العقل السياسي العربي، واللغة القانونية الدولية

img

الأهرام – الخميس 7 ديسمبر 2023

في المواجهات العسكرية كافة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية – في قطاع غزة أو الضفة الغربية – يثور سؤال شائع بين السياسيين، والمواطنين العاديين في المنطقة ما جدوى، وإلزامية القانون الدولي العام، وقانون الحرب، والقانون الدولي الإنساني؟.

لماذا لا تطبق إسرائيل، والدول الكبرى في النظام الدولي قواعد الشرعية الدولية، بل وتننتهكها، وخاصة الأحكام الخاصة بحماية المدنيين، وممتلكاتهم أثناء القتال، والاعتداء على المستشفيات، ومراكز الخدمة الطبية، والحصار والعقاب الجماعي والإبادة الجماعية. والتهجير القسري؟ السؤال في أحد صياغاته قديم، وكان يثار ما قبل القانون الدولي القائم وما قبل عصبة الأمم؟

في الماضي كانت الحروب، والدول المتحاربة لا تؤمن سوى بمنطق القوة، ومصالحها في التوسع، والتمدد بل واحتلال الدول الأخرى، وضمها إلى إقليم الدولة الأقوى. كانت هناك نظرية الحرب العادلة، وفق القديس أوغسطين، إلا أن هذه النظرة غالبا، ما كان لا يلتزم بها أحد في الحروب، وخاصة الدول القوية عسكرياً.

في القانون الدولي القديم، حتى الحرب العالمية الأولي، كانت الضوابط القانونية على استخدام القوة، محدودة وجزئية، وهامشية، وغالبا ما كانت تنتهك.

مع تطور الحياة الدولية، والمجتمع الدولي، وأشخاص القانون الدولي العام – الدول، والمنظمات الدولية أساساً – تطور القانون الدولي العام، وقانون الحرب، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولين الملحقين بهما. على نحو أدى إلى اتساع قواعده من خلال الاتفاقيات الدولية الجماعية، وميثاق الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، واتفاقية جنيف لقانون المعاهدات الدولية، وميثاق وأجيال حركة حقوق الإنسان، ثم الاتفاقيات الخاصة بحماية البيئة من الاحتباس الحراري وغيرها. من ناحية أخرى، اتساع أشخاص القانون الدولي العام من الدول حديثة الاستقلال ما بعد الكولونيالية، وأيضا ازدياد أعداد المنظمات الإقليمية النشاط، وغيرها.

نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2) الفقرة (3) على أن يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر والفقرة الرابعة من المادة الثانية ذهبت إلى أن “يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق “ومقاصد” الأمم المتحدة”، ونص الميثاق أيضا على حق تقرير المصير وتنص المادة (55) فقرة (3) على أن “يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلا”، وذلك تفريقا عن نص المادة الأولى الفقرة الثانية التي ذهبت إلى “إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.

وتنص المادة (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها.

إن حق تقرير المصير ذو أهمية خاصة، لأن تحقيقه هو شرط أساسي للضمانة الفعلية والاحترام الفعلي لحقوق الإنسان الفردية، ولتعزيز هذه الحقوق وتقويتها.

كل هذه النصوص، ومعها اتفاقيات جنيف والرابعة على وجه الخصوص، ومع ذلك لا تأبه إسرائيل، وأمريكا وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا ودول آخري في بعض الأحيان والحالات!..الخ بالقانون الدولي العام، وقانون الحرب، واتفاقيات جنيف الأربعة؟

هل ذلك يعني أن القوة لا تزال هي التي تحكم المجتمع الدولي، والحياة الدولية، وأشخاص القانون الدولي العام؟

من الصعوبة بمكان القول أن محضُ القوة العسكرية والتقنية والاقتصادية هي الحاكمة للحياة الدولية، إذ مع تنامي قواعد القانون الدولي العام، والاتفاقيات الدولية الجماعية يتزايد حضور القانون الدولي بشكل عام، على الرغم من محاولات بعض القوى الكبرى، إعادة تشكيل النظام الدولي في ضوء صراعاتها، ومنافساتها الدولية، مع بعض التراجع النسبي في موقع الإمبراطورية الأمريكية، على قمة النظام الدولي في أعقاب نهاية الحرب الباردة، وتفوقها التكنولوجي، والعلمي، والعسكري، والاقتصادي، ونفوذها في أقاليم العالم الجيو – سياسية، وهو ما برز في أعقاب الحروب التي خاضتها، واحتلال العراق، وانسحابها من أفغانستان. في ظل صعود الصين اقتصاديا وتقنينا وعسكريا، وروسيا، وعدم قدرة ثورة أوكرانيا على مواجهتها، رغم الدعم الأمريكي لها، ومعها حلف الناتو.

الحالة الإسرائيلية، تبدو واحدة من الحالات الأستثنائية التي لا تبالي بالقانون الدولي العام، وقرارات الشرعية الدولية منذ القرار 242، والقرارات المتممة، والمكملة له، بخصوص الأراضي التي تم احتلالها بعد عدوان 5 يونيو 1967، ولا يزال احتلالها للأراضي الفلسطينية قائما، مع الجولان في سوريا وشبعا في لبنان. اللا مبالاة الإسرائيلية، مرجعها عديد الأسباب يمكن إيراد بعضها فيما يلي:

1- الميثولوجيا الدينية التوراتية الوضعية وأثرها على العقل السياسي الإسرائيلي، وخاصة اليمين، واليمين الديني المتطرف في الحكم والمعارضة والذي تسيطر عليه الرؤيا التوراتية حول أرض الميعاد !، والأخطر أن هذه التصورات الميثولوجية، هي جزء من نظام التنشئة الاجتماعية، والدينية، والتعليمية في المجتمع الإسرائيلي.

2- نشأة إسرائيل في المنطقة كنمط من الكولونيالية الاستيطانية، بمساعدة بريطانيا، والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، كي تلعب دوراً وظيفياً في خدمة المصالح الأمريكية والغربية.

3- اعتمدت الدولة الإسرائيلية منذ إنشاءها على إنماء القدرات العسكرية وتطويرها، والدعم الأمريكي والبريطاني، والفرنسي لها، عسكرياً، وعلميا، وأيضاً اقتصادياً.

4- القوة العسكرية الإسرائيلية قبل 5 يونيو 1967 وإلى الآن، هي المسيطرة على العقل السياسي، وهي تعتمد على تفوقها العسكري والعلمي على دول الدائرة البؤرية للصراع، ودائرة الطوق، وعلى قدرتها العسكرية على إدارة الحرب في أكثر من دولة في ذات الوقت. ثمة ايضا التداخل بين العسكريين، وبين الطبقة السياسية الإسرائيلية، على نحو جعل القوة العسكرية وعلى رأسها قبعة الهالكاه، هي أيقونة الدولة والطبقة السياسية والمجتمع، وذلك إزاء الجوييم أو الأغيار.

5- اعتماد الردع للقوة العسكرية الإسرائيلية الفائقة على التدمير الواسع النطاق للمدن، وأعداد القتلى، واللامبالاة بأية قيود أو ضوابط للقانون الدولي، أو للقيم الأخلاقية أو الإنسانية.

6- الدعم المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة، وبريطانيا وأوروبا لإسرائيل، سياسيا، وديبلوماسيا، وفي المنظمات الدولية، والأهم في أجهزة الإعلام التقليدي الغربية التلفازية والمسموعة والمقروءة.

من هنا تكمن أسباب، ومحفزات غرور القوة الإسرائيلية وغطرستها، ولا مبالاتها بالقانون الدولي العام، وأيضا بالقرارات الدولية الخاصة بالأراضي الفلسطينية، والسورية، واللبنانية المحتلة بعد 5 يونيو 1967. بعض الدول فائقة القوة لا تعتمد في بعض الأحيان على احترام القانون الدولي العام، وذلك من خلال تأويلاتها لنصوصه، وأحكامه، على نحو ما فعلت الولايات المتحدة، في فيتنام، وفي غزو العراق وأفغانستان، وتفسيرها لمبدأ الدفاع الشرعي بخصوص حرب إسرائيل على غزة على نحو ما قال الرئيس جو بايدن، ووزير خارجيته بلينكن، وغيرهم.

لا تزال القوة العسكرية الفائقة، تقف وراء بعض انتهاكات القانون الدولي العام، ومعها السرديات التأويلية، والتفسيرية لنصوصه وأحكامه ومبادئه الأساسية، واتفاقياته الدولية!

 أن التشكيك، في القانون الدولي العام، لا يزل شائعاً لدى بعضهم في المنطقة العربية، وهو أمر ناتج عن ضحالة الثقافة السياسية، والقانونية، والميلُ إلى إطلاق الأحكام العامة المرسلة في كل المشكلات، والأزمات الإقليمية، والسياسات الدولية والداخلية، دون معلومات أو معرفة أو تحليل.

أن غالب المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين المدنيين في أمريكا وأوروبا، وبعض دول العالم، يرفع المتظاهرون شعارات مستمدة من أحكام القانون الدولي الإنساني، وقانون الحرب، وهي ظاهرة كاشفة عن بعض الشروخ في التأييد الغربي لإسرائيل، وفي ذات الوقت لاتزال القيم الإنسانية العابرة للثقافات والأعراق والقوميات والأديان والمذاهب تجد ظلاً لدى بعض الأجيال الشابة في الغرب.

من ناحية ثانية: أن الخطاب الفلسطيني السياسي للنخبة السياسية، وحماس والجهاد الإسلامي، والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، يرتكز على القانون الدولي الإنساني، وقانون الحرب، في الوصف والتكييف القانوني للجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ولم يقتصر ذلك على النخبة والفصائل، وإنما بات لغة العاديين من المدنيين في قطاع غزة، والضفة الغربية.

من ناحية ثالثة: الخطاب السياسي العربي الرسمي يعتمد أساساً على القانون الدولي الإنساني في مواجهة الخطاب الإسرائيلي، والأمريكي والبريطاني والألماني، والإيطالي، والفرنسي، وخطاب الإعلام الغربي التقليدي في عمومه.

أن الحرب على قطاع غزة، والجرائم الإسرائيلية، شكلت خروجا على القانون الدولي العام، إلا أنها في ذات الوقت إعادت إلى المشاهد العالمية، حضور هذه القوانين الدولية، فضلا عن حل الدولتين، بقطع النظر عن نتائج ومآلات الحرب العدوانية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والضفة الغربية. ثمة حاجة ملحة لمخاطبة الاتجاهات السياسية المستنيرة غربيا، وأيضا جنوب العالم، من خلال اللغة القانونية والسياسية الدولية، وليس من خلال اللغة الإيديولوجية الشعبوية الدينية، والعرقية التي تعود إلى ما قبل وبعد الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، التي ساهمت في عزلة العقل السياسي العربي عن مخاطبة العالم باللغة القانونية الدولية.


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة