الوعي السياسي العربي، والقيم الإنسانية الغربية
الأهرام 14 ديسمبر 2023
منذ مطلع النهضة العربية المغدورة ظل *سؤال لماذا تقدموا؟ ولماذا تخلفنا الذي طرحه شكيب أرسلان، يشاغل العقل العربي للنخب المثقفة، وبعض الحكام، قادة حركات الاستقلال الوطني عن الاستعمار الغربي! كانت ولاتزال القيم الإنسانية والسياسية الغربية ملهمة لبعضهم في الإجابات المختلفة تاريخيا وحتي الآن، علي الرغم من صدمة مجافاة الإدارات الغربية لهذه القيم تجاه انتهاكات إسرائيل لها، ودعمهم لها في الحرب ضد قطاع غزة ومجازرها البشعة! هل يستمر هذا الإيمان بالقيم الغربية الإنسانية في اليوم التالي في ظل عدم احترام آية قيم أخلاقية تجاه المدنيين في القطاع؟ لابد من نظرة طائر علي تاريخية الوعي العربي بهذه القيم أولاً، وثانياً مستقبل احترامها في اليوم التالي بعد وقف الحرب عربياً، وذلك علي النحو التالي:
أولاً: تطور الوعي العربي بالقيم الانسانية الغربية
كانت غالب إجابات، النخب المثقفة، تبحث في أسباب التطور الحضاري/الثقافي، والعلمي، والاقتصادي والاجتماعي الغربي حول النموذج الأوروبي، لاسيما الفرنسي، والبريطاني، ومرجع ذلك أن البعثات الأجنبية للطلاب، تمركزت حول المؤسسات التعليمية الجامعية الفرنسية، والبريطانية. بعض الوعي السلطوي بهذا النموذج كان سباقا لدى الوالي محمد علي، والخديوي إسماعيل باشا، وركز كليهما على مشروع التحديث السلطوي للقيم، وبناء المؤسسات العامة، وتكوين جهاز بيروقراطي حديث، وأيضا أحداث تغيير في الهندسة القانونية والإدارية من خلال بعض التعديلات على الموروث القانوني، والعرفي الذي كان سائداً قبل وصوله إلى الحكم. مع إسماعيل باشا ازدادت البعثات إلى فرنسا، وقام بنقلة نوعية في الاستعارات القانونية من المرجع الأوروبي – الإيطالي والفرنسي – من خلال الدور الذي لعبه مانوري المحامي السكندري في إعداد قوانين المحاكم المختلفة -28 يوليو 187- كان بعض الوعي السلطوي بأهمية، بناء الدولة على المثال الأوروبي، وفي ذات الوقت وضع بعض التمرينات الدستورية الأولية المجسدة لبعض القيم القانونية الحداثية، أولها الأمر السلطاني في 27 نوفمبر 1824 الذي وضع بعض من الخطوط العامة للحكم، وأسس المجلس العالي، وطرق إدارة مناقشاته، وقانون ترتيب المجلس العالي 1833، ثم قانون السياستنامة في يوليو 1833، ثم لائحة مجلس شورى القوانين في عهد إسماعيل في 22 أكتوبر 1866، ثم” دستور” 1879 في أواخر عهد إسماعيل باشا، ثم دستور 1882 في عهد الخديوي توفيق كأحد آثار الحركة الوطنية العرابية، وبعدها أول دستور مصري متكامل 1923، على أثر الانتفاضة الوطنية العظمى عام 1919، ثم الانقلاب الدستوري 1940 في عهد إسماعيل صدقي باشا! والعودة لدستور 1923.
في تونس صدر أول دستور 1861، الذي أسس لمجموعة من المبادئ الدستورية والإدارية في عهد محمد الصادق باي (1859)، وذلك دلالة علي بعض من الوعي بالقيم القانونية الغربية، وبدأ العمل بأحكامه في 26 أبريل 1861، وتأسيس المجلس الأكبر المكون من 60 عضوا يتم تعيينهم لمدة 5 سنوات، وتم فرض الحماية الفرنسية على تونس 1881، وانتهت في 1956.
