خطابات الحرب والمأساة الإنسانية

img

الحروب هي ذروة التراجيديا الإنسانية التاريخية، منذ أقدم العصور حتى عالمنا المعاصر، وتطوراته التقنية، والعلمية، والعسكرية والاقتصادية، وهي تعبير مكثف عن الصراعات الدولية والإقليمية حول المصالح القومية المتصارعة، والأدوار والمكانة في النظامين الدولي والإقليمي، وأيضا في نطاق الحروب الأهلية – القومية العرقية، والدينية والمذهبية، والقبلية، والقومية – والمناطقية، وداخل صراعات السلطة في الدول الشمولية والتسلطية.

الجوانب المأساوية للحروب، تتجلى في عشرات ومئات الملايين من الضحايا والقتلى، والمصابين، وتدمير المباني، والمدن، وأنظمة التسليح والانهيارات الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية للمدنيين، وغياب المأوى، والطعام والماء، والأدوية، والرعاية الصحية، وتدمير المنشآت الطبية.. الخ.

في ظل هذه التراجيديات الإنسانية، وسردياتها المؤلمة لأطرافها، والفاعلين في سياقاتها، تتصارع الخطابات المختلفة، تسويغا، وتبريراً، وشرعنة للحرب من جانب كل أطرافها، سواء على المستويات السياسية، والعسكرية، والقانونية والإعلامية، والإنسانية، وبعض الخطابات الأخرى تتوارى وتهمش في ظل هذه الدراما المؤلمة. يمكن لنا تنميط خطابات الحرب المتصارعة على النحو التالي:

أولاً: الخطاب السياسي: يركز في منطوقه، وبنيته ومرجعيته على الجوانب السياسية، والعسكرية لكل الفواعل السياسية من الدول، وما دون الدولة – حماس، والجهاد الإسلامي، في قطاع غزة، أو حزب الله، أو الحوثيين، أو المليشيات الشيعية في العراق – ويشمل الخطاب السياسي قرارات الحرب، ومن أصدرها، ولماذا؟ وتبريراته لها، وأيضا خطابات الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لكل طرف من حيث المساندة الاستخباراتية، والتسليحية، والاقتصادية، والديبلوماسية – الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا لإسرائيل في الحرب على قطاع غزة – وأيضا تقديم المساعدات الغذائية، والطبية، والمستشفيات الميدانية، والدعم الإعلامي والديبلوماسي في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن والجمعية العامة، وغيرها من المنظمات الدولية، ومساعدة بعض الدول الداعمة لطرفي الصراع، في بلورة أهدافها، وتقديم التصورات السياسية لحلها، وحث بعض الأطراف على إنهاء الحرب، وإدارة عمليات التفاوض، وسيناريوهات الحل للنزاع بين أطرافها ومثالها الحرب على حماس والجهاد الإسلامي.

ثانياً: الخطاب العسكري: الذي يدور حول خطط الحرب الإستراتيجية، والتكتيكية، وأنظمة التسليح لدى كل طرف، ومدى فاعليتها، وتحليل العمليات العسكرية، وأداء كل طرف فيها ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها العملياتية، وتحقيق الردع من كل طرف على الطرف الآخر، وقدرتها على إجباره على الخضوع لإدارة الطرف/الأطراف الأخرى. غالبا هذا الخطاب يعتمد على المصطلحات العسكرية، في بنية الخطاب، ومرجعيته، وعلى أنظمة التسليح، وفعالياتها في مسارات الحرب، وعلى المخزون الاستراتيجي من أنظمة التسليح المختلفة لدى أطراف الحرب، ومدى وفاءها بالأهداف العسكرية، وأشكال المساندة والدعم التسليحي من الدول الحليفة أو الصديقة – أمريكا والدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل على سبيل المثال – وعلى التمويل المالي للحرب.

بعض الخطابات العسكرية تتسم بالجدة في التحليل، وبعضها الآخر يتسم بالانحياز لأحد الأطراف لرفع الروح المعنوية، والتماسك الوطني لشعب كل طرف، ولمؤازرة فرق الجيش الذي ينحاز له هذا الخطاب، أو ذاك. بعضه يتسم بالتحيز السياسي، على نحو ما يطرحه بعض القادة العسكريين والاستخباراتيين الإسرائيليين في الحرب على قطاع غزة، أو بعض القادة العسكريين الأمريكيين والفرنسيين.. إلخ، في هذا الصدد، ومدى قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق أهداف العمليات العسكرية.

ثالثاً: الخطاب الإعلامي التقليدي والرقمي: يعتمد الخطاب الإعلامي التقليدي على تحليل ورصد الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية لوقائع الحرب، وفاعليها، وكيفية إدارة كل طرف لها، وتقديم التصورات المتنازعة حولها، وتبريراتها، وتقييمها من خلال الخبراء والمتخصصين في كل جوانبها، وذلك في الخطاب الإعلامي المكتوب، والمسموع، والمرئي.

