الترامبية وتفكيك النظام الدولي
في لحظات التحول الكبرى، لا تنكشف الظواهر السياسية بوصفها انحرافات عابرة أو حالات استثنائية معزولة، بل بوصفها مرايا حادة تعكس ما كان كامناً في بنية النظام ذاته، وتُخرج إلى السطح ما ظل طويلاً مستتراً خلف طبقات من الخطاب والتمثيل. من هذا المنظور، لا يمكن فهم الترامبية باعتبارها مجرد تجربة سياسية مرتبطة بشخص دونالد ترامب، أو انحرافاً مؤقتاً في مسار السياسة الأمريكية، بل بوصفها لحظة كاشفة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النظام الدولي، وحدود القانون، وموقع القوة في إنتاج الشرعية.
فحين يُعلن صراحةً – وبلا مواربة – أن القانون الدولي لم يعد ضرورياً، فإن الأمر لا يقف عند حدود الصدمة الخطابية، بل يتجاوزها ليؤشر إلى تحوّل عميق في منطق الفعل الدولي ذاته. لم يعد القانون إطاراً مرجعياً يُحتكم إليه، بل غدا قابلاً للإزاحة أو التعطيل متى تعارض مع إرادة الفاعل الأقوى. وهنا تحديداً تتجلى الترامبية لا كخروج عن النظام الدولي، بل كإفصاح صريح عن منطقه الكامن: أن القوة لا تعلو على القانون فحسب، بل تعيد تعريفه، بل وتغدو هي القانون ذاته.
لم تأتِ الترامبية لتُجري تعديلاً تقنياً على أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا لتعيد ترتيب أولوياتها ضمن النسق ذاته، بل لتعيد صياغة منطقها من الأساس. فقد انتقلنا من نظام – ولو في حدوده الشكلية – يقوم على قواعد واتفاقات متعددة الأطراف، إلى نمط يُصرّح، دون حاجة إلى التورية، بأن القوة لا تحتاج إلى قانون دولي، بل إلى منظومة “أخلاقية” يصوغها الفاعل الأقوى وفق مصالحه الخاصة. وهنا لا تعود الأخلاق معياراً كونياً، بل تصبح امتداداً للإرادة السياسية، وتغدو الشرعية تعبيراً ذاتياً مختزلاً في شخصية القائد.
لقد تجلّى هذا التحول في ممارسات لم تعد تحاول حتى الاحتماء باللغة الدبلوماسية التقليدية، تلك اللغة التي كانت، حتى وقت قريب، تُستخدم كستار لإخفاء التوتر بين الخطاب القانوني والممارسة الفعلية. فقد أُعيد تعريف مفهوم السيادة، لا بوصفه حقاً متساوياً بين الدول، بل كامتياز يُمنح ويُنتزع وفق موازين القوة. كما برزت أفعال يمكن وصفها، دون مبالغة، بأنها أقرب إلى “القرصنة السياسية”، تُمارَس تحت ذرائع أمنية انتقائية، لا تستند إلى معيار ثابت بقدر ما تعكس حسابات ظرفية.
وفي السياق ذاته، لم يعد من الضروري تغليف الحروب بخطاب قانوني أو قيمي؛ إذ بات من المقبول التصريح بأن دوافعها مادية مباشرة، كالنّفط أو النفوذ، دون الحاجة إلى إنتاج سرديات تبريرية. وهذا الانكشاف لا يعكس فقط جرأة خطابية، بل يدل على تحوّل أعمق في علاقة القوة بالشرعية، حيث لم تعد الشرعية تُنتج عبر اللغة، بل تُفرض عبر الفعل.
ضمن هذا الإطار، برزت إعادة تشكيل واضحة للتوازنات الإقليمية، اتخذت من إعلاء إسرائيل إلى موقع الدولة العظمى إقليمياً أحد أبرز تجلياتها. لم يعد الأمر متعلقاً بتحالف تقليدي، بل بتحوّل في تعريف المصلحة الأمريكية ذاتها، بحيث يغدو الانحياز لإسرائيل جزءاً من بنيتها التعريفية، لا خياراً سياسياً قابلاً للتبدل. ومن هنا، لم يعد الصراع مع إيران يُفهم بوصفه تعبيراً خالصاً عن الأمن القومي الأمريكي، بل كجزء من دينامية أوسع تتداخل فيها أولويات متعددة، إلى حدّ يصعب معه التمييز بين من يقود الصراع ومن يعيد صياغة أهدافه.
هذا التحول لم يبقَ حبيس الفعل الأمريكي، بل امتد ليؤثر في سلوك فاعلين إقليميين، وفي مقدمتهم إيران، التي بدأت بدورها في تبني منطق مشابه يقوم على إعادة تعريف القواعد وفق الحاجة. وهكذا، لم يعد القانون الدولي مرجعية مشتركة تُحتكم إليها الأطراف، بل أصبح مجالاً لإعادة التشكيل المستمر، حيث تُفصَّل القواعد على مقاس القوة، وتُهمل حين لا تعود نافعة. ومن هنا، لا يبدو أن ما نشهده هو مجرد خرق للقانون، بل تفكك تدريجي لفكرة القانون ذاتها.
وفي هذا السياق أيضاً، تتقاطع ممارسات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فيما يمكن وصفه بحالة “هستيريا قانونية”، حيث تتعدد مبررات الخرق، لكن النتيجة واحدة: تآكل القيود التي كانت تضبط استخدام القوة. لم يعد هناك إطار فعّال يُلزم الفاعلين، ولم تعد الضوابط الدولية قادرة على أداء وظيفتها، ما يضع العالم أمام سؤال بالغ الخطورة: هل نحن بصدد لحظة إعادة تأسيس لمنظومة الدولة والقانون الدولي، أم أمام انزلاق مفتوح نحو فوضى غير مضبوطة؟
وتتعمق هذه الصورة حين ننظر إلى التناقضات الإقليمية التي تكشفها هذه المرحلة، كما في موقف دول الخليج التي اختارت الامتناع عن الانخراط المباشر في الصراع، لا لضعف موضوعي، بل لحسابات دقيقة تتعلق بالكلفة السياسية والاستراتيجية. وهنا تتجلى مفارقة صارخة بين الخطاب الذي يُقدَّم بوصفه دفاعاً عن النفس، وبين واقع تحكمه اعتبارات القوة والقدرة، لا المبادئ المجردة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز بعد أخلاقي قاتم، حيث لم يعد استهداف المدنيين أو الأهداف الثانوية يُنظر إليه بوصفه انحرافاً، بل بات يُدمج في مفهوم “النصر” ذاته. وهكذا، تتقارب سلوكيات الفاعلين – على اختلاف مستوياتهم – في منطق يقوم على تعظيم الأذى بوصفه أداة مشروعة، ما يعكس انزلاقاً أعمق في بنية الفعل السياسي ذاته.
غير أن اختزال هذه الظاهرة في شخصية ترامب، أو في خصائصه النفسية، يبقى قاصراً عن الإحاطة بعمقها. صحيح أن التحليل النفسي–السياسي يكشف عن سمات واضحة – كالنرجسية، والاندفاع، والاستعداد لتجاوز الحدود – لكن هذه السمات لا تفسر وحدها الظاهرة، بل تشير إلى تفاعل مع بنية اجتماعية وأيديولوجية توفر لها شروط الإمكان. فوجود قاعدة دعم صلبة، مثل التيارات الإنجيلية، لا يمنح الشرعية فحسب، بل يعزز الجرأة على كسر الأعراف، ويحوّل السلوك الاستثنائي إلى نمط قابل للاستمرار.
