الحرية والفوضى والرقابة الرقمية
هل الحياة الرقمية التي تستأثر باهتمامات ومشاركات بعض المليارات أو مئات الملايين من البشر، تحكمها الفوضى أم الحرية؟
هذا سؤال ينطلق من بين ثنايا مئات الملايين، والمليارات من المنشورات، والتغريدات، والفيديوهات الطلقة، والوجيزة جداً، والخاطفة، وأثر ذلك على تشكيل العقل الرقمي، وعلى مفهوم الحرية، وتنظيمها في ظل النظم السياسية الليبرالية التمثيلية، وآلياتها السياسية، وفي مجالات حريات الرأي والتعبير، والتدين والاعتقاد، والتنظيم، والحريات السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، بل والعقل المبدع الحر في المجال الثقافي، وإبداعاته المتعددة التي لا حدود لها في الأمم المتقدمة ! من ثم مدى التفاعل، والتداخل بين النظام في الحياة الفعلية والواقع الموضوعى، وبين بعض فوضاها، وبين الحياة الرقمية بين النظام واللانظام؟
اتسع مفهوم الحرية في ظل الدولة / الأمة التي تشكلت مع تطور الرأسمالية الغربية، وتوحيد الأسواق، وبناء النظم السياسية الليبرالية، والانفصال بين الوضعي، والميتا وضعي، والعقلانية، وميلاد الفرد، والفردانية، وتشكل المجتمع المدنى، وتمايزه عن النظام السياسي، والتطورات التكنولوجية منذ نهاية القرن التاسع عشر، حتى الثورة الصناعية الثانية، والثالثة، وسعت الحداثة السياسية والاجتماعية، والقانونية من مفهوم الحرية، وتجسيداته العامة، والشخصية في منظومات قانونية، وأدت إلى ما بعد الحداثة ثم عالم المابعديات، إلى المزيد من توسيع الحريات الفردية، والعامة في إطار من ثورة الاستهلاك والتشيئ الإنسانى، وتسليع الحياة، على نحو أدى إلى اتساع حرية الاستهلاك، والهيمنة على حياة الفرد والمجتمعات الرأسمالية من الثورة الصناعية الثالثة، إلى الرابعة حيث الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعى. في ظل مجتمع الاستهلاك المفرط، واعتماد الأفراد علي الإستدانة من البنوك كجزء من سطوة عالم المصارف الكبرى علي حياة الأفراد !، أدى ذلك إلى تأثير المؤسسات الرأسمالية الكبرى على النظم الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية الليبرالية التمثيلية، وانتجت هذه الهيمنة، ثم الثورة الرقمية إلى بعض التفكك في مؤسسات النظام، في الحياة الحزبية والأعلام التقليدى، وبروز أشكال من الرفض والاحتجاج انتقلت من الواقع الموضوعي الفعلي إلى الثورة الرقمية. بعض الفوضى disorder ناتجة عن التطورات الرقمية والتقنيات التي تنتمي إلى الذكاء الاصطناعي، وما يترتب عليها، من تغيرات في مفهوم العمل والكفاءة والأداء، على نحو سوف يؤدى إلى خروج أكثر من 50 مليون شخص من وظائفهم 2050. المؤشرات الأولية بدأت في الظهور، ومن ثم أدى ذلك إلى بعض من الفوضى إلى جوار النظام السياسي، والاجتماعي، ومن ثم أزمة الديمقراطيات التمثيلية، وهو ما ظهر مع حركة السترات الصفراء في فرنسا، بل، والاحتجاجات الطلابية على الحرب الإسرائيلية الإبادية في قطاع غزة، وشملت جامعات في القارات الخمس، وهى فيما وراء أسبابها المباشرة، تعكس أحد مظاهر اللا نظام داخل النظام الرأسمالى، والنيوليبرالى، وأنظمته التمثيلية.
على الرغم من الحياة الرقمية لبعض من مليارات البشر -، منشوراتهم، وتغريداتهم، وفيديوهاتهم الطلقة، والوجيزة، وصورهم، ومتابعاتهم، وتفضيلاتهم- باتت تستغرق الزمن الفعلي، إلى الزمن الرقمي، إلا أن ثمة تدخلات بين الحياة الفعلية والرقمية، وتفاعلات وتحولات فيما بين بعضها بعضا، سواء على مستوى الفرد الرقمي، أو الجماعات الرقمية أو جموعها الغفيرة، وبين واقعهم الفعلي، الذي أحدثت الرقمنة تغيرات داخله. من هنا بعض الفوضى في الواقع الفعلي تحولت إلى فوضى داخل الحياة الرقمية التي ولدت فوضاها الرقمية، وحملت معها سماتها، وعملياتها، والإنسان الرقمي – وفق دانيال كوهين – إلا أن هذه الفوضى الرقمية قد تبدو لوهلة أو بنظرة عابرة هي الأساس، ومن ثم تبدو معها الحرية الرقمية هى جهة الفوضى إلا أن إمعان النظر، في ظواهر الفوضى الرقمية، نجد أنها بعض من عدم الهيمنة الكاملة للنظام الرقمي، ومع ذلك يلاحظ أن ما يبدو أنه يشكل الفوضى الرقمية كأحد المظاهر المضادة للنظام الذى يتشكل بوتائر سريعة، ومتحولة مع الذكاء الإصطناعى. ظواهر اللانظام– بعض الفوضى الرقمية – تخضع مع ذلك لأشكال من أنظمة الرقابات الأمنية، والاستخباراتية، للدول في غالبها الأعم، وربما كل الدول متقدمة، أو في طور النمو، أو متخلفة، سواء اقتصرت هذه الرقابات على الواقع الرقمي للدول أو محيطها الإقليمي، أو الكونى للدول فائقة التطور – أمريكا وأوروبا الغربية والصين وروسيا.. إلخ – ثمة أيضا رقابات الشركات الرقمية الكبرى على كافة المواد الرقمية، والمنشورات والتغريدات، والفيديوهات، والصور، والتفضيلات لمليارات البشر الرقميين، والفعليين، وإعادة توظيف هذه المواد الرقمية، وتحويلها إلى سلع رقمية، في سوق واسع تشتريه الشركات الكبرى في عالمنا، لتحليلها، وتوظيفها في إعادة هيكلة إنتاجها من السلع والخدمات، وفق هذه التفضيلات، في السوق الكوني الفعلي، وإعادة توجيه الاستهلاك حسب دراساتها وسياسات إنتاجها في العالم كله لتعظيم ربحيتها، بل وفي إطار الجغرافيا السياسية والإقليمية للأنظمة الإقليمية الفرعية!
ثمة إيضا أشكال من التنظيم للتظاهرات، والاحتجاجات على الحياة الرقمية، وتحولها إلى الحياة الفعلية على نحو ما قامت به السترات الصفراء في فرنسا، وحركات الاحتجاج الطلابية في أمريكا، وأوروبا، وغالبُ قارات العالم الخمس. في هذا المجال أيضا أصبحت الشركات – وفقاً لدانيال كوهين – هي النظام، ومن ثم هناك أشكال تنظيمية ورقابية كونية، على حريات التعبير الرقمي، وفي ذات الوقت والسياقات هناك ظواهر لا نظامية تشكل بعض من الفوضى الرقمية الحاملة لسطحية غالبُ الجماهير الرقمية الغفيرة، ومعها أشكال من مظاهر التفاهة –pettiness/ petty، والمديوكراتية، والمنيوكراتية في الحياتين الرقمية والفعلية – تبدو جلية من أشكال ومحتوى المنشورات كافة، والتعليقات، والتغريدات، والفيديوهات الوجيزة جداً Réels حيث تحولت إلى الإعلان ومجال الاستهلاك في غالبها الأعم!
حيث تبدو ظاهرة من عروض لأنواع الطعام في أنظمة المأكل والمشرب في ثقافات العالم المتعددة، إلى أنظمة الزي، إلى التعري الحواسي، ويمتد النمط الاستهلاكي إلى الصناعة الإباحية، إلى تعلم اللغات، إلى الإعلان عن الشركات. ويلاحظ أيضا ظاهرة ولع الغالبية من الكتاب، والأكاديميين إلى الظهور والحضور، والوجود الرقمي – لاسيما في المنطقة العربية – من خلال الصورة والفيديوهات، وإعلانات الكتب.. إلخ، وبعضهن/هم يستعين بالذكاء الاصطناعي في تقديم صورته في بعض المهرجانات، والمناسبات العامة، لتقديم صور مزيفة لهن/هم! كل هذه الأشكال من الحضور الرقمي تستهدف جذب التفضيلات، لمشاهديها! الاستهلاك لم يعد فقط في مجال السلع والخدمات، وإنما امتد إلى مجال الدعوات الدينية والمذاهبية المختلفة والدفاع عن السرديات الدينية الوضعية أياً كانت نقلاً عن الواقع الفعلي، وتحويلها إلى سلع رقمية للاستهلاك! ثمة أشكال من القيود على الحريات الرقمية، من خلال المجموعات المنظمة، أو العشوائية التي تروج لأفكار وأيديولوجيات، ومذاهب دينية وسياسية وحزبية، ومع الترويج السطحى لها، تهاجم بعضها بعضاً بشراسة وعنف لفظي، وفي بعض الأحيان، توظف اللغة البذيئة في وصف ووصم معارضي أفكارها السطحية! أو تشويه صورها، أو تركيبها في أشكال ساخرة!
إن نظرة لوهلة علي محاولات الحضور الرقمي لتأكيد المكانة والذيوع الفعلي باتت تشكل أحد ظواهر الحياة الرقمية التي هيمنت علي حياة بعض المشاهير الذين يخشون انحسار الشهرة عنهم/هن. من هنا يحاولون من خلال الصور المعدلة بالذكاء الاصطناعي والـ Réels، لإظهار مفاتنهن/أو جمالهم وشبابهم، أو إظهار وسطهن النحيف، ومؤخراتهن على النمط البرازيلي أو صدورهن أو حقن بعض وجناتهن، أو شفهاههن!، وغيرها من عمليات التجميل، التي لا بأس بها، والتي امتد بعضها إلى عمليات تجميل لبعض الرجال المشاهير أو الذين يخشون فقدان صورهن الشابة لدي جمهورهم! إلا أنها تشير إلى الخضوع إلى نظام الموضات التجميلية، وطابعها الاستهلاكي، كجزء من ثقافة الاستهلاك المفرط، علي نحو ما أشار إليه جي ديبور في كتابة الشهير مجتمع الاستعراض، حيث تبدو الحياة ” في المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة، تقدم الحياة نفسها بكاملها علي أنها تراكم هائل من الاستعراضات، كل ما كان يعاش علي نحو مباشر يتباعد متحولاً إلى تمثيل représentation . “ومن ثم” يقدم الاستعراض نفسه في آن واحد بوصفه المجتمع ذاته” (جي ديبور: مجتمع الاستعراض ص9، ترجمة أحمد حسان). إلا أن الاستعراض في العالم الفعلي والحياة الواقعية تحول إلى استعراضات رقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والصور المعدلة، والفيديوهات الطلقة، والـ réels، وبات استهلاكها فائق السرعة، والتمثلُ الومضاتي – من ومضة – بحسب وصف سابق لنا عن القراءة الرقمية الومضة . وهذا التوجه في الاستهلاك الرقمي الومضاتي، واستخدام الذكاء الاصطناعي حول الحياة إلى حالة من الزيف، والتمثيل ليس للمشاهير – وهو موضوع بات جزءاً من الاستهلاك فائق السرعة – بل وأيضاً للجماهير الرقمية الغفيرة، وهو ما سيؤدي مع عالم الإناسة الروبوتية إلى حالة من الاغتراب الإنساني الكوني بين العالم الفعلي والعالم الرقمي الذي تتمدد هيمنته الرمزية والسيو – نفسية علي غالب فضاءاتنا الكونية.
بعض هذه الظواهر الرقمية منظمة، وبعضها عشوائى، وثمة منشورات، وتغريدات تروج لأخبار كاذبة حول سياسيين، أو فنانين، أو شخصيات عامة، هروباً من المجال العام المقيد، أو المحاصر، وثمة سلوك منظم لدي بعضهم لأختلاق وقائع ماسة بحياتهم الخاصة كالطلاق، والعشق، والعلاقات الموازية للزواج، أو الخيانات، أو الخلافات مع أبناءهم، بل وتوظيف الإصابة بالأمراض في أثارة الاهتمام بحضورهم كشخصيّات “مشهورة”! كل ذلك وغير جزء من الاستعراضات، والتمثيلات الرقمية، وبعضه جزء من النظام الرقمي واللانظام، وثقافة التفاهة الاستهلاكية!
بعض ظواهر التمثيلات الاستعراضية تظهر ولاتزال في المجتمعات التي لاتزال تسودها بعض من الشمولية واالتسلطية السياسية كما في حالة العالم العربي، في التحول للتعبير من المجال العام المغلق أو المقيد أو المحاصر إلى الفضاءات الرقمية لإبداء الجماهير الرقمية الغفيرة العشوائية انطباعاتها المرسلة والسطحية، كبديل وظيفي عن الفعل السياسي! ومن ثم تراجعت في الوعي الاجتماعي والسياسي، الربط بين الحصول على الحريات، والحقوق العامة والشخصية، وبين الكفاح السياسي من اجل نيلها، ومن هنا استبدلت الحريات الرقمية – المراقبة – بديلاً عن الكفاح لنيل الحريات من براثن الاستبداد والتسلط في الواقع الفعلي المجتمعي والفردي!
