الخوف من الحرية بين الحياة الفعلية والرقمية
ثنائية الحرية والاستبداد شكلت تاريخياً أحد أبرز محاور الصراعات والتناقضات التاريخية في مختلف التجارب السياسية والاجتماعية، والنظرية الإنسانية ماقبل الدولة الأمة والليبرالية الغربية، ومن ثم أثرت على عمليات التطور داخل هذه المجتمعات. من ثم كان الفعل الإنساني الفردي، والجماعي في مواجهة الاستبداد – أياً كان شكله وأنماطه – أحد محركات التطور السياسي والاجتماعي والثقافي، من أجل الحصول على الحريات العامة، والشخصية، وصولاً إلى معادلات سياسية تتمثل في التنظيم الدستوري والقانوني للحريات، بحيث لا تتغول الحريات الفردية، وتتجاوز حدودها، وتنتهك حريات الآخرين، وهو ما تحقق مع الدولة الحديثة في التجارب الأوروبية والغربية، وتشكل الدولة/ الأمة، وتطور الرأسمالية الغربية، وتوحيد الأسواق، وتوسعها، ثم الانفصال بين الوضعي، والميتاوضعي، وتشكل المنظمات المدنية، وخصوصيتها، وتمايزها عن النظام السياسي. من هنا كان مفهوم الحرية، وتجسداتها في النظم القانونية والسياسية، وتطوراتها جزءاً من حركية الصراع السياسي والاجتماعي والفكري من أجل تحويلها إلى حقوق منصوص عليها دستورياً وقانونياً، ويحميها القضاء المستقل، والصحافة والإعلام السمعي، والبصري، ورقابة الرأي العام.
كان التنظيم الدستوري والقانوني للحريات ينطوي أيضاً على أنظمة للرقابة القانونية والأمنية، للحفاظ على الأمن والاستقرار، لكن أيضاً تحت رقابة الأحزاب السياسية، والرأي العام في الدول الغربية.
تطورت أنظمة الرقابة، مع تحولات الأنظمة الرأسمالية وتناقضاتها الطبقية، وتوسعها العالمي، والصراعات بين الدول حول المصالح القومية السياسية، والاستراتيجية، والاقتصادية والتوسع الكولونيالي ومابعده. لا شك أن ثورة الاستهلاك والتطورات التقنية في أعقاب ثورة الطلاب 1968، استوعبت محاولات التغيير السياسي في فرنسا وأمريكا، على الرغم من التغيرات الجيلية، والفكرية، والفلسفية، والاجتماعية.. إلخ.
تمددت ثورة استهلاك المفرط، وأدت إلى التسليع السياسي والاقتصادي للفرد، والحريات العامة والشخصية، ومعها أنظمة الرقابة المختلفة، والمتبادلة في النظم الليبرالية التمثيلية في ظل الصراعات الإيديولوجية، والدولية، وخاصة قبل وما بعد الحرب الباردة.
ساهمت التطورات التكنولوجية المفرطة في تمدد الرقابات على السلوك الاجتماعي، والسياسي، وأيضاً في تسليع الحياة والخدمات، وبعض من أنساق القيم الاجتماعية، والسياسية، وخاصة مع ثورة الرقمنة، والتداخل بين الفضاءات الفعلية والرقمية، واتساع الحياة الرقمية، واستئثارها باهتمامات مليارات البشر، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، على نحو بات “إدمانيا”، ومعها فيضانات متلاحقة من التعبير الرقمي عن الذات الفردية، وسعياً وراء تحققها العسير، عبر المنشورات والتغريدات، والصور، والفيديوهات القصيرة جداً.
الانفجارات الرقمية، أدت إلى تعري للحياة الفعلية على الحياة الرقمية، وانكشاف واسع المدى للرغبات والتفضيلات، وأيضاً المسكلات والباثولوجيا – الأمراض – الاجتماعية والنفسية، ومعها أوهام حرية الحرية أي الحريات الطليقة من الضوابط، والتنظيم والقيود لدي بعض كتل الجموع الرقمية الغفيرة، بينما خضعت هذه التعبيرات عن الذوات الفردية، وانكشاف الجموع الرقمية الغفيرة ورغباتها، وتفضيلاتها ومخيلاتها، وأوهامها، وأساطيرها ودوافعها، للرقابات المتعددة، وباتت تشكل قواعد من البيانات الضخمة Big Data، تخضع للتنظيم والتصنيف والتحليل وطنياً وإقليمياً وكونيا، وتحت عيون الرقابات الرقمية الأمنية، والسياسية، والقانونية من أجهزة الدول المتقدمة، والمتوسطة، والمتخلفة! بات الانكشاف الفردي والجماعي والبيانات الضخمة، مواد لإعادة تشكيل السلوك والرغبات، والاتجاهات من الشركات الرقمية العملاقة، التي تنظم البيانات، وتحللها، وتعيد بيعها إلى الشركات الرأسمالية الكبري في عالمنا، لتوظيفها في سياساتها الإنتاجية للسلع، والخدمات، ولإعادة تسليع الرغبات والسلوك الإنساني، ومن ثم باتت الحريات الرقمية موضوعاً سلعياً للاستهلاك المفرط. أدى تسليع الحريات الرقمية إلى حالة من التوهان الرقمي، في ظل إنتاج فيضانات من الانطباعات المرسلة، وفائقة السرعة، والنظرات الومضات، على نحو أدى إلى شيوع إدراك فردي، وجمعي بالحرية الرقمية، وإنها أكثر سلاسة وأمناً من الكفاح من أجل الوصول إليها والتمتع بها فكراً وسلوكاً، ومن ثم ممارسة الحرية في الحياة الفعلية التي تتطلب مجهوداً شاقاً وثمناً فادحاً في الدول التسلطية، أو الشمولية كالسجن والأعتقال السياسي أو الفصل من العمل أو النفي خارج البلاد! في الدول الليبرالية تتطلب ممارسة السلوك الحرياتي من خلال التنظيم والعمل من داخل الأحزاب السياسية المختلفة الاتجاهات والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية. من ثم أدت الحرية الرقمية التي تم تسليعها، إلى بعض من التأثير السلبي على الجهود الفردية والجماعية من أجل ممارستها في الواقع الفعلي في الدول التسلطية والشمولية وبقاياها في جنوب العالم، وخاصة في الإقليم العربي! من ناحية أخرى كشفت ممارسات الحرية الرقمية في بعض المجتمعات الأكثر تقدماً عن أن الحريات الرقمية أتاحت للأجيال الشابة الجديدة – زد وألفا – الفرصة للتحرر من الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، وسياساته التحريرية ومحمولاتها من المصالح والتحيزات السياسية، ومن ثم وصولهم إلى مصادر مختلفة حول القضايا والمشكلات والأزمات التي تنفجر عالمياً، أو داخل مجتمعاتهم، على نحو ما ظهر في حركة السترات الصفراء في فرنسا، وتنظيمها، وتحركها من الواقع الرقمي إلى الحياة السياسية الفعلية. كما تجسدت أيضاً في احتجاجات الطلاب في الجامعات الأمريكية، والفرنسية، ثم امتدادها إلى القارات الخمس، في مواجهة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على المدنيين في قطاع غزة.
