المقاومة ومشكلة المعنى في الحياة
مشكلة المعنى، تُعد واحدة من أهم مشكلات الوجود الإنساني كله، في كل مراحل تطور المعرفة والوعي، والإبداعات في الفلسفة، والشعر والموسيقى، والأغاني، والنحت، والرسوم ومقاومة الطبيعة والغزاة لدى كل جماعة بشرية، أيا كانت في مراحل التطور التاريخي، من الجماعة، للقبيلة، للعشيرة إلى المجتمعات الحديثة.
مشكلة معنى الوجود الإنساني وإشكالياتها في الحياة شكلت أسئلة متشابكة، تداخل فيها البحث عن هذا المعنى في الأديان، والأساطير، والماورائيات منذ الوجود البشري على خريطة عالمنا المتغيرة، وإلى الآن!
من الجماعات الأولى، وعقائدها وأساطيرها، كان معنى الوجود أساس في نظرة الجماعة لذاتها، وعلاقتها بالمكان الثابت، والمتغير وإلى الطبيعة المحيطة، ونظام الزراعة، أو الرعي. بعضها وجد في الطبيعة وتحولاتها بعضا من الإجابات، وبعضها الآخر في عبادة الإسلاف، أو تماثيل للآلة، أو بناء عقيدة حول العرق وأصوله، وإلى الأديان الوضعية -أيا كانت مفاهيمها وطقوسها وتراثاتها وتفسيراتها-، وبعض الجماعات اصطنعت أساطيرها حول الطبيعة، والماورائيات تفسيراً لمعنى وجودها، ومألاته، وخاصة بعد الموت في كل الحضارات القديمة، وأديان العصر الوسيط، وكانت الأديان السماوية الثلاث ومذاهبها وتأويلاتها تشكل مرحلة أكثر تطوراً، وعمقا في الإجابة عن سؤال الوجود، ومعناه، ومآلاته ومعنى مقاومة من يغايرها؛ كل ديانة كانت لديها إجابات عن هذا السؤال المحوري.
في العصور الوسطى، تداخلت الأديان في السياسة والحكم مع أنماط الدولة الثيوقراطية، ووظائف الدين في الهيمنة والضبط، وبناء الأشكال الرمزية لتوحيد الجماعات المتعددة، الأعراق، والثقافات، والمناطق، تحت سيطرة الحكم ذو السند الإلهي، أو شبه الإلهي، بكل انعكاساته ذلك على تبرير السيطرة والتحكم على المحكومين، وتسويغ القهر والاستغلال الاجتماعي.
مع الدولة الحديثة، وتطور حركة القوميات والرأسمالية الأوروبية وتوحيد الأسواق، ومعها المجتمعات والدول، وتطور الفكر السياسي حول النظم الديمقراطية التمثيلية والدولة الأمة، وميلاد الفرد والفردانية، حدث التمايز، بين الوضعي السياسي والاجتماعي والثقافي، وما بين الماورائيات الدينية، والأسطورية أيا كانت. هذا الانفصال بين الدين – أياً كان – وبين الحياة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، أدى إلى تطور الفكر الفلسفي، والاجتماعي، والسياسي. من هنا كانت الإجابات حول مشكلة وأسئلة المعنى متعددة، وتتناسل من قلب أنسجة الفلسفات على تعددها، ومرجعياتها، وأسئلتها. بعض الفلسفات العدمية، كان اللا معنى للحياة والوجود هو إجاباتها الحاسمة، وأن عبثية الحياة محلقة فوق الوجود كله، وكائناته بما فيها الإنسان. بعض هذه العدمية ذات تأصيل فلسفي إلحادي، لا يؤمن بالأديان كافة.
بعض الإجابات جاءت من الفلسفة الوجودية، وأن المعنى في الحياة، هو مشكلة لكنها ترتبط بالعقل والفعل والنشاط الإنساني، الذي يتمركز حول المعنى أو المعاني التي يطرحها الإنسان على الحياة.
ثمة وجودية ملحدة، وأيضا بعض الوجوديين مؤمنين، لكن المعنى ذاته هي مشكلة إنسانية بامتياز.
الماركسية كفلسفة، وأيديولوجيا، وتجسد سياسي، وديالكتيك تاريخي، وفلسفي، واقتصادي، أضفت معاني متعددة على الوجود من خلال المادية التاريخية، والمادية الجدلية، وأيضا من خلال الصراع الطبقي والسياسي. في غالب إجابات الماركسية على مشكلة المعنى كانت ذات طابع الحادي، بينما بعض الماركسيين كانوا مؤمنين، وخاصة في بعض المجتمعات العربية، والإسلامية.
تعقدت مشكلة المعنى، مع مراحل التحول نحو الإناسة الروبوتية والذكاء الاصطناعي، وذلك تمهيداً لما بعد الإنسانية، وأيضاً مع هجمة الفيروسات المتحورة، وتمرد الطبيعة على أنماط الاستغلال الإنساني، والرأسمالي لها، في حالة من التوحش، التي أدت إلى اختلالات جسيمة، في علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى، ومكونات الطبيعة، وهو ما ظهر في الاحتباس الحراري، والفيضانات والسيول، وارتفاع درجات الحرارة.. إلخ! حتى هذه اللحظة لا تزال إجابات مشكلة المعنى قديمة، والتباسية، ومفارقة للواقع، وتحولت بمضي الزمن إلى إجابات عقائدية مشوشة أقرب إلى الاعتقادات الدينية.
في المراحل الكولونيالية الغربية للمجتمعات المستعمرة، والمستغلة تمثلت في وحشية إزاء الإنسان المستعمر، ونهب موارده وثرواته الطبيعية، وجهده الإنساني. من ثم كانت مقاومة المستعمر، جزءاً من تبلور وعي بعض جماعات المقاومة بذاتها، وخصوصياتها الدينية، والثقافية، والعرقية، وتاريخها الشفاهي، أو المكتوب، ومن ثم كانت المقاومة في ذاتها، هي تطور في الوعي الاجتماعي، والسياسي، والثقافي لهذه المجتمعات بمسألة الحرية، وطرد المستعمر، والاستقلال الوطني.
من هنا تطورت ثقافة المقاومة وإيديولوجيات مواجهة الاستعمار الغربي أيا كان ومعها معاني الحرية والاستقلال. من هنا كان “الفكر المقاوم”، “والفعل المقاوم” ينطوي على بعض الإجابات عن معنى الحياة الحرة، والمستقلة وإقامة الدولة الوطنية. كان المعنى هنا سياسي بامتياز، لكن عقيدة المقاومة – أياً كانت مرجعياتها – ترفد إيديولوجيا المقاومة بمعان أخرى، تؤدي إلى تماسكها، وأيضا إلى جذب العنصر البشري المقاوم إلى تنظيماتها.
كان المصدر الديني، يلعب دوراً هاماً، في بعض مكونات إيديولوجيا المقاومة أيا كان الدين أو المذهب السائد، ديناً وضعياً، أو سماوياً كالإسلام أو المسيحية، ومعه تأويلات هذا المصدر الموروثة أو الحديثة أو المعاصرة إن وجدت تجديداً أو تفسيراً يوظف المصدر الديني كي يواكب شرعنة وتبرير أفعال المقاومة ضد المستعمر أياً كان.
كان الإسلام السني في مصر على سبيل المثال، يشكل أحد أبرز مصادر الشرعية التي ارتكزت عليها مقاومة المصريين للحملة الفرنسية، ودور الأزهر التاريخي في مواجهة الاستعمار الفرنسي، والبريطاني. كان معنى المقاومة والوجود متناسلاً من المصدر المرجعي الديني، وكانت المقاومة ضد الغازي والمحتل عملاً شرعياً من المنظور الديني والفقهي، ومعه بدأت بعض بدايات جنينية وغائمة حول مفهوم المصرية، ومن ثم أدت بعد تطورها إلى تشكل الوطنية المصرية الذي بدأت علاماتها من مقاومة، الحملة إلى بناء دولة محمد علي، وإسماعيل باشا، وبدأ في الظهور مع الحركة العرابية، والانتفاضة الوطنية الكبرى 1919 والنظام شبه الليبرالي، ومعها تكون مفهوم القومية والأمة المصرية الواحدة. كان الإسلام في الجزائر هو السند الأساس في مقاومة الاستعمار الفرنسي الشرس من خلال حركة التحررالوطني.
بعض ثقافة المقاومة، ومسألة المعنى التي تنطوي عليها ومنها الخصوصية الثقافية والدينية وهوية الوطن وتمايزهم عن ثقافة المستعمر، ارتبط باطلاع المتعلمين من أبناء المجتمعات المستعمرة على الفكر الغربي من خلال التعليم، ومعها مفاهيم الحرية، والاستقلال، والدولة الوطنية والمساواة والإيديولوجيات التحريرية – أياً كانت مرجعياتها الماركسية أو الليبرالية، أو القومية العربية.. إلخ – ومن ثم اكتسبت المقاومة قدرتها على تقديم إجابات على مشكلة المعنى سواء من الفكر المقاوم، أو الفعل المقاوم، حول الحرية، والاستقلال ومفهوم الوطن والوطنية.
من هنا وجدت فصائل المقاومة الفلسطينية، في تكوينها المتعدد، وتطورها وصراعاتها في إطار الصراع العربي/الإسرائيلي إجابات إيديولوجية على معنى المقاومة، من المصادر الإيديولوجية والسياسية والفلسفية، التي صاغها قادتها، سواء المصادر الماركسية اللينينية، أو الماركسية الماوية، أو المصادر القومية العربية، منذ نشأة منظمة التحرير الفلسطينية، بل وصراعات قادتها، وفصائلها على تعددهم وتناقضاتهم، وتبعيتهم لمصادر تمويلهم، وتسليحهم في مرحلة الحرب الباردة، أو مع حركات التحرر الوطني لاسيما مصر الناصرية، أو الدائرة البعثية في المشرق العربي.. إلخ..
كانت معاني المقاومة، وحياة الإنسان الفلسطيني تتداخل مع بعض هذه الإيديولوجيات، لاسيما بين الأجيال المتعلمة، كان المصدر الديني لمعنى الحياة والمقاومة والاستقلال والحرية، وكان التمسك بالعقيدة والإيمان الديني الإسلامي والمسيحي، هو الأساس في ميلاد المعني من خلال التمسك بالأرض وحق العودة ومحمولات الذاكرة الجماعية والشخصية حول البيت والأرض والزراعة والزيتون والبرتقال والزعتر ومفاتيح المنازل التي غادروها، وتفاصيل حياتهم فيها ومرابع طفولتهم وصباهم وشبابهم قبل تهجيرهم قسريا منها. منذ نشأة الدولة الإسرائيلية، والأساطير الدينية والتوراتية المهيمنة على بعض من فكر قادة الحركة الصهيونية -العلمانية- والصهيونية التوارتية الدينية المتطرفة حول أسطورة ووهم أرض الميعاد!.
من هنا كان الإسلام هو مصدر المعنى في الحياة والمقاومة والاستقلال – ومعه المكون المسيحي للشعب الفلسطيني – مع حركات الاستقلال الوطني ما بعد الاستقلال، وحركة عدم الانحياز، تغيرت معاني الوجود والأرض والمقاومة والحرية والاستقلال لكن المصدر الديني للمقاومة والاستقلال ظل هو المهيمن في الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني في داخل أراضي 1948، وفي الضفة وقطاع غزة، وفي الشتات الفلسطيني. لاشك أن ثقافة الكراهية والتعصب ذو السند الديني والسياسي الإسرائيلي المتطرف أدت إلي دعم وسطوة خطاب الهوية الديني لدى كلا الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتمركز المعني حول الدين كوحدة جامعة وهوياتية لغالبية أبناء الشعبين، ومن ثم أحد مولدات المعني جماعيا وفرديا في سياقات الصراع التاريخي، ولدى الإسرائيليين في شرعنة أسطورة أرض الميعاد التوراتية، في التعليم والتنشئة الدينية والاجتماعية وبعض السياسية، ومعها أسطورة التفوق والاستعلاء الديني والتفوق الأخلاقي علي الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية. ارتبط الاحتلال الاستيطاني بالمفهوم التوراتي، ومعه التفوق العلمي والتكنولوجي والعسكري والأمن المفرط والأمان إزاء المقاومة الفلسطينية وتجاه الجيوش العربية! أدت هذه الادراكات الجماعية والوعي الجمعي بها إلى رفض النخبة السياسية الحاكمة لمفهومي الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة على الأراضي التي احتلت بعد عدوان 5 يونيو 1967، وإفشال اتفاقية أوسلو ومعها المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي الفلسطيني.
من هنا وجدت حركة حماس – وأساس مصدرها الإيديولوجي جماعة الإخوان المسلمين مع بعض التغيرات – معناها كمقاومة، وإيديولوجية، وفعل، ونظام تجنيد في الإيديولوجيا الدينية مؤلاً، وأداة للتعبئة والحشد، والمعنى في حياة المقاومين، والفعل المقاوم. كانت حرية فلسطين واستقلالها ذات أولوية على حرية الإنسان الفلسطيني في الضفة والقطاع، وهو التناقض الذي جعل بعض معارضي حماس، يخلطون بين مقاومة الاحتلال الاستيطاني، والإبادة الجماعية، وبين السلطة الحمساوية ذات الهيمنة الدينية السياسية في الحكم! أياً كان الأمر المقاومة الوطنية للاحتلال الاستيطاني، حملت معنى وجودياً للمقاومة، والشعب الفلسطيني في سعيه نحو الحرية، والاستقلال الوطني، وتحول فكر المقاومة وفعل المقاومة إلى إجابة على معنى وجودها التحريري الجماعي من الكولونيالية الاستيطانية، وأساطيرها التوراتية والصهيونية واستعلاءها على الفلسطينيين والمقاومة والعالم العربي. من هنا تمركز المعني في بعض المصادر الدينية الإسلامية واليهودية وتأويلاتهما الوضعية كسند للعداء المتبادل، وأيضا كسياح هوياتي يمثل حداً فاصلا ومائزاً تجاه بعضهما بعضاً مع بعض مصادر آخري لتوليد المعني لكليهما في الصراع. كان ولايزال التفوق والإستعلاء الإسرائيلي، والحريات العامة والفردية والليبرالية الإسرائيلية، والتطور العلمي والمعرفي والتعليمي والثقافي مقارنة بالدول العربية والفلسطينيين. والإسلام والعروبة والمقاومة والتمسك بالأرض والتوق لحرية الوطن والأستقلال والتفوق الأخلاقي للمستضعفين كقيم في مواجهة المحتل الاستطاني الغاصب. من هنا حاول بعض الباحثين ومراكز البحث والإدارات السياسية الإسرائيلية والأمريكية أن يذهبوا إلى أن سبب استمرارية الصراع العربي/الإسرائيلي والفلسطيني/الإسرائيلي يكمن في الفجوات النفسية التي تشكلت بين الأطراف المتصارعة، والحل يكمن بعضه في إذابة هذه الفجوات عبر أشكال الحوار وتطبيع العلاقات مع بعض من المثقفين والنخب السياسية. تشكلت مجموعات بحثية بعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد وتمحور حولها بعضهم في مصر وإسرائيل وأمريكا، ولكنها فشلت، ومعها مجموعة كوبنهاجن. تناسى بعضهم جوهر الصراع ومعانيه وخاصة لدى إسرائيل وغالب النخبة والشعب، متمثلاً في الحق التوراتي المزعوم حول أرض الميعاد! التي لايوجد ما يسوغه تاريخياً وسياسياً وأخلاقياً وقانونياً، ومعه مفهوم الاستعلاء والتفوق الديني والعرقي والعلمي والعسكري! من هنا كان الإسلام مصدراً للمعنى في فعل المقاومة وثقافتها، وإيديولوجيتها لدى حماس والجهاد الإسلامي، والأهم لدى غالب الفلسطينيين في قطاع غزة وبعض الضفة الغربية، وذلك بقطع النظر عن مآلات ونتائج الحرب على قطاع غزة، والأسئلة المعلقة فوق طرفي الصراع. من المحتمل أن تثار أسئلة وشكوك وجودية في إسرائيل حول الصهيونية وما بعدها مجدداً، والأمن المفرط في التصور النخبوي السياسي والعسكري، وأيضاً حول الدولة ووجودها، بعض الأسئلة والإجابات ستؤدي احتمالاً نحو اليمين المتطرف والديني، في التأكيد على بعض ثوابته التوراتية الأسطورية، وذلك للتماسك الاجتماعي بعد صدمة طوفان الأقصى!
ستطرح على حماس أسئلة عديدة حول خياراتها وإيديولوجيتها ونتائج عمليات المقاومة على قطاع غزة في ظل تدمير المباني الخاصة والعامة والأعداد الضخمة من القتلى والجرحى ونقص الغذاء والدواء والماء والطاقة، ومشكلات إعادة الإعمار، ومشاكل الأمن والحكم العسكري الإسرائيلي الانتقالي للقطاع، والمنطقة العازلة، وإعادة تشكيل سلطة مابعد إعادة التخطيط السياسي لمستقبل الأوضاع في الضفة والقطاع وعمليات الاستيطان! المرجح ان بعض من التغيرات العديدة والتناقضات الداخلية والبينية ستحدث في داخل حماس والسلطة الفلسطينية وبين بعض مكونات الشعب الفلسطيني، لكن ثقافة المقاومة وسندها الديني ستظل مهيمنة ومنها معني الوطن والعقيدة والحرية – للشعب والفرد الفلسطيني – والاستقلال والدولة المبتغاة علي الأراضي المحتلة بعد 5 يونيو1967 وعاصمتها القدس، ومجمل المشاكل والمراوغات التي ستثار في العقل السياسي الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي حول الدولة وحدودها والأمن، ومعهم بعض الحكام العرب في إقليم النفط وبعض دول الدائرتين البؤرية والطوق في الصراع العربي/الإسرائيلي!.
من هنا ستكون المقاومة والمعاني المستولدة من رحمها الديني والسياسي مهيمنة نسبياً في مرحلة ما بعد الحرب، وعمليات التفاوض بين الأطراف كافة.
المصدر: الأهرام