ما بعد الحرب: المدّ الديني الاجتماعي ومآلات التحول السياسي
أحد الأسئلة الغائمة وسط جحيم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هل ستؤدي نتائجها أياً كانت إلى تحفيز جماعات الإسلام السياسي عموماً، والراديكالي للعودة إلى بعض من أعمال العنف مجدداً، أم ستستمر بعض سياسات الاحتواء والحظر في بعض الدول العربية مثل المغرب والأردن؟ ما يدعو إلى طرح هذا السؤال الكبير، المفتوح على عديد السيناريوهات، والمآلات عديد الاعتبارات التي يمكن طرح بعضها فيما يلي:
1- توظيف أطراف الحرب لبعض الرؤى والسرديات الدينية الخلاصية، من ترامب ومن وراءه من رجال الدين، والجماعات المسيحية الصهيونية، والمقولات التوراتية الأسطورية التي يعتمد عليها نتنياهو، واليمين الصهيوني، وغلاة المتطرفين، وأيضاً الخطاب الديني الشيعي الذي يسود دوائر، ومراكز الحكم الإيراني.
2- الأسانيد الدينية باتت عنصراً في تديين الصراع الإقليمي، لاسيما في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية للمدنيين في قطاع غزة، والعودة إلى صحوة نسبية في الخطاب السياسي الديني، لاسيما على بعض فضاءات الحياة الرقمية، وفي الواقع الفعلي في المساجد، وطقوس الصلاة… إلخ.
3- كثافة عمليات الاغتيال لقادة دينيين، وعسكريين في إيران، وثلاثة مستويات قيادية في حزب الله، وبعض قادة حماس، والجهاد الفلسطيني. وتتزايد ردود الأفعال وسط البيئة الحاضنة لحزب الله، في ظل موجات الهجرة من الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية إلى بيروت، وبعض المناطق اللبنانية الأخرى، حيث وصلت الأعداد إلى أكثر من مليون مواطن.
غالباً ما تشكل ظواهر ما بعد الحروب في المنطقة من دمار للحجر والبشر، والموت المحلق فوق الرؤوس، أحد محفزات العودة إلى الدين لتفسير الهزائم، أو السلوك السياسي والاجتماعي الذي أدى إليها، أو الصمود والمقاومة، ومن ثم تنتعش التفسيرات الدينية، وفي كل الحالات، وخاصة في ظل تحقيق انتصارات جزئية، يكون التفسير الديني أحد خطابات تفسير هذا النصر الجزئي، على نحو ما ساد في أعقاب هزيمة الخامس من يونيو 1967، وما بعد حرب أكتوبر 1973. وما يبدو عليه بعض من خطاب مراكز الحكم في إيران، وبوادر المنافسات فيما بينها، خاصةً مع مرض أو اختفاء مجتبى خامنئي المرشد الأعلى.
يلجأ بعض القادة السياسيين إلى استخدام النصوص الدينية شحذاً للهمم، وللتماسك الاجتماعي، وفي التعبئة الدينية والسياسية في أعقاب الهزيمة، ومعهم المؤسسة الدينية الرسمية، وبعض الدعاة، وأيضاً في لحظة النصر، افتخاراً إلى جانب الإشارة إلى التطور في الأداء القتالي، والتخطيط العسكري في الحرب على إيران على سبيل المثال. الحرب على إيران وردودها في منطقة الخليج، ومواقع القواعد العسكرية الأمريكية وغيرها، يبدو بعض علامات التديين السياسي حاضراً بقوة بين أطرافها، وأيضاً بعض السجال الديني المذهبي السياسي بين السنة والشيعة يظهر حيناً، ويصمت ويتوارى حيناً آخر، ويتم تجاوزه نحو وحدة الدين من بعضهم من رجال الدين، أو المؤسسات الدينية، أو دعم بعضها لبعض أطراف الصراع في منطقة الخليج. اللغة الدينية، والنصوص المقدسة والنبوية، توظف في بعض الخطابات على الواقع الفعلي، أو الحياة الرقمية، من بعض الجموع الرقمية الغفيرة، أو بعض المجموعات الرقمية المنظمة لبعض الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية. من ثم تطرح هذه البيئة المضطربة، وعدم الاستقرار السياسي في الإقليم، والمساجلات السياسية الحادة، عديد الأسئلة، ومنها: هل ستؤدي مآلات الحرب إلى تحفيز وتنشيط الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية السنية؟ هل ستتحول بعض المكونات الشيعية إلى ممارسات عنفية راديكالية في الإقليم، وفي العالم؟
هل ستعاد اللحظة الهوياتية الدينية التي ظهرت وتمددت بعد هزيمة يونيو 1967، وما بعد حرب أكتوبر 1973؟
ما أثر مآلات الحرب على السياسات الدينية في دول العسر العربية؟
ما هو موقف جيل Z وآلفا من الإسلام السياسي الراديكالي؟
سوف نحاول معالجة بعض هذه الأسئلة على النحو التالي:
أولاً: لا شك أن الأقنعة والخطابات الخلاصية المسيحية الصهيونية، والنزعة التوراتية الأسطورية الإسرائيلية – الرامية إلى ممارسة دور إقليمي إمبراطوري – تمثل تحفيزاً وتنشيطاً للنزعة الدينية الإسلامية السياسية والسلفية، لأن النزعة الخلاصية لأطراف الصراع، وخاصةً عندما تظهر نتائج الحرب، والمعلومات حولها في حدها الأدنى، وباعتبارات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وانتخابات الكنيست، وذلك بعيداً عن صخب التلفازات ووسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الدقيقة والملفقة، ستظهر علامات صحوة نسبية للخطاب الديني وبعض جماعاته.
ثانياً: من الملاحظ أن عودة المد الديني مجدداً في عديد البلدان العربية المعسورة قبل حرب الإبادة على قطاع غزة، والحرب على إيران، في أكثر من بلد عربي، حيث يتم من خلال سياسة التمدد الناعم من أسفل، من خلال الطقوس الدينية اليومية في المساجد، وفي المصالح والهيئات الحكومية، والقطاع الخاص. التمدد الناعم من خلال المغالاة في توظيف الأعياد الدينية، وطقوس واحتفالات الحركة الصوفية بأولياء الله الصالحين، وفي قلب اللغة اليومية، وأيضاً في استخدام الهواتف المحمولة في قراءة القرآن الكريم، أو بث قراءات كبار المقرئين في القطارات وبعض مواقع العمل، وفي استخدام سائقي النقل العام تسجيلات كبار القراء، وبثها أثناء قيادة السيارات، ومعهم سائقي سيارات الأجرة، وأوبر وغيرها، وذلك بقطع النظر عن دوافع هذا التمدد الناعم الطوعي، أو بعض المنظم. ازدياد دور الجماعات الأهلية الدينية التي تقدم الخدمات الاجتماعية للفقراء في الأحياء والقرى في المدن والأرياف، وذلك من خلال أسانيدها الدينية وشعاراتها في جذب التبرعات، وفي تقديمها للخدمات للفقراء.
التمدد الناعم الطوعي، والمنظم، مرجعه تفاقم الأزمات الاجتماعية، وتفكك بعض الروابط الاجتماعية الأسرية، وارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، وتراجع مستويات المعيشة والحياة عند الحافة من بعض الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً. هذه السياقات تاريخياً شكلت حالة اللجوء إلى الدين والتدين الشعبي أحد آليات التوازن النفسي والاجتماعي للأفراد الفقراء والأكثر عسراً.
ثالثاً: يشكل تمدد الفكر السلفي المنظم والطوعي بيئة ملائمة للإسلام السياسي، وجماعاته، خاصةً بعد خروج الإخوان المسلمين من سدة السلطة في مصر، والنهضة في تونس، وبعض العمليات الإرهابية في كلا البلدين، من ثم بات الفكر السلفي النشط أحد محفزات التمدد الناعم، وتاريخياً كانت هذه الجماعات بيئة ملائمة ووظيفية للتجنيد داخل بعض الجماعات الإسلامية السياسية، ولأن بعض الفكر السلفي يمثل أحد المصادر المرجعية لجماعتي الإخوان في مصر والسودان، والنهضة في تونس.
من ثم يشكل التمدد الناعم الطوعي، وبعض المنظم، بيئةً لدعم الجماعات الراديكالية والسياسية، ويتم توظيف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في المد الإسلامي السياسي في ظل اضطرابات الإقليم ما بعد الحرب، وإعادة تشكيل مواقع القوة بين الدول العربية، وانكشاف هشاشة بعض دول اليسر النفطية، لاسيما مع علامات تمدد الحضور الباكستاني، والتركي، مع مصر والسعودية والأردن، والهند مع الإمارات وإسرائيل.
رابعاً: يؤدي التمدد الناعم، ثم المسيس في ظل مرحلة ما بعد الحرب، إلى صعود جديد لعمليات تديين هوية بعض بلدان العسر العربية في مواجهة الدور شبه الإمبراطوري لإسرائيل، والدعم الأمريكي الكامل لها، وذلك كرد فعل نفسي واجتماعي جمعي في ظل الاضطراب وعدم الاستقرار الإقليمي، وخاصةً بعد تهميش دول اليسر، وغالب العسر، لمفهوم التضامن العربي، والعروبة السياسية، وعجز الجامعة العربية في عديد الأزمات والحروب في المنطقة في تحقيق غالب أهدافها السياسية والاقتصادية والتنسيق والتعاون العسكري… إلخ.
خامساً: السياسات الدينية الرسمية العربية لا تزال تلعب دورها الوظيفي السياسي في استخدام الدين والمؤسسات الدينية الرسمية مصدراً للشرعية السياسية، والتعبئة والتبرير، إلا أنها تواجه مشكلات عديدة، على رأسها تآكل أدوار وتأثيرات الخطابات الدينية الرسمية وسط بعض شرائح الأجيال الجديدة، ونمطية خطاباتها الدعوية والإفتائية، وانفصال بعضها عن الواقع الموضوعي المتغير وطنياً، وإقليمياً، وكونياً في ظل ثورة الحياة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي.
يواجه خطاب المؤسسات الدينية الرسمية بخطابات سجالية مضادة من الجماعات الإسلامية السلفية والسياسية، على الرغم من بعض الدعم السلفي لسياسات بعض الأنظمة السياسية العربية في مقابل حضورها السياسي وتمثيل بعض من قادتها وأحزابها في بعض المجالس التشريعية العربية.
سادساً: بعض التوترات التي ظهرت بين بعض السياسيين والإعلاميين في منطقة الخليج، وبين بعض المصريين حول الدور المصري، أدى إلى ردود أفعال متبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتداخل في التلاسنات والتنابذات بين بعض العوام الرقميين، وهو ما سوف يتفاقم بعد الهدنة الهشة والحرب، لاسيما في ظل بعض المؤشرات الأولية على الحياة الرقمية عن رفض بعض شرائح من عديد فئات اجتماعية للحرب على إيران من أمريكا وإسرائيل، واستخدام بعض القواعد العسكرية في دول الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى عديد التوترات بين الأنظمة العائلية في الخليج، والتسلطية في دول العسر. في ظل هذه الأجواء المضطربة، سيسعى بعض من التيار الإسلامي السياسي إلى توظيف هذه التوترات في طرح الفكرة الإسلامية الجامعة مجدداً، والأهم توظيف هشاشة الدولة في هذه المنطقة لصالح إعادة طرح مفهوم الدولة الإسلامية، ونجاحه النسبي في المثال الإيراني في الصمود أمام العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما قد يحفز بعض المكونات الشيعية في بعض دول الخليج، وقد يؤدي ذلك إلى توترات داخلها وقمع لأي معارضات شيعية، مما قد يدفع إيران إلى التدخل أياً كان شكله ومستواه ونوعيته.
سابعاً: من المرجح توظيف بعض من النجاح الجزئي في التجربتين السياسيتين الأردنية والمغربية في التعامل مع حركات الإسلام السياسي، بين سياسة الاحتواء، وسياسة الحظر والمطاردة. وثمة احتمال لجوء بعض النظم العائلية والتسلطية للعودة للحوار مع بعض جماعات الإسلام السياسي، لمواجهة مخاطره في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ثامناً: من المرجح استمرارية التمدد الإيراني في العراق عبر الحشد الشعبي، والمكون الشيعي بعد الحرب على الصعيد السياسي، وقد يؤدي ذلك إلى مشكلات سياسية داخل تركيبة نظام بريمر، ومع المكون الكردي والسني. وقد يدفع ذلك الحوثيين إلى عمليات تجاه السعودية، وباب المندب، في ضوء ما سوف تنتهي إليه مفاوضات الهدنة وما بعدها، لأن أحد نتائج الحرب تمثلت في تحول الوضعية الجيوسياسية، والجيوستراتيجية إلى مصدر قوة، على نحو ما تبين من توظيف إيران لمضيق هرمز.
إن تديين بعض من أقنعة الصراعات الإقليمية والخطابات حولها – في حرب الإبادة بعد السابع من أكتوبر، وفي الحرب على إيران أمريكياً وإسرائيلياً – قد تؤدي إلى التحول من التمدد الديني الناعم إلى التمدد السياسي، وربما الراديكالي، ونشأة جماعات صغيرة، وذئاب منفردة في إقليم مضطرب وغير مستقر، وجغرافيا سياسية على المحك، وعالم متحول، وتنظيم دولي هش وغير فعال، وقانون دولي مهمش لصالح قانون القوة الفائقة لدى رئيس غرائبي الفكر واللغة والسلوك، خارج مألوف التقاليد والأعراف السياسية بين الدول، ومعه إدارة الحزب الجمهوري وطاقمه المحرض على لغة القوة في علاقات وسياسات الولايات المتحدة الخارجية. إن نتائج ما بعد الحرب سوف تفتح الأبواب مجدداً حول دور توظيف الدين وبعض سردياته الخلاصية والوضعية التاريخية في تحفيز وشرعنة العنف الديني الرمزي في الإقليم، وهو ما سيؤثر على الحضور المسيحي العربي في داخل هذه المجتمعات، خاصةً مع بعض التوجهات المسيحية الصهيونية لدى بعضهم من قادة بعض المذاهب المسيحية، وصمت بعض المؤسسات المسيحية وقادتها إزاء الحرب على إيران، وتوظيف ترامب ووزير الحرب وغيرهم بعض هذه المقولات، وأيضاً تجاه نتنياهو وأساطيره الدينية التوراتية دعماً للإبادة في غزة وحربه على إيران، ومن ثم تنامي الأغلبيات الشعبية العربية في دول العسر الرافضة لأي أفكار تدور حول السلام الإبراهيمي والتطبيع، وهو ما سيفاقم الفجوات بين النخب السياسية السلطوية والعائلية الحاكمة، وبين شرائح اجتماعية في بعض هذه الدول.
المصدر: الأهرام