كان السعي لوضع هذه التجارب الأولية والبسيطة للدساتير، محض تمرينات وبعض من الوعي السياسي، لإستلهام القيم والقواعد الدستورية لدولة القانون على النسق الغربي، وتعبيراً عن وعي جزئي من بعض الحكام بأن الخروج من دائرة التخلف التاريخي المصري، والتونسي، يكمن في استلهام بعض القيم السياسية والدستورية، والقانونية الغربية. تكرس هذا الوعي مع حركة البعثات في مصر وأيضا تونس حتى الاستقلال، ونشأة الجامعات في مصر، والصحف، وتطور المدن الكوزموبوليتانية، وثقافتها في القاهرة، والإسكندرية، والمنصورة، وبعض حواضر المدن، والتفاعلات بين المكونات الثقافية بين المتمصرين والأجانب والمصريين. الأهم هو تشكل نخبة مدنية من المثقفين، والجدل العام حول ضرورة الاستقلال الوطني، والدستور معا في إطار الحركة القومية الدستورية، وتبلور مفهوم الأمة المصرية، ومبدأ مصر للمصريين بدءاً من العرابيين حتى حركة 1919 الوطنية الكبرى، والحياة شبه الليبرالية حول المدن الكبرى والانفتاح النسبي علي الفكر الأوروبي، مع تشكل جماعة المحامين، والقضاة، وفئة الأفندية، وحركة الأحزاب السياسية لاسيما، حزبي الوفد، والأحرار الدستوريين.
من هنا كان الوعي الدستوري والقانوني حول دولة القانون، ومفهوم الأمة، مدخلا للنخبة القانونية -والسياسية- لتبني بعض أو غالب القيم الغربية الثقافية والسياسية والأخلاقية الغربية في مواجهة وعي سلطوي لأسرة محمد عمل علي وضع عراقيل إزاء النخبة الوطنية المصريةً واحزابها السياسية، والقيود علي الحكومات المنتخبة والأنتخابات العامة. ظلت النخب الثقافية، وكبار المفكرين تدور في إطار الثنائيات المتضادة -التقدم والتخلف، والأصالة والمعاصرة، الإسلام والحداثة -، في مناورات مع التراث الديني والتأويلي التاريخي حول نظام الشريعة الإسلامية، وانماط التدين الوضعي السائدة في المجتمع لاسيما في الأرياف.
في ظل الحكم الاستعماري البريطاني، ظهرت نخبة الفكر النقلي المضاد للقيم الإنسانية والسياسية الغربية مع ظهور الجمعية الشرعية على 1913، وأنصار السنة 1926، ثم جماعة الإخوان المسلمين – نهاية عام 1927 /1928 – في مواجهة النزعات التغريبية، وتأكيد على الهوية الإسلامية للأمة المصرية بدعم من بريطانيا. هذه الاتجاهات السلفية والإخوان المسلمين، كانت ترفض النموذج شبه الليبرالي السياسي والثقافي والاجتماعي، والثقافة والقيم الغربية، ولا تزال إلى الآن، على الرغم بعض من تطوراتها التاريخية والإيديولوجية السياسية، ومناوراتها، وتعاونها مع السلطة بين الحين والآخر، والمصادمات العديدة معها.
في ظل نظام يوليو 1952، حدثت بعض التغيرات حول القيم السياسية الغربية، لكن ظلت فوائض المرحلة شبه الليبرالية حول القيم الإنسانية والسياسية والقانونية ظلت مستمرة، حتى مع بعض التوجهات العروبية الشعبوية حول الاشتراكية العربية، ثم التحول إلى نمط من السلطوية الأمنية، ثم مع التحول إلى نموذج الانفتاح الاقتصادي، وسياسة إعادة التكيف، والإصلاح الاقتصادي، والنيوليبرالية الاقتصادية، وإلى الآن. ظل النموذج الغربي، وقيمه السياسية والأخلاقية ومفاهيم الحرية، والمساواة، والعدالة، والأخوة الإنسانية مسيطراً رغم الضعف الشديد، وهشاشة المعارضات السياسية، التي تفتقر إلى قواعد اجتماعية، وروئ سياسية متجددة ذات صلة بالواقع الموضوعي، والعالم المتغير.
ثانياً: الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وانتهاك الأطر الأخلاقية الغربية
في ظل صدمة طوفان الأقصى، وعملية السيوف الحديدية الإسرائيلية، وانهيار التزام الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وايطاليا، بالقيم الغربية، وانتهاك إسرائيل الشامل لها، من خلال القتل للمدنيين من الأطفال والنساء، وكبار السن، والحصار والعقاب الجماعي، وضرب المستشفيات وافراغ بعضها من المرضي، وشبه المجاعة، ونقص الغذاء والدواء، والماء. والتهجير القسري، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، ومخاطر محدقة حول انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وموت المصابين بلا علاج، او عمليات جراحية.. الخ، وخروج إسرائيل السافر على قوانين الحرب، والدولي الإنساني، والدولي العام. بدأ الشك يسود بعض من القطاعات الاجتماعية في المنطقة العربية حول مدي جدية وأخلاقيات هذه القيم ومحمولاتها؟ وخاصة خارج المجتمعات الغربية وإزاء الإنسان غير الغربي؟!. سوف تحاول التيارات الإسلاموية المتطرفة توظيف ذلك، وإعادة خطابها القدحي ضد هذه القيم الغربية وسط غالب المواطنين والقطاعات الشعبية الواسعة في خطابها التقليدي، المعمم حول القيم الإنسانية الغربية، في سياستها الدينية أيا كانت نتائج الحرب.