ومن هنا، تبدو الترامبية نتاج تفاعل مركّب بين شخصية قيادية جامحة، وبنية مؤسساتية واجتماعية تتيح لها استثمار الثغرات. فالولايات المتحدة، بوصفها شبكة معقدة من المؤسسات، لا تعمل دائماً كآلية ضبط وتقييد، بل قد تتحول – في لحظات الاستقطاب – إلى فضاء يسمح بإعادة تفسير القواعد وتوسيع الصلاحيات. وبهذا المعنى، لم يكن ترامب خارج النظام، بل تعبيراً مكثفاً عن إمكاناته الكامنة، بما في ذلك قابلية إعادة إنتاج التمركز السلطوي من داخله.
وإذا ما وُضعت الترامبية في سياق تاريخي أوسع، أمكن ملاحظة تقاطعات بينها وبين تجارب سابقة لقادة تجاوزوا القواعد وفرضوا إرادتهم، وإن اختلفت في الأسلوب والغطاء الخطابي. غير أن خصوصية الحالة الأمريكية تكمن في أنها لا تختبر فقط سلوك قائد، بل تختبر نموذجاً سياسياً بأكمله: إلى أي مدى يستطيع هذا النموذج استيعاب الاستقطاب دون أن يتحول إلى أداة في يد تحالفات أيديولوجية ضيقة؟
وفي ظل هذا المسار، لم تعد الأزمة الدولية الراهنة قابلة للفهم بوصفها صراعاً محدداً يمكن احتواؤه ضمن أطر معروفة، بل كحالة سيولة بنيوية مفتوحة على احتمالات متعددة. فقد تآكلت القواعد التي كانت تضبط الإيقاع العام للعلاقات الدولية، وأصبح المجال مفتوحاً لتوسّع الصراعات عبر مستويات جغرافية وسياسية ونظامية متداخلة.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: إذ لا تكمن خطورة الترامبية في فجاجتها، بل في قدرتها على تعرية المنطق الكامن الذي كان يحكم النظام الدولي دون إعلان صريح. فهي لا تُنتج الفوضى من العدم، بل تكشف أن هذه الفوضى كانت كامنة، مؤجلة، ومضبوطة مؤقتاً بالقواعد. ومع تآكل هذه القواعد، لم تعد الفوضى احتمالاً طارئاً، بل أصبحت أفقاً بنيوياً مفتوحاً، يعاد فيه تعريف العلاقة بين القوة والقانون من جذورها.
أخيراً، تكشف الترامبية، في جوهرها، عن لحظة انعطاف عميقة في تاريخ النظام الدولي، حيث لم يعد الاختلال مقتصراً على سلوك الفاعلين، بل امتد ليطال القواعد التي يفترض أنها تضبط هذا السلوك. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بترامب كشخص، بل بقدرة النظام – الأمريكي والدولي – على استعادة توازنه أو إعادة إنتاج نفسه في صيغة جديدة.
ومع ذلك، تبقى حقيقة نظرية وسياسية يصعب تجاوزها: فالديمقراطية، على الرغم من كل ما يعتريها من تناقضات، تظل النظام الوحيد الذي يمتلك في بنيته آليات تصحيح ذاتي، تتيح له مراجعة أخطائه وإعادة ضبط مساره من الداخل، لا بوصف ذلك استثناءً طارئاً، بل كجزء من منطق اشتغاله ذاته. فهي، بخلاف الأنظمة المغلقة، لا تؤجل أزماتها إلى لحظة الانفجار، بل تتيح إمكانية الاعتراف بها ومعالجتها، حتى وإن جاء ذلك متأخراً أو بتكلفة عالية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الترامبية خروجاً نهائياً عن النموذج الديمقراطي الأمريكي، بقدر ما تمثل اختباراً حاداً لحدوده وقدرته على الاستجابة. وهنا يتكثف السؤال في صيغته الأكثر جوهرية وإلحاحاً: هل ستتمكن الولايات المتحدة من تفعيل آلياتها الديمقراطية لتصحيح هذا الخطأ، أم أن هذا الخطأ سيتحوّل، مع الزمن، إلى خطيئة بنيوية تعيد تشكيل النظام من الداخل؟