القومية العربية والتيارات الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين

img

منذ إقرار الدستور العثماني في العام 1908 برز شيء من التضاد بين الفكر الإسلامي التقليدي المشبع بفكرة الخلافة وعدم الخروج على الحاكم وتطبيق الشريعة الإسلامية ومعارضة أية محاولة لإدخال الأفكار الغربية ميدان السياسة والحكم باعتبار أن ما جاءت به الثورة الفرنسية وحركة التنوير من أفكار إنما يخص الغرب وحده، وأن المسلمين ليسوا بحاجة لتلك الأفكار، وبين الفكر القومي التركي لجماعة “تركيا الفتاة” أما الجماعة المقابلة لها على الضفة الأخرى أي “العربية الفتاة” فرغم تأثرها الواضح بالفكر القومي لكنها لم تكن متحمسة في أي وقت لتبني علمانية مناهضة للدين، بل كانت تسعى لتوليفة توفق بين العروبة والإسلام، مع شيء من الحداثة والعلمانية غير المعادية للدين، ويظهر ذلك بصورة جلية في التركيبة الداخلية لقيادة “العربية الفتاة” التي ضمت شخصيات ذات فكر إسلامي مثل محب الدين الخطيب تلميذ الشيخ طاهر الجزائري ويظهر ما قاله عن أستاذه الشيخ طاهر الجزائري تلك التوليفة الفكرية التي لازمته حين يقول: “من هذا الشيخ عرفت إسلامي وعروبتي”.

اشترك الخطيب في الجمعية السرية “العربية الفتاة” مبكراً حين كان مقرها باريس، حيث كان معتمدها في القاهرة، وكان رقمه السري (28)، حيث يتلقى التعليمات من مسؤوله المباشر؛ عبد الغني العريسي، وتتمثل شروط هذه الجمعية بالسرية والكتمان والإيمان بالقومية العربية وإطاعة قرارات الأكثرية دون قيد ولا شرط.

أما الشيخان رشيد رضا ومحمد كامل القصاب فقد كانا عضوين في حزب الاتحاد السوري العروبي أيضا رغم أن عروبيته اختلطت بنزعة سورية حين كان لسورية مدلول جغرافي يضم كلاً من سورية الحالية ولبنان وفلسطين وجزءاً من العراق الحالي والأردن وحتى جزءاً من شمال المملكة العربية السعودية الحالية.

ويلفت النظر أن النزعة العلمانية لدى حزب الاتحاد السوري كانت أوضح من علمانية “العربية الفتاة” الخجولة، ولا أدل على ذلك من انضواء جميع أعضاء حزب الاتحاد السوري تحت رئاسة الأرثوذكسي ميشيل لطف الله بمن فيهم الشيخين رشيد رضا ومحمد كامل القصاب.

من المهم للغاية النظر لعلاقة الفكر الإسلامي بالقومية العربية الحداثية العلمانية وفق أكثر المفاهيم العلمانية تسامحاً وتقبلاً للدين من خلال سيرورة العلاقة بين المشرق العربي والغرب من وجهة النظر السياسية، ففي حين بدأ الفكر الاسلامي العربي يتمرد على الولاء للدولة العثمانية ذات الصفة الإسلامية حتى قبل خلع السلطان عبد الحميد – انظر كتاب عبد الرحمن الكواكبي: “طبائع الاستبداد”، الذي نشر في العام 1902 ويلتحق بالفكر القومي العربي الحداثي بطريقة توفيقية تحمل في طياتها استمراراً لخط التنوير الذي بدأه جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ويمثل الشيخ رشيد رضا في معترك حياته السياسية بين 1912-1920 المرحلة التي اتصف فيها ذلك الفكر بالانفتاح على الديمقراطية بمفاهيمها الأوسع بما في ذلك النظام السياسي الديمقراطي مما يعتبر امتداداً طبيعياً للتنوير الذي بدأه الأفغاني وتطويراً له، يتناغم مع طبيعة العصر وحاجاته وانفتاحاً على مفاهيم الثقافة الأوربية، ألا يكفي أن الشيخ رشيد رضا ترأس المؤتمر السوري العام الذي كان بمثابة جمعية تأسيسية منتخبة ومارس ضمنه السياسة الديمقراطية بحرية وفعالية وساهم بوضع الدستور السوري ذي الصبغة العلمانية الديمقراطية ورضي بعدم تضمين الدستور أن دين الدولة الاسلام؟.

بالمثل لم يكن الشيخ الشعبي محمد كامل القصاب بعيداً عن ذلك التوجه وهو الذي ترأس لجان الأحياء الشعبية ثم لجان الدفاع المنبثقة عنها وكان يدخل على الملك فيصل حاملاً معه رأي الفئات الشعبية في جو ديمقراطي. كما كان ينسق بصورة تامة مع “العربية الفتاة” في جميع المواقف السياسية والتحركات الشعبية في دمشق.

بعد انهيار الدولة العربية الأولى في دمشق واحتلال فرنسا لسورية هرب رشيد رضا لمصر، وهناك أصدر جريدة المنار وفيها بدأ خطه السياسي بالتراجع نحو المحافظة والتصالح مع الفكر الإسلامي التقليدي لكنه احتفظ بشيء من نزعته السياسية ومن ذلك الخليط غير المتجانس من تنوير غير مكتمل بدأه الأفغاني وارتكاس عن تطوير فكري وسياسي لهذا التنوير باتجاه تقبل الديمقراطية والحداثة الغربية أعاد رشيد رضا تقديم نسخة محافظة عن فكر إسلامي أطل على العصر في لحظة تاريخية فريدة ثم ارتد عن تلك الإطلالة بعد أن حطم الغرب حلمه بالدولة العربية التي شارك بحماس في مشروع بنائها في دمشق.

من بقايا تنوير غير منجز وارتكاس عن الانفتاح على الثقافة الأوربية وعودة لأحضان الفكر الإسلامي التقليدي ولد الفكر الإسلامي الجديد في مصر والذي لا يشابه في شيء أصوله السابقة أعني تنوير الأفغاني ومحمد عبده، ولا يتقبل الانفتاح ولا التطور، مع ذلك فقد قدم جناحه الشامي متمثلاً في مصطفى السباعي وعصام العطار أقصى ما يمكن لهذا الفكر تقديمه من تسامح ونزعة سلمية تميل به إلى أن يكون فكراً دعوياً فوق كل شيء مخالفاً إلى حد ما أتى به سيد قطب من النظر إلى المجتمع كمجتمع جاهلية، وعززه حسن البنا في التفكير بخوض ميدان السياسة بحماس وتبرير استخدام جميع الوسائل للوصول للسلطة بما في ذلك العنف.

وفي هذا السياق فقد الفكر الإسلامي توليفته السابقة بين القومية العربية والإسلام، كما فقد أية صلة ممكنة بالديمقراطية والحداثة الأوربية وأصبحت مدانة أية محاولة لإعادة الفكر الإسلامي لما كان عليه أيام كان رشيد رضا رئيساً للمؤتمر السوري العام وكان الحراك الشعبي الديمقراطي السلمي يضم الإسلاميين والقوميين العرب في تناغم تام في العهد الفيصلي الذي رحل بغير عودة.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة