكاً لمن يحكم.
ومن هنا لا يكون احتفاظ سلطة برموز الدولة الوطنية برهاناً كافياً على أنها واصلت بناء الشعب السياسي. فقد تستولي السلطة على الذاكرة الوطنية نفسها، وتستخدمها لتغطية عملية معاكسة: ابتلاع الدولة داخل السلطة. ولذلك لا ينبغي قياس استمرارية المشروع الوطني بما بقي من رموزه، بل بما بقي من شروطه السياسية والمؤسسية.
وهذا هو الاختبار نفسه أمام أية سلطة جديدة. ليس السؤال فقط من يحكم، بل هل تتغير العلاقة بين السلطة والدولة؟ هل تبقى الدولة غنيمة لمن ينتصر، أم تصبح إطاراً لا يستطيع المنتصر امتلاكه؟
لأن تغيير هوية من يدعي أنه مالك الدولة لا يحل مشكلة ملكية الدولة.
ويظهر الاضطراب النظري نفسه بصورة أوضح لدى أهل تلك الأطروحة عندما يتعلق الأمر بالإثنية. فوجود جماعة إثنية متميزة حقيقة لا تحتاج إلى إنكار، كما أن حقوقها الثقافية والسياسية، وحقها في الحماية من التمييز، ليست موضع مساومة. لكن الاعتراف بالإثنية لا ينتج بذاته شعباً سياسياً مستقلاً، مثلما أن إثبات الخصوصية لا يثبت وحده حقاً منفصلاً في السيادة.
الإثنية، والجماعة السياسية، والشعب السياسي، والذات صاحبة السيادة ليست أسماء متعددة لشيء واحد. الانتقال من مرتبة إلى أخرى يحتاج إلى تعريف وبرهان، ولا يجوز وضع النتيجة داخل المقدمة: تعريف جماعة ابتداءً بوصفها شعباً، ثم الاستدلال بهذا التعريف نفسه على أن لها سيادة مستقلة.
وهذا لا ينكر وجود قضايا إثنية حقيقية في سورية، ولا يلغي المطالب بالحقوق، أو الاعتراف، أو المشاركة، أو أشكال مختلفة من اللامركزية. لكنه يرفض أن يكون مجرد التمايز الإثني طريقاً مختصراً من الجماعة إلى الشعب، ومن الشعب إلى السيادة، ومن السيادة إلى الأرض.
وهنا نصل إلى النتيجة السياسية الأخطر لأطروحة “الشعوب المتعددة”.
فالمفاهيم لا تبقى في الكتب. حين تسمى الجماعة شعباً، يصبح من الممكن أن يقدم نخبها أنفسهم ممثلين لشعب. وحين يصبح لدينا شعب يظهر سؤال السيادة، ومع السيادة يظهر سؤال الأرض والحدود. وعندها يمكن أن تتحول خرائط الخوف التي صنعتها الحرب إلى خرائط سياسية.
لكن هذا المسار لا يحل مشكلة الأقليات بالضرورة؛ قد يعيد رسمها. فسورية ليست خريطة تتطابق فيها الجماعات مع مساحات جغرافية صافية. مدنها ومناطقها متداخلة، وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية متشابكة، وفي داخل كل جماعة أفراد لا يريدون أن تعرّفهم هويتهم المذهبية أو الإثنية سياسياً. وكل كيان ينشأ لحماية جماعة قد ينتج داخله أقلية جديدة تحتاج بدورها إلى الحماية.
ولا يعني ذلك أن اللامركزية تقود بالضرورة إلى التقسيم. فهذه جزء من صيغ لتنظيم السلطة داخل الدولة، ويمكن أن تكون جزءاً من معالجة المركزية المفرطة. السؤال الحاسم مختلف: أين تستقر السيادة؟ هل تبقى لشعب سياسي سوري مشترك مع توزيع واسع للصلاحيات والسلطات داخل دولته، أم تنتقل إلى جماعات يعاد تعريفها بوصفها شعوباً مستقلة؟
هذا هو الفارق الذي ينبغي ألا يضيع.
فليس السؤال فقط كيف نمنع عودة الدولة المركزية المتسلطة، بل كيف نحمي التعدد أيضاً من أن يتحول إلى مجموعة سيادات وأوطان متنافسة. وبأي معنى سيكون إنتاج كيانات أصغر أكثر قدرة على حماية المختلف من دولة مواطنة يعاد تأسيسها بحيث لا يستطيع أحد امتلاكها؟
لا يكفي إثبات فشل الصيغة القائمة لإثبات صلاحية البديل.
والدفاع عن الدولة الوطنية هنا ليس دفاعاً عن الدولة التي عرفناها. فما كشفت عنه التجربة السورية يمنع العودة إليها بالقدر نفسه الذي يمنع القفز من فشلها إلى إعلان نهاية الدولة الوطنية. المطلوب إعادة تأسيسها، لا استعادتها كما كانت ولا هدمها بحثاً عن أوطان بديلة.
إعادة تأسيسها على أساس الاعتراف بالتعدد من دون تحويله إلى سيادات متنافسة، والمواطنة بوصفها مصدر الحقوق، ومؤسسات لا تتغير ملكيتها بتغير السلطة، وضمانات دستورية وقانونية تمنع أي فريق من تحويل تفوقه العددي أو العسكري أو التنظيمي إلى ملكية للدولة.
وهنا يصبح مفهوم “الشعب السياسي” حاسماً.
الشعب السياسي ليس جماعة متجانسة، وليس عملية لصهر الجماعات وإلغاء اختلافاتها. إنه الجماعة السياسية التي تنشأ حين يستطيع المختلفون أن يعيشوا اختلافهم داخل مجال سياسي مشترك على قاعدة المساواة في الحقوق والانتماء، وحين تصبح الدولة ملكاً عاماً لا ملكاً لمن يحكمها. إنه الشعب الذي يستطيع أن يختلف على السلطة من دون أن يختلف على وجود الوطن نفسه.
ومن هنا ينبغي أن يتغير السؤال السوري.
ليس: هل اكتشفنا أخيراً أننا شعوب متعددة عاشت قرناً داخل خطأ تاريخي اسمه سورية؟
بل: لماذا أصبح السوري، في لحظة الانهيار، يحتاج إلى جماعته أكثر مما يحتاج إلى دولته؟ لماذا أصبحت الهوية الفرعية قادرة على تحديد الأمان والحقوق أكثر مما تحدده المواطنة؟ ولماذا استطاعت السلطة، مرة بعد أخرى، أن تستولي على الدولة؟
ليس المطلوب من الخائفين أن يتوقفوا عن الخوف، ولا من الأقليات أن تثق بحسن نية الأكثرية، ولا من أية جماعة أن تكتفي بوعد جماعة أخرى بالرحمة.
المطلوب دولة لا يحتاج فيها أحد إلى رحمة جماعة أخرى.
لقد نجح السوريون خلال قرن في بناء دولة ذات إطار وطني ومجال سياسي مشترك، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في بناء الأساس السياسي والشرعي الذي يجعلها دولة مواطنين محصنة أمام استيلاء السلطة عليها. وما تكشفه الكارثة ليس بالضرورة أن سورية كانت خطأ، بل أن الدولة السورية لم تكن محصنة بما يكفي كي تبقى وطناً لجميع أبنائها عندما انهارت السلطة أو تغيرت.
فالاختلاف لا يصنع أوطاناً متعددة بذاته، والخوف لا يصنع شعوباً بمجرد شدته. السياسة تستطيع أن تجعل المختلفين شعباً سياسياً واحداً، وتستطيع، حين تفشل أو تتوحش، أن تجعل كل اختلاف مشروع وطن.
والمهمة أن نعيد تأسيس الدولة بحيث لا يحتاج السوري إلى الاختيار بين جماعته ووطنه؛ وأن يبقى الاختلاف حقاً داخل الدولة، لا أن يتحول إلى ادعاء بامتلاك دولة أخرى.