ظاهرة الخوف من الحرية وممارستها في الواقع الفعلي في المجتمعات التسلطية، كنتاج للممارسات القمعية والعقابية، جعلت من التحول إلى الحياة الرقمية وحرياتها أحد ظواهر التحرر النسبي والجزئي من الخوف من ممارسة الحرية في الواقع الفعلي. من الملاحظ أن الخوف من الحرية أدى إلى ثقافة الخضوع والامتثال، ونمط من العبودية الطوعية، وفق “لابويسي” مرجعه الاستبداد السياسي، ومواريثه التاريخية النفسية والسياسية والاجتماعية، والدينية.
ساهمت القيود الدينية الوضعية وسردياتها التابعة للحكام تاريخياً في بعض البلدان العربية والإسلامية إلي تكريس الخضوع للحكم المطلق، والاستبدادي، ومن ثم إلى شيوع الخوف من حرية الفكر والضمير والتدين والاعتقاد لأنها تشكل تهديداً للإيمان والعقائد والطقوس الدينية الشعبية ومروياتها التي رسخت في الضمير الجمعي الشعبي على أنها الدين والمقدس علي غير صحيحهما، وكرست ثقافة وقيم العبودية الطوعية.
من هنا انتقلت بعض الاتجاهات اللادينية من قيود الحياة الفعلية الى حرية الإشهار عن ذواتها، وآراءها ومعتقداتها إلى الحياة الرقمية، تحت مسميات شتى، وحسابات بعضها مجهول الهوية والاسم، وبعضها يتم من خلال خطابات الأسئلة والتشكيك في بعص المرويات والسرديات الدينية، وعدم تاريخيتها، من خلال آلية الصدمات لما هو مستقر وشائع في الضمير والمعتقد الديني في التدين الوضعي السائد، وفي محاولة تفكيك بعض المقولات والسرديات الدينية الوضعية التاريخية!.
بعض التدين الوضعي الشعبي انتقل بكل محمولاته ومروياته إلى الحياة الرقمية، وتحاول بعض الجماعات الدينية والمذهبية، والأفراد، ورجال الدين تكريس السرديات التاريخية النقلية السائدة، على غيرها من محاولات الاجتهاد، أو التجديد، بل والهجوم عليها، والتشكيك فيها، وأهدافها، ويصل الأمر إلى التكفير، والتسفيق للأراء المختلفة الاخرى. الحياة الدينية الرقمية باتت انعكاساً في بعض وجوهها للحياة الرقمية الفعلية، ونقضًا لها في بعض مكوناتها المتغيرة.
هنا تبدو الحريات الرقمية الدينية والسياسية قيداً يوظف سياسياً ودينياً من بعضهم على بعضهم الآخر، سواء على نحو منظم، أو عشوائي! الحريات الرقمية، يوظفها بعض الأفراد، والجماعات للتأثير على الجموع الرقمية الغفيرة، في تاريخ كل بلد عربي، من خلال بعض النظرات الإيديولوجية اللاعلمية والزائفة والكاذبة، في قضايا الهوية، واللغة، والوقائع التاريخية، دونما تأسيس علمي، ومعلوماتي، من خلال التعميمات اللاعلمية واللاتارخية المرسلة!.
بعضهم يحاول بناء ذاكرات جماعية، وتاريخية للمكون العرقي أو الديني او المذهبي أو المناطقي الذي ينتمون إليه، وإظهار هويته، وخصوصيته، ضد الجوامع الوطنية المشتركة على المكونات الأخرى في مجتمعات عربية انقسامية لم تصل إلي تشكل الأمة الحديثة مثل مصر والدولة المخزنية في المغرب!.
هذا النمط من الممارسات للحريات الرقمية بات يؤثر سلباً على التكامل الوطني داخل المجتمعات العربية، خاصة في ظل التسلطية السياسية والدينية والعرقية، وبعض أشكال الحكم الشمولي، ومن ثم يكرس التفسخ الاجتماعي، والهشاشة للدولة الوطنية ما بعد الاستقلال عن الكولونيالية الغربية، ولاتزال تتمدد في إقليم مضطرب.
المصدر: الأهرام