الحرية في الوعي العربي المتغير
تبدو غائمة وانكسرت قوادمها القضايا والإشكاليات حول المفاهيم الكبرى والأيقونية التي تأسست عليها الحداثة الغربية، وامتدت إلى غالب ثقافات العالم، مثل الحرية، والعدالة، والعقلانية، والإخاء، والمساواة، ومعها أيضاً في مجتمعات الجنوب قضايا حركات التحرر الوطني، مثل السيادة الوطنية، والاستقلال، وحق بقايا الشعوب المستعمرة في تقرير المصير، والدفاع الشرعي، والمقاومة المشروعة من الشعوب المحتلة، للمحتلين لأراضيها. قيم الحداثة، ومفاهيمها، وأقانيمها الكونية وحرياتها العامة والفردية، والمؤسسات السياسية، والمنظومات الدستورية، والقانونية المجسدة لها ظلت موضوعا لاستلهامات النخب السياسية، والمفكرين، والمثقفين في المرحلة ما قبل الكولونيالية، وما بعدها، إلا أن واقع العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، أدى إلى تشكل النظام الدولي من الثنائية القطبية، واحتدام الصراع الإيديولوجي، ما بين الإمبراطورية الفلسفية الماركسية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، وما أطلق عليه “العالم الحر”، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. الصراع بين كلا الكتلتين أدى إلى تمدده وانعكاساته ومنافساته في الأنظمة الإقليمية الفرعية، ومعه صراعاته الإيديولوجية، والحرب الباردة. تمثلت غالب الدول المستقلة حديثا بالتوجهات الخاصة برأسمالية الدولة الوطنية، تحت مسمى أيديولوجي الاشتراكية، وبعضهم اتخذ من الطريق اللارأسمالي للتنمية، مساراً اقتصادياً واجتماعياً، يتأسس على التعبئة السياسية والاجتماعية، ونفي الصراعات الطبقية، وقمعها بالأساليب الأمنية في مقابل بعض الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، كالتعليم والعمل، وسياسيات الدعم الاقتصادي.. إلخ. من ناحية أخرى كانت الحريات السياسية، والفردية مصادرة، مع إغلاق المجال العام، أو حصاره، وقمع المعارضات السياسية. كانت فكرة تحالف الطبقات الاجتماعية في مواجهة الاستعمار مستمدة من المثال الماوي – في أطروحة ماو تسي تونج تحالف القوى الثورية المعادية للاستعمار في نهاية الأربعينيات – ومن المثال السالزاري.
لم تكن ثمة تحالفات طبقية أساسا، نظراً لعدم تبلور البنيات الطبقية في هذه المجتمعات وخاصة الانقسامية في المنطقة العربية، وأيضاً لعدم تطور الرأسمالية الناشئة في هذه المجتمعات تحت الكولونيالية، وما بعدها، وأيضاً تطور العلاقات الاجتماعية في ضوء شروط الإنتاج السائدة.
في ظل تراجع الإمبراطورية الماركسية، وأزماتها، في ذروتها ثم مابعد سقوط حائط برلين أخذت بعض الدول في المنطقة تراجع سياسات رأسمالية الدولة، إلى ما كان يسمى بالانفتاح الاقتصادي، ثم الإصلاح الاقتصادي، وإعادة الهيكلة لوسائل الإنتاج والعودة إلى الطريق الرأسمالي للتنمية.
كانت التصورات الشائعة أن بعضا من الإصلاح السياسي، قد يؤدي لعودة الحريات العامة، والشخصية، بينما الواقع الموضوعي، وطبيعة السلطات السياسية الحاكمة، تشير إلى أن المعادلة الجديدة تتمثل في حريات السوق، والعرض والطلب، واستمرارية موت السياسة، وحصار المجال العام على الرغم من النصوص الدستورية التي تنص على هذه الحريات العامة والشخصية من خلال القوانين التي تقيدها، وتصادرها، أو استمرارية نظم الاستثناء، والطوارئ! من هنا تأسست مجدداً الرأسمالية بلا حريات على نحو أثر على حيوية هذه المجتمعات العربية، وعلى الإبداع العلمي، والحريات الأكاديمية، والحياة اللا سياسية فيها!
في ظل هذه السياقات الاقتصادية، والاجتماعية تراجعت الحركة الثقافية، وشمل الاستهلاك الفئات الاجتماعية المختلفة، ومن ثم تسليع الحياة، والأفكار، والبشر، وبات مفهوم السوق، يشمل كل شيء، القيم، والتدين، والإعلام، والسلوك الاجتماعي، ومن ثم تحولت قيم الاستهلاك المادي والرمزي إلى مركز الحياة والسلوك الاجتماعي، بديلاً عن العلم والمعرفة والثقافة والإبداع.
باتت الحرية قرينة الاستهلاك المكثف، سواء من خلال القدرة على إشباعه، أو الاستدانة، أو السعي لتحقيقه. الحرية كسلعة استهلاكية، أدت إلى كبح الشوق الإنساني في العالم العربي للتحرر الفردي، والجماعي السياسي، والفكري!