هذا النمط من الوعي السياسي الرقمي الاستهلاكي، امتد أيضاً إلى بقايا قلة قليلة مما كان يطلق عليهم مصطلح – بالمعني الشائع مصريا وعربياً – “المثقفين”، والنشطاء الحقوقيين، والدعاة السياسيين والدينيين – المعارضين والسلطويين، وغالب الأحزاب المحجوبة عن الشرعية السياسية، أو المشروعة شكلياً – حيث استبدلت نسبياً الكفاح السياسي الواقعي، بالخطاب الأيديولوجي الزائف لإثبات حياتها الواقعية عبر الخطاب السياسي الرقمي.
في إطار سياقات وتطورات حرب الإبادة علي المدنيين في قطاع غزة، والقيود الأمنية والاستخباراتية وإغلاق المجال العام في دول اليسر والعسر العربية، تحولت الفضاءات الرقمية – الفيسبوك، وزد Z والفيديوهات القصيرة والصور – إلى أدوات لتفريغ فيوضات الغضب بالتعبير والانطباعات عن هجاء ونقد الدولة العبرية وجيشها وإنتهاكاتها للقانون الدولي العام والحرب والدولي الإنساني، وقرارات الشرعية الدولية – القرار 242 والقرارات المتصلة بعد عدوان 5 يونيو1967 – ومعها نقد السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل والداعمة لها، ومعها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا.. إلخ! وأدى استهلاك الصور والفيديوهات لبعض الغضب وأشكال الاحتجاج والاعتصامات للطلاب في أمريكا وفرنسا وامتدادها لجامعات أخرى في العالم الغربي والقارات الخمس، إلى حالة من الاعتياد اليومي، وتصريف وتوزيع الغضب عبر الاستهلاك الرقمي المشهدي، والمنشوراتي والتغريداتي والمشهدية البصرية! من ثم بات الاستهلاك الرقمي بعض من مألوف الحياة اليومية وبديل عن بعض من الاحتجاج أو التظاهر الفعلي المقيد!.
من ناحية أخرى لابد من ملاحظة أن الرقابات الرقمية باتت تشكل قيداً علي الحريات الرقمية ومستهلكيها. من ثم أدت هذه الظواهر الرقمية إلى توظيف الحريات الرقمية في فرض بعض من القيود على هذه الحريات، بل وإلى أنماط من الجرائم الرقمية، إلا أن تدافع بعض الجموع الرقمية الغفيرة في ممارسة بعض هذا العنف اللفظى، قد يدفع بعضهم إلى ارتكاب جرائم فعلية بحثاً عن المال، كما حدث في واقعة تحريض مراهق، لشاب لارتكاب جريمة وتصويرها، واستخدام جثة مراهق وأعضاءها للبيع! وتم ضبط الفاعلين في هذه الجريمة من الكويت، ومصر، وسيقدمون للمحاكمة، في واقعة اتسمت بالوحشية سعيا وراء المال! أشكال التحريض الإجرامي تمتد إلى بعض السلوكيات في توظيف العري، أو ممارسة الجنس، أو الحديث عنه باستخدام المفردات الجنسية في اللغة المحكية أو اللغة الفصيحة، وذلك من أجل الحصول على المال علي نحو باتت معه ظواهر ذات طابع عالمي، في عديد البلدان في آسيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، والمنطقة العربية من بعض الهواة الساعين إلى المال من خلال بثها على بعض المواقع الرقمية!
من ثم تشكل هذا الظواهر الرقمية، بعض من الجوانب الفوضوية في الواقع الرقمي في ظل النظام الرقمي، وتأثيرها من ثم على سلوك الفرد الرقمي والجموع الرقمية الغفيرة، وهى ظواهر متعددة، ومتغيرة، ستواجه بالذكاء الاصطناعي، وعالم الروبوتات الذين سيشكلون في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد تحدياً لسلوكيات وأفكار الإنسان الرقمي المتغير، وبعض أشكال الفوضى في داخل النظام الرقمي وحرياته المراقبة.
المصدر: الأهرام