الدين بين ثقافة المقاومة والاحتلال الاستعماري
شكلت المراحل التاريخية للاستعمار الغربي الأسوأ في استغلال ونهب ثروات الشعوب والجماعات المستعمرة التي خضعت للاحتلال في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وغيرها من مجموعات الجزر الأخرى. ارتبط الاستغلال الاقتصادي، بممارسات القهر والاستعباد، والقتل، والسجن، والاعتقالات، والنفي لكل جهود مقاومة المستعمر الوحشي، التي وصل بعضها إلى محاولة إفناء السكان الأصليين، في عديد الحالات مثل الولايات المتحدة الأمريكية، واستراليا، وغيرها. من هنا يشكل التاريخ الاستعماري، الأسوأ في تاريخ عالمنا، ومن ثم شكل ذاكرة أجيال وراء أخرى في هذه البلدان، وعلى نحو يناقض كل دعاوى، وقيم الحداثة الغربية الأخلاقية، والإنسانية حول المساواة، والعدالة، والحرية، والأخوة، ومرجعياتها الفلسفية والسياسية، ومعها التنوير!.
من فوائض النهب الاستعماري، اتسعت القواعد الاجتماعية للتعليم، وحركة البحث العلمي، والتطور التكنولوجي، ومعها الإنتاج في العلوم الاجتماعية، ونظرياتها، المدارس الفلسفية، وأنظمتها القانونية، والصحف، ثم وسائل الإعلام المختلفة. بعض من هذه التطورات هي نتاج لتوظيف جزء من تراكم فوائض النهب، والاستغلال للمجتمعات المستعمرة.
كانت مقاومة المستعمر الغربي الوجه المقابل للاستغلال والاستعباد والقهر للسياسات الكولونيالية – الحكم غير المباشر البريطاني، والحكم المباشر الغربي.. إلخ – واعتمدت ثقافة وسياسة المقاومة بعديد المرجعيات لدى بعض الشعوب والجماعات المستعمرة في عالمنا، بعضها تشكل من داخل التكوينات الاجتماعية التقليدية –ثقافة القبيلة ، والعائلة الممتدة، والجماعات العرقية والدينية الوضعية-، وفى التمسك بذاكرتها الشفاهية النقلية والمكتوبة، وثقافاتها الموروثة، وطقوسها، وأساطيرها وسردياتها الاجتماعية الشعبية، ونظامها في المأكل والمشرب والملبس، وفى إحياء ذاكرتها الجماعية، وسردياتها الشفهية، لبناء تماسكها الجمعي وتعاضدها في مواجهة استعلاء المستعمر الغربي، وممارساته المتغطرسة، وطقوس الاستعلاء بالقوة الغاشمة، والوحشية والسلوك إزاء الجماعة/ الجماعات المستعمرة.
مع بعض التغير، والتعليم التقليدي الديني والحديث الغربي، تبنى بعض أبناء الجماعات المستعمرة، بعض من الأفكار الغربية، حول قيم الحرية والكرامة، والمساواة، والعدالة، والأخوة الإنسانية، سبيلاً للمقاومة مع بعض الوشائج بينه وبين ثقافة الجماعة/الجماعات المستعمرة، حول الخصوصية الثقافية والدينية والعرقية، والتميز، والتركيز على فظائع الممارسات الاستعمارية في بلدانهم. بعض هؤلاء القادة التاريخيين المقاومين للاستعمار، وظفوا خطاب الحرية والاستقلال الوطني مع تشكيل حركات المقاومة المسلحة، والمدنية، بعضهم الآخر – مع التعليم في الغرب – كانوا جزءاً من بعض تشكيلات البرلمان في إطار نموذج الحكم الفرنسي المباشر.
في البلدان العربية المحتلة، كانت ثقافة المقاومة وحركات التحرر والاستقلال الوطني، تعتمد على خطاب للمقاومة والاستقلال والحرية متعدد المصادر المرجعية، وذلك على النحو التالي:
1- خطاب النخب الدينية التقليدية، من مشايخ الأزهر في مصر – على سبيل المثال – الذي يعتمد على السرديات الدينية التاريخية حول الإسلام، حول النص المقدس القرآن – تعالي وتنزه – والسنة النبوية الشريفة، والمتون الفقهية التأسيسية، شحذا للهمم، والكبرياء الديني، والتغاير مع ديانة وثقافة المستعمر منذ الحملة الفرنسية، والغزو الاستعماري البريطاني بعد ذلك! من هنا كان أحد الأدوار التاريخية للإسلام، والأزهر ومشايخه هو التصدي للاستعمار، ودعم الحركة الوطنية في بُعدها الديني، والتماسك الاجتماعي، ورفض مظاهر التغريب.
2- خطاب النخب المتعلمة والمثقفة والسياسية التي وظفت التاريخ المصري، والخصوصية الثقافية، والقيم السياسية الغربية في المطالبة بالاستقلال، والدستور معاً، في إطار تطور الحركة القومية.
3- الانتفاضات الوطنية الكبرى المتعددة، من حركة العرابيين إلى قيامة 1919 المجيدة، التي رفعت مطلب الاستقلال والدستور معاً في إطار الوحدة الوطنية.
4- توظيف البرلمان، في طرح خطاب الاستقلال، واحترام الدستور ضد الملك، والمستعمر البريطانى، وأيضا في المفاوضات من أجل الاستقلال.
في بعض الحالات العربية الأخرى، كانت ثقافة المقاومة ضد المستعمر من خلال العمل المسلح، والثقافة والقيم والعقيدة الإسلامية على نحو ما تم في إطار الحركة الوطنية الجزائرية. كان خطاب الحرية، والاستقلال مندمجين، في إطار حركات التحرر من الكولونيالية الغربية، وكانت الخصوصيات الثقافية جزءاً من نسيج بعض خطاب الحرية والاستقلال الوطني.
في إطار الحرب الإسرائيلية على القطاع، والاعتقالات والقتل والتدمير في الضفة الغربية، الممنهجة، تطرح مسألة الدفاع الشرعي لإسرائيل في مواجهة المقاومة، على أساس أن هناك سلطة فلسطينية على الضفة الغربية، وجماعات المقاومة في القطاع، في إطار الحكم الذاتي الانتقالي عقب اتفاقية أوسلو، ويتناسى خطاب الدفاع الشرعي – من المنظور الإسرائيلي والأمريكي والغربي – أن الحكم الذاتي لا يعنى نهاية الاحتلال الإسرائيلي، والكولونيالية الاستيطانية، والحصار والعقاب الجماعي للقطاع وإعاقة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة – خاصة اليمينية والائتلافات مع اليمين الديني المتطرف في الحكومة الحالية – التفاوض من أجل الحل النهائي ، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ومن ثم المقاومة المسلحة من أجل التحرر والاستقلال الوطني عمل مشروع أساساً.
بعضهم صهيونياً، وغربياً وعربياً يعتبرون أن الأيديولوجيا الإسلامية للمقاومة ضد الاحتلال وسياسة الحصار البري والبحري والجوي والاغتيالات، والعقاب الجماعي، هما جماعتان ارهابيتان! ويتناسى أن إسرائيل، والصهيونية والدولة الإسرائيلية، تعتمد على وحدة الديانة اليهودية –لأعراق متعددة الأعراق-، وأنها مصدر هوية جماعية للشعب الإسرائيلي وتشكل مكوناً رئيسياً من خطاب القادة الإسرائيليين والأحزاب السياسية على نحو ما هيمن مؤخراً في توظيف النصوص التوراتية السبعينية في خطابهم، وذلك رغم النظام السياسي الليبرالي على النمط الغربي، وأن وحدة الديانة، ترتكز عليها أطياف الأحزاب السياسية خاصة اليمين الديني العنصري الداعم للتطهير العنصري والإبادة الجماعية ، والدعم المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة الامريكية للحرب !.يعتمد هذا الخطاب على الدين اليهودي سنداً لشرعنة أساطيره الدينية التأويلية التاريخية حول أرض تاريخية متوهمة في فلسطين، ورفض حل الدولتين، ودعم سياسة الاستيطان، وخروج الدولة الإسرائيلية، والنظام السياسي، والجيش على القانون الدولي العام، وقانون الحرب، والدولي الإنساني، كما في الحرب الحالية على قطاع غزة.
يتناسى بعض هؤلاء أن الإسلام – والمسيحية الشرقية – هما مرجعية تاريخية لثقافة المقاومة، وحركات الاستقلال الوطني العربية، وان هناك فارقا بين حماس كسلطة حكم ذات أيديولوجيا دينية في القطاع، وأساس شرعيتها الانتخابات، ويمكن رفضها ومعارضتها سياسيا وأيديولوجيا، وبين حماس كحركة مقاومة للحصار والتهجير القسري، والعقاب الجماعي، والإبادة الجماعية، ومن ثم لها شرعية قانونية، وسياسية، وسند اجتماعي وشعبي واسع في القطاع.
المصدر: الأهرام