من العقل النقلي المغلق إلى العقل الحر
في قصيدة “هنا القاهرة” للشاعر سيد حجاب، بيت يقول “حياتنا هنا حارة سد.. وسؤال مالو رد”.
يختزل هذا البيت في إيجازه أزمة العقل المصري والعربي المتفاقمة منذ نهاية القرن التاسع عشر، حتى الآن، والتي تتمثل في تمركزه حول وأمام المسارات المغلقة، وبحث عن إجابات عن سؤال لماذا تخلفنا؟، ولماذا تقدموا الذي طرحه شكيب أرسلان! طرق مسدودة! وسؤال مغلق لا رد عليه إلا إجابات عامة سائلة، وفضفاضة، تعيد إنتاج ذاتها، ولا تجيب على شيء قط، لأنه عقل ساكن يسعى إلى إجابات يستنيم إليها، بينما المشكلة الأساسية هي هذه الرغبات المحمومة المولعة بثقافة الأجوبة الجاهزة، التي تتناسل من العقل النقلي الديني، والإيديولوجي – شبه الليبرالي، وشبه الماركسي – المفارق للواقع الموضوعي، ومحمولاته من الأوهام والأساطير سابقة التجهيز. عقل الإجابات الجاهزة لا عقل ثقافة الأسئلة، التي تحفز على النقد، ومساءلة الأسئلة، ودحض الإجابات السهلة الحاملة لموتها، دونما أن تقدم طرقا مفتوحة للمجتمعات العربية وتنميتها، وتحريرها من القيود الموروثة، والمعاصرة معاً، أيا كانت طبيعتها سياسية، أو ثقافية، أو أسطورية، أو قيمية تكرس التخلف التاريخي المركب.
إحدى إعاقات العقل ذي البعد الواحد تتمثل في تمجيد مفاهيم الخصوصيات الثقافية، والثوابت، والأصالة وفق الدلالة والسياقات الماضوية على نحو ما تطرح في الخطابات النقلية أيا كانت، واعتبارها جزءاً عضوياً في “الشخصية العربية”، وكأن هناك شخصية عربية واحدة!.
حتى مع نهاية مفهوم الشخصية القومية في الدراسات السوسيولجية! لا نزال نعيد إنتاج آلة اصطلاحية أفلت في العلوم الاجتماعية في عالمنا، لأننا لا نتابع من منظور نقدي تطورات الفكر العالمي وتحولاته المختلفة. كل المجتمعات لها خصوصياتها، ولا ننفرد نحن بالخصوصيات. العقل ذو البعد الواحد المسيطر، عقل معتقل ومعاق ذاتياً وتكوينياً، وسياسياً لأنه يرى العالم من خلال نظرات الغرب، وليس من منظورات الثقافات المتعددة، في آسيا الناهضة، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولأن بعضه مولع بالثقافة ونمط الحياة الأمريكي، وإن أشكال الوعي العربية – وفق مكسيم رودنسون في تقديمه للإيديولوجية العربية المعاصرة لعبد الله العروي – انطلاقاً من التاريخ الاجتماعي للغرب، وفق العروي، وفي رأي ردونسون “أنه ينبغي فهم أشكال الوعي العربية هذه انطلاقاً من التطور الاجتماعي للعالم الشرقي نفسه”.
إن نظريات العقل العربي للغرب يسودها التبسيط، والتعميمات، والغموض، وبعض الأساطير التي تؤله هذا العقل – وكأنه واحد – وفي ذات الوقت تأمل الغرب للعالم غير الغربي سوف يظل زمناً طويلاً تسوده خرافات تبسيطية تملك الكثير من الأفضليات على العديد من الأصعدة المختلفة وفق رودنسون. هذه الملاحظة تتجسد في مقاربات بعض خبرا المنطقة في الولايات المتحدة، وبريطانيا وأوروبا حول دول المنطقة العربية، وأن حدودها غير طبيعية، وتم تخطيطها بعد اتفاقية سايكس – بيكو الكولونيالية، وأنه لابد من تعديلها وليست نهائية! ومن ثم تؤثر هذه المقاربة الجيو – سياسية، والتاريخية على المسألة الفلسطينية، والتمدد الاستيطاني للكولونيالية الإسرائيلية، ناهيك باعتبارها وجه الغرب في المنطقة! وهو ما يبدو في مواقفهم الداعمة لحرب الإبادة على قطاع غزة، والمدنيين الفلسطينيين.
من هنا تبدو الحاجة الموضوعية للنقد المزدوج – وفق عبدالكبير الخطيبي – وذلك لا يتم إلا من خلال إعلاء مقام العقل النقدي الحر الطليق من الأغلال أيا كانت. عقل الأسئلة، وعقل هدم الأبنية الذهنية المغلقة، وتفكيك الأساطير الوضعية، والأفكار المطلقة، والاعتصام بالأفكار النسبية، ونقدها. عقل الهدم من أجل البناء، وتفكيك القيم الاجتماعية السلبية التي تعيق تحرير الوعي الاجتماعي والسياسي الفردي، وشبه الجمعي، من بعض أوهامه الزائفة!.
إن الانتقال في التعليم من ثقافة، ومناهج الحفظ، والتكرار، والتلقين إلى ثقافة الأسئلة، والنقد والحوار، هو جزء من عمليات تحرير العقل المعتقل. ثمة ضرورة أيضاً للتحول نحو العلوم الأكثر تطوراً، وخاصة الذكاء الاصطناعي، والعلوم الطبيعية، وإعادة النظر في الأعداد الضخمة والكثيفة التي تدرس العلوم الاجتماعية، ولا تجد مجالاً لها في أسواق العمل الجديدة، والناشئة، والمتغيرة في عالمنا.
ثمة حاجة إلى تحرير السياسة التعليمية، ومناهجها من أحكام القيمة النقلية، وفي الدرس حول الدرس من غالب المدرسين، غير المؤهلين بطول العالم العربي وعرضه، وتطوير التعليم الديني من النقل إلى العقل، ومن أسئلة وإجابات الماضي إلى أسئلة الراهن والمستقبل، وتحرير المجال الديني من هيمنة السياسة، واستقلاله وتجديده، ومن التدين الوضعي ومحمولاته إلى صفاء وعمق التدين الفردي، والتصدي للخرافات المحمولة على الدين، من التدين الشعبي، والشعبوي في المجتمعات العربية.
إن تحرير العقل يُعد المقدمة الأساسية لتحرير المجتمع، والفرد معا، ونقد الشمولية، والتسلطية، وأثارهما الخطيرة في تخلف مجتمعاتنا العربية، وهو ما يستدعي درس كليهما وتاريخهما في كل حالة عربية وجزورهما الاجتماعية، وانعكاساتهما المتمثلة في انكسار حركة التصنيع، وتراجع الإنتاج، والقفز على عالم الاستهلاك المفرط في دول اليسر، والعسر معاً، وتزايد الفجوات الاجتماعية، بين السراة عن قمة النظام الاجتماعي، وبين غالبية القوى الاجتماعية الأخرى، وتزايد معدلات الفقر.
العقل النقدي الحر، يمثل ضرورة في نقد خطابات تمجيد الماضي في السياسة، والثقافة، والفنون، لأن المقاربات النقدية للتاريخ، تشكل أحد أبرز محركات التطور العقلي والاجتماعي والسياسي. بعض مقاربات تمجيد المفكرين والفنانين، والسياسيين الذين رحلوا، تشكل انعكاساً لعجز في الحاضر عن تجاوز تجارب هؤلاء، وإنجازاتهم مهما كانت قيمتها، وأهميتها في تاريخ المجتمعات العربية.
بعض هذه الخطابات التمجيدية للموروث التاريخي والسياسي والثقافي تسود غالب المجتمعات العربية، وأجهزة الإعلام، ويرجع بعضها لأثر “الوطنيات” في طور التكوين، في الدول التي ظهرت ما بعد الكولونيالية – دول اليسر المالي، وبعض دول العسر – حيث تدعم الطبقات السياسية الحاكمة، خطابات التمجيد لإنتاج النزعة الوطنية – باستثناء مصر والمغرب – ومعها تسود بعض الشعبوية، في الواقع الفعلي، وعلى الحياة الرقمية، حيث يذهب عوام ما يطلق عليهم مجازاً “مثقفين” وغيرهم إلى تغذية النزعة الوطنية والشعبوية الهشة من خلال التهجم على بعض الشعوب العربية الأخرى، التي لعبت أدواراً مهمة في تاريخ المنطقة، من حيث السبق في التحديث وبعض الحداثة المبسترة، والتجارب السياسية، أياً كانت نتائجها، وهو ما يؤدي إلى تنامي ثقافة الكراهية، ومعاداة العروبة الثقافية.
إن العقل ذو البُعد الأحادي المسيطر، لا يزال أسير عدم تفاعله النقدي مع أوضاع ومسببات التخلف التاريخي العربي المركب، ومنفصل عن واقعه الموضوعي، وواقع عالمنا المتحول، لأنه عقل “اليوم بيوم”، ومن ثم لا يستطيع إنتاج معرفة تحررية لمجتمعاتنا العربية، ولا يزال بعيداً عن درس مقاربة لتجارب النهوض الآسيوي، وبعيداً عن التغيرات الأخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل التحولات داخل الدول الغربية فائقة التطور. العقل ذو البُعد الواحد لا يزال بعيدا عن نقد الشعبوية السياسية والدينية، وعن الاشتباك النقدي مع العقول الغربية، التي لا يزال يستلهم بعضا من إنتاجها الفكري في التيار وبعد تجاوزها.
ثمة ضرورة للتحرر من الفكر النيوليبرالي الاقتصادي، ونقد العقل المالي – عقل المالية العامة – الذي أدى إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في دول العسر العربية، ودونما انتقال من العقل المالي إلى العقل التنموي سنواجه مشكلات كبري، لأن العقل السياسي التنموي يساهم في نقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويستلهم الحلول التنموية، من التجارب المقارنة والوطنية وأسباب فشلها تاريخيا، ويرفد الفكر الاقتصادي العربي، بأفكار جديدة، تتلائم مع الواقع الموضوعي.
ثمة حاجة لتحرير العقل العربي، من أوهامه، ونظراته الأحادية في مجالات حياتنا كافة، ولن نستطيع الخروج من الطرق المسدودة، دونما تحرير العقل، والفرد من الأغلال.
المصدر: الأهرام