ساعد على ذلك الهجرة إلى النفط سعياً وراء الرزق، وتحقيق تراكم مالي، على نحو أدى إلى بعض الاستعارات للتدين السلفي والوهابي السائد في الدول النفطية آنذاك، وخاصة بعد حرب أكتوبر 1973. دعمت السياسات النفطية الدينية والخارجية – وخاصة مع الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان – هذه التوجهات داخل دول العسر المالي العربي. لا شك أن نمط التدين في إقليم البداوة المميكنة هناك، أدى إلى فرض قيود، على مفهوم الحريات الحداثي، لصالح القيود التأويلية الوضعية على الحريات الفردية وجماعية، وضبطها وتقييدها، وفق هذا المذهب السلفي السياسي، أو ذاك، على نحو وظّفته السلطات السياسية في المشرق والمغرب العربيين لصالحها، في دعم هذا التوجه، لفرض سياسة مصادرة الحريات العامة، وقيود على الفردية.
أدت هذه التوجهات السياسية، والاقتصادية والدينية السياسية إلى إنتاج معارضات دينية ضارية لها، تشكك في شرعية هذه السلطات، والدولة الحديثة، والدساتير والقوانين الحداثية المبتسرة، والمطالبة بتغييرها جذرياً! أثرت هذه التحولات في التدين الشعبي وإلى ازدياد التطرف السلوكي، والازدواجيات بين المظهر الديني الشكلي السلوكي، والخطابي، وبين الفعلي المناقض له، تماماً!، وهو ما أثر سلباً على التدين الفردي، وعلى الحرية الفردية، التي باتت موضوعاً لرقابة الآخرين! ساهمت هذه التوجهات الدينية الدعوية، والسياسية في إنتاج تناقضات حادة، بين الانتماء الوطني للدولة، وبين الانتماء الديني. الأخطر أثر ذلك على حقوق الأقليات الدينية، والعرقية، واللغوية، والقومية والمواطنة في المجتمعات العربية الانقسامية. والقيود التي فرضت عليها، وأدت إلى نزاعات طائفية، وعرقية، دينية، ومذهبية، وقومية! من هنا برزت الصراعات بين الفكرة العربية الجامعة، وبين الفكرة الإسلامية الجامعة، وصراعات هوياتية داخل هذه المجتمعات، وظف بعضها بعد ذلك لصالح دفاع السلطات الحاكمة عن وطنياتها الهشة التي لم تتحقق شروطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية والتاريخية باستثناء مصر، والمغرب.
كرست هذه التوجهات حصار مفهوم الحرية، وتجسداته السياسية، والدستورية، والفعلية، خاصة في ظل انهيار مفهوم السرديات الكبرى، والقيم المطلقة، لصالح التحول إلى ما بعد الحداثة، وعالم النسبيات، والمابعديات، وهو ما أثر سلباً في المجتمعات العربية، على مفهوم الانتماء الوطني، ومفاهيم الوطنية والتحرر، ومن ثم أثر على مركزية المسألة الفلسطينية، ووضع الأقليات الأفريقية في السودان، على نحو أدى إلى استقلال الجنوب عن الشمال! وكانت انعكاسات ذلك في العراق بين القومية الكردية والعربية والشيعية السياسية والعشائر السنية، وأيضاً في موريتانيا تجاه حقوق “السودان” – الموريتانيين الأفارقة – في مواجهة البيضان، ووضع الأقليات الأمازيغية، والبربر في الجزائر، والمغرب – استطاعت المغرب، تجاوز ذلك بالاعتراف ببعض الحقوق للامازيغ ثقافيا ولغويا! ولا تزال المشكلة قائمة في بعض البلدان العربية.
لا شك أن تسليع مفهوم الحرية، وتحوله إلى جزء من عالم الاستهلاك، والاشتهاءات والرغبات في سوق السلع والخدمات، وتفاقم وتمدد هذا الوضع مع حالة التذري المجتمعي، والتشظي، وغياب السرديات الحداثية الكبرى، وأيضا السرديات الوطنية، لصالح الفردنة -دونما فردانية جماعية- وظواهر التشييء الرقمي، والتحول من الحياة الفعلية إلى الحياة الرقمية.
تمثل الفضاءات الرقمية، ولغتها، وخطاباتها – المنشورات، والتغريدات، والصور والفيديوهات الطلقة – إلى مجالات للتحقق الفردي الرقمي، ومن ثم إلى توزيع فوائض القمع الذاتي، والسياسي، والديني الفعلية على خطابات الرقمنة، ومن ثم إلى عدم الفاعلية على الواقع الفعلي الموضوعي، والأهم التحول من المبادرات الفردية والجماعية في الحياة الفعلية، والسعي إلى تحقيقها سياسياً، وقانونياً إلى الافعال الفردية نسبياً على الواقع الافتراضي.
الأهم أن تحليل عينة من توجهات الحياة الرقمية، تشير إلى سعي الجموع الرقمية الغفيرة، إلى التحقق والحضور الفردي بديلا عن التحقق الفعلي السياسي والاجتماعي الجماعي والفردي الفعلي، والقانوني في العالم العربي، وإلى غياب نظرات مستقبلية حول مواجهة مشكلات المجتمعات العربية – إلا قلة قليلة – وإعادة النظر في مفاهيم الحرية في عالم متغير، يسوده الذكاء الاصطناعي، والإناسة الروبوتية وانعكاسات ذلك على الشرط الإنساني الوجودي في المقبل من السنوات والعقود.