إشاعة خطاب التطرف المناهض للقيم الإنسانية يبدو مرجحاً، ومعه بعض التيارات الأقلوية الحزبية الأخرى. ان إمعان النظر في هذه النظرات السياسية الدينية، وغيرها، تشير إلى أنها محض تعميمات بسيطة، وسطحية، لأن الغرب ليس واحداً، إزاء السقوط الأخلاقي لإسرائيل، والإدارات الأمريكية والبريطانية، والألمانية، والفرنسية والإيطالية، وخاصة من نمط السياسيين الذي تشكل ما بعد الحرب الباردة، وهشاشة خبراتهم السياسية، ورؤاهم إزاء المشاكل الدولية، وتجاه الاتجاهات الشعبوية، واليمينية، والمتطرفة، وأيضا لشيوع سياسة ما بعد الحقيقة سياسياً، وإعلامياً، وتأثيرها على بعضهم! وأيضا الأجهزة الإعلامية التقليدية. هناك أيضا قادة سياسيين ودول رفضت سياسة الإبادة الجماعية، وغيرها من جرائم الحرب والقانون الدولي الإنساني مثل إسبانيا، وبلجيكا، وأيضا أيرلندا.
من ناحية أخرى، تشكل التظاهرات الكبرى في عالمنا، تعبيرا عن رفض بعض القطاعات الاجتماعية والجمعيات، لسياسة الإبادة، والمجازر الإسرائيلية، والحصار والعقاب الجماعي للمدنيين، وهو ما يبدو في مظاهرات بريطانيا، وفرنسا، وأمريكا، وكندا، وبلجيكا، وإسبانيا والدانمارك، وبولندا، واسطنبول، والمغرب، والأردن.. الخ.
أن رفض بعض الأجيال الجديدة للسياسة الإسرائيلية العدوانية، هو تعبير هام عن الانتصار للقيم الإنسانية، ورفض انتهاكاتها الوحشية. لا شك أن الفضاءات الرقمية لوسائل الاتصال الاجتماعي، أدت إلى انتصار هذه القيم الإنسانية والقانونية والحقوقية الدولية، لدى بعض الشباب وكبار السن في المجتمعات الغربية. من هنا يبدو خطاب جحد القيم الإنسانية، والثقافية الغربية من قبل بعض المتطرفين من الجماعات الدينية، وبعض المثقفين والإعلاميين البسطاء والسطحيين لا يستند إلى الواقع الموضوعي، ويشكل خلطاً بين السياسات الرسمية للإدارات السياسية في أمريكا، وبعض دول المجموعة الأوروبية، وبريطانيا! وبين بعض الجماعات داخل المجتمعات المدنية، وغيرهم في هذه البلدان التي ترفض مواقف قادة بلدانهم الرسميين وحكوماتهم!
لا شك أن هذه الاتجاهات الإنسانوية التي ترفع القيم الإنسانية، والرافضة لانتهاكات إسرائيل السافرة، ووحشيتها إزاء المدنيين سوف تؤثر في السنوات والعقود القادمة على العمليات الانتخابية في بعض هذه الدول الكبرى، وأيضا على النزعة الشعبوية اليمينية، وأيضا على أسئلة ما بعد الحرب الوجودية داخل المجتمع، والنظام السياسي الإسرائيلي، والأساطير التوراتية لليمين الديني المتطرف، واليمين عموماً، على الرغم من احتمالات استمراريته، وتأثيره ما بعد صدمة طوفان الأقصى، والمرجح أيضا طرح أسئلة عديدة على قادة حماس، وقواعدها الاجتماعية، وربما على أيديولوجيتها السياسية الإسلاموية، بعد أن تضع الحرب أوزارها! حول مدي دقة حساباتها أو جدواها وأهدافها، وعلي حياة المدنيين والقتلى والجرحى، وتدمير مدن ومخيمات القطاع!.
لابد من بناء الجسور والحوار مع دعاة الحرية في عالمنا في الغرب المتعدد، وخارجه في جنوب العالم لدعم قضايانا وعلى رأسها المسألة الفلسطينية التى عادت مجدداً إلى قائمة أعمال الإقليم، وبعض دول العالم الكبرى.