تخضع كل وسيلة إعلامية على توجهاتها السياسية، والتحريرية، ولطبيعة النظام السياسي، والثقافة السياسية السائدة في بلادها، ومن ثم تتباين تغطياتها الإعلامية ما بين النظم الليبرالية الغربية وغيرها، وبين النظم الشمولية والتسلطية. في الديمقراطيات الغربية، تتجلى الآراء المتعددة حول الحروب، والنزاعات الدولية، والإقليمية، وتقييمها، وأيضا حرية الصحافة والصحفيين والإعلاميين في نقل ما وراء العلميات العسكرية، ونتائجها على كل طرف، من خلال شبكة مصادر كل صحفي وإعلامي. بعضهم علاقته مع مصادر سياسية، واستخباراتية، وعسكرية وأمنية وبعضهم ينحاز لهذه المصادر، وتوجهاتها – مثال صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية وانحيازها لإسرائيل ضد حماس وغيرها من الصحف والقنوات الفضائية الأمريكية والأوروبية – وبعضها يتسم بالموضوعية والحيدة في تغطية وقائع الحرب.

في النظم الشمولية والتسلطية تنحاز الأجهزة الإعلامية والإيديولوجية إلى الموقف الرسمي من الحرب، وأطرافها.

خطاب وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية – المرئي والمنشورات والتغريدات، والصور على انستجرام، والفيديوهات الطلقة الوجيزة جداً – يتسم بالتعددية واسعة النطاق، والتباين في الآراء، وفي توظيف بعض الدول والأنظمة لهذا الخطاب في هيمنة مواقفها من خلال ما يطلق عليه الكتائب الإلكترونية/الرقمية التي تبرز مواقف السلطة الحاكمة، وقادتها، وتدافع عنهم، وتهاجم بقسوة الآراء المغايرة لها في أثناء الحروب، وغيرها من القضايا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

بعض خطاب وسائل التواصل الاجتماعي في الحرب يوثق لعملياتها وأثارها الإنسانية، والجوانب المأساوية لها من تدمير للمباني، والقتلى والجرحى، والتهجير القسري، وأشكال الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي والمجاعات، ونقص الرعاية الصحية، والدواء والماء والمأوى.. إلخ، على نحو ما يحدث للمدنيين في قطاع غزة.

رابعاً: الخطاب القانوني الدولي: يتناول الجوانب القانونية للنزاعات المسلحة للحروب من حيث دوافع الحرب، ومدى مشروعيتها؛ وهل تمثل لدى بعض أطرافها دفاعاً شرعياً أم عدوان مسلح؟ ومدى احترام أطرافها لقواعد قانون الحرب، والدولي الإنساني، وقرارات الشرعية الدولية على نحو ما حدث في الحروب العربية – الإسرائيلية، وحرب الخليج الأولى، والثانية، والحرب على غزة. هذا الخطاب يتداخل مع الخطابين السياسي، والعسكري، في إبراز مدى احترام المتحاربين لقواعد الشرعية الدولية.

خامساً: الخطاب الإنسانوي: يتناول هذا الخطاب الأبعاد الإنسانية للنزاعات المسلحة، وآثارها الخطيرة والمؤلمة والكارثية على المدنيين من القتلى والجرحى وتدمير المباني الخاصة، والعامة، والمدن، والبنية الأساسية، ويكشف عن الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للعدوان، وممارسات الجيوش إزاء المدنيين، وهل تشكل إبادة جماعية، وتطهير عرقي، وتهجير قسري، وعقاب جماعي على نحو ما يحدث من إسرائيل في قطاع غزة، أو الضفة الغربية. هذا الخطاب يتداخل مع الخطابين السياسي والقانوني حول الحرب. الأهم أنه بات جزءاً من خطاب وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية، وتوظفه الأطراف المعتدية، والمعتدى عليها! ساهم هذا الخطاب في إبراز عدم أخلاقية إسرائيل، والولايات المتحدة وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا أو دعمهم لإسرائيل في عدوانها على القطاع.

في خضم هذه الخطابات المتصارعة حول النزاعات المسلحة غالبا ما يتم تهميش خطاب الآثار السوسيو- نفسية للحرب على المدنيين، والجنود في بعض الأحيان، والأمراض النفسية للأطفال والنساء والمسنين، والمدنيين عموما، والمقاتلين، وأثر ذلك على الذاكرات الفردية والجماعية، لاسيما الأطفال ممن مات ذويهم وأسرهم وعائلاتهم وقطع الأيدي والأرجل، وفقدان البصر، والهزيان، وفقدان النطق وأثر ذلك على نفسية الأطفال، والنساء، والمسنين.. إلخ.

لا شك أن الأمراض السوسيو- نفسية، تبدو مهمشة في خطابات الحروب، لصالح الخطابات الأخرى، وخاصة في ظل مجازر قطاع غزة، وضحاياها، وقتلاها الذين يتزايدون كل ساعة، ويوم من أيام الحرب المستمرة والمأساة النفسية، والاجتماعية، ستظهر أمراضها، أو باثولوجيا الحرب، في اليوم التالي لها، وستكشف مجازرها عن واحدة من أكبر التراجيديات الإنسانية في عصرنا.

المصدر: الأهرام المصرية


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة