خطاب الحرب من القرن العشرين إلى السيوف الحديدية

img

من قلب الحروب الدامية، وجحيم النيران، والقصف الجوي وانهمار الصواريخ، ودمار المباني، ورهاب الموت المحلق فوق رؤوس الجنود والضباط، والمدنيين، تنطلق ما يمكن أن نطلق عليه «الحرب اللغوية»، وعتادها – المفردات والمجازات التي يستخدمها القادة – السياسيون، والعسكريون – في خطابات متصارعة بين أطراف القتال. خطابات القادة العسكريين، تبدو مكثفة، وتبريرية في عديد الأحيان، وتدور حول شحذ الروح القتالية للجيوش التي يقودونها، ودعم الضباط والجنود، وحثهم على القتال حتى النصر، وذلك في توظيف الروح الوطنية لبلادهم، وبعض من إنجازاتها، الحضارية، وتاريخها! خطابات تتسم بالمفردات الصارمة، والانضباط اللغوي احيانا، وعدم الانخراط في اللغة والخطاب السياسي، المتروكة للقادة السياسيين أصحاب قرار، وإدارة الحرب. الخطابات السياسية للقادة السياسيين، يبدو بها بعض التمايز النسبي عن الخطاب العسكري، لأنه يغلب عليها مخاطبة الأمة/الشعب الذي يقف داعما لجيوشه في الحروب، وتسعى إلى ترسيخ الاندماج الوطني، بين مكونات الشعب، وإذكاء الروح القومية، والوعد بالنصر في ميادين القتال. ثمة ميل عارم إلى المناورات السياسية، مع القادة السياسيين الخصوم في الحرب! والنزوع إلى محاولة تعبئة الرأي العام الإقليمي، والدولي، وراء خطابه وقواته المسلحة في ميادين القتال.

من ناحية أخرى يستهدف خطاب السياسيين في هذه السياقات المشتعلة إلى تبرير دخول بلادهم الحرب، وأيضا إلى التركيز على المشروعية السياسية لقرار الحرب، وإنها حرب مشروعة وعادلة، ومن ثم يستندون إلى قواعد القانون الدولي العام، وقانون الحرب، وأن قواتهم في الميادين، وفي داخل مدن الدول العدوة تلتزم بقواعد القانون الدولي الإنساني، في معاملة المدنيين، ومع الأسرى…الخ!

الخطاب السياسي في الحروب، تبدو اللغة المسيطرة لدى بعضهم انطباعية، ومحمولة على الحماسية، والعواطف، وتجييش المشاعر الجماعية، وشحذ الذاكرة الجماعية للشعب/ الأمة بتاريخها، وانتصاراتها السابقة في الحروب التي خاضتها ضد أعدائها. من هنا تنطلق على ألسنة القادة بعض، أو غالب المفردات غير المنضبطة، وأحيانا التناقضات وعدم الاتساق، والتكامل في بنية الخطاب السياسي حول الحرب والعمليات العسكرية المشتعلة في ميادين القتال!

الوعد بالنصر في الحرب، يمثلُ مركز الخطاب السياسي، خاصة في المراحل الأولى للقتال، وخاصة إذا كانت القوات المسلحة لبعضهم قد حققت بعضا من الإنجازات الجزئية، من مثيل احتلال مدينة، أو منطقة استراتيجية، أو تدمير أسلحة مثل المدرعات، والدبابات وقواعد للصواريخ، أو إسقاط طائرات معادية من خلال الدفاع الجوي، أو في معركة جوية، أو تدمير قواعد للصواريخ.. الخ. الخطاب السياسي هنا مترع بالمفردات، والمجازات وبلاغة التبشير بالنصر، سعيا وراء تماسك الجبهة الداخلية، وشحذُ همم الضباط والجنود في أوقات الحرب المشتعلة.

بعض الخطاب السياسي للزعامات السياسية، التي واجه جيشها الإخفاق، أو بعض في ميادين القتال، غالباً ما ينطلق الخطاب حاملا، مفردات المقاومة، والصمود، وضرورة القتال حتى آخر جندي، وأن إرادة الشعب والجيش لن تنكسر، وأنها صلبة، وستظل صامدة في الحرب!. هذا الخطاب السياسي، ينطوي على التبرير، وغالبا ما يلجأ إلى نظرية المؤامرة الدولية، واسنادها إلى القوى والدول المساندة للدول أو الدولة التي تبدو منتصرة في المعارك العسكرية.. إلخ.

ثمة تباينات في إنتاج الخطاب السياسي بين مستوى ثقافة، وتكوين السياسي، ورأسماله الخبراتي في العمل السياسي، والعلاقات الدولية، وهو ما يظهره خطاب الحروب، وخطاب الأزمات السياسية الكبرى. يبدو هذا التباين، بين السياسيين في أثناء الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، وبين سياسيي الحرب الباردة، وما بعدها! الملاحظ أن خطاب الزعماء الغربيين لدول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل، والأمريكيين فرانكلين روزفلت وبعده هاري ترومان- الذي أمر بإطلاق القنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي في أغسطس عام 1945، وأشرف على نهاية الحرب، واستسلام ألمانيا، واليابان والسوفييتي جوزيف ستالين، كان خطابهم السياسي مميزا وناتجا عن خبرات سياسية، وكان على رأسهم تشرشل، وخطابه الذى يتسم بالرصانة السياسية، وعمق المحتوى- حصل على نوبل في الأدب في 10 ديسمبر عام 1953- على الرغم من طابعه المفعم بالحماسة، وأيضا شخصيته الكاريزمية الساحرة.

في مواجهة هذا الخطاب، كان الخطاب الهتلري العنصري، ومعه موسوليني الشعبوي الإيطالي، والإمبراطور الياباني هيروهيتو. كانت خطابات هتلر النازية تتسم بالانفلات، والعفوية، والشحن للأمة الألمانية، وخاصة في عدائه لليهود، والمحرقة المضادة لكل القيم الإنسانية، ومعه خطاب الفاشية لموسوليني، وكلاهما هزم في الحرب العالمية الثانية!.

في عالم الحرب الباردة، ظهرت عديد الأزمات الكبرى التي كشفت عن خبرات السياسيين في النظام الدولي مثل حصار برلين 1948-1949، والحرب الكورية 1950-1953 وأزمة برلين 1961، وحرب فيتنام 1956-1975، وأزمة الصواريخ الكوبية، والغزو السوفييتي لأفغانستان 24/12/1979. برز نمط من السياسيين ذوي الخبرة، والقدرات السياسية مثل خورتشوف، وداويت إيزنهاور، ومعه وزير خارجيته جون فوستر دالاس- (1953-1959)، وجورج مارشال، ودين اتشيسون، ودورهم البارز في مشروع مارشال، وحلف شمال الأطلنطي. اتسم خطاب هؤلاء السياسيين بحروب الخطاب السياسي، مع القدرة على إدارة الأزمات السياسية، وصناعة السياسات المضادة لتمدد الإمبراطورية الفلسفية والسياسية الشيوعية في العالم، خاصة تمدد أيديولوجيتها في أوساط بعض من قادة جنوب العالم، وحركات التحرر الوطني في مواجهة الكولونيالياتية الأوروبية، وما بعدها.

لا شك في أن خبرات الحروب الساخنة، والباردة أعطت هؤلاء السياسيين ميراثاً خبراتياً تراكمياً، يختلف عن نمط السياسيين ما بعد الحرب الباردة.

في إطار الصراع العربي – الإسرائيلي، كان الخطاب السياسي مترعا بالحماسة اللفظية، وموجها لشعوب منطقة الدائرة البؤرية للصراع، وأيضا سياسيو الدوائر الأخرى، لأن المسألة الفلسطينية كانت جزءا من مصادر شرعية هذه الدول- سوريا والعراق، ومع التسوية السياسية بين مصر وإسرائيل، والأردن وإسرائيل تحول الخطاب السياسي إلى الدعوة للسلام، وضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة ما بعد 5 يونيو1967، وقرارات الأمم المتحدة.

خطاب الحرب الإسرائيلي ذو النزعة التأويلية التوراتية الدينية محملُ ببعض من اللغة الدينية، مثل خطاب نيتانياهو، ووزراء اليمين الدينيي المتطرف، على نحو ما صرح به عميحاي إلياهو وزير التراث إسقاط قنبلة نووية على غزة، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش الداعي إلى الطرد الجماعي، والتطهير العرقي وقوله إن إجلاء سكان غزة هو الحل الإنساني الصحيح لهم! ووصف يوآف جالانت وزير الدفاع للفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية!.

ثمة أوصاف أخرى داعمة لخطاب الحرب الإسرائيلي العنصري مثل قول جو بايدن تأكيده لدعمه لإسرائيل أمام ما وصفه بالشر المطلق وأن ثمة لحظات في هذه الحياة، وأعني ذلك حرفيا، عندما يطلق، العنان لشر مطلق على هذا العالم، هذا العمل شر مطلق على عملية «طوفان الأقصى»، على نحو جسد لغة وقيم متطرفي المسيحية الصهيونية إزاء الأغيار/الفلسطينيين.

خطابات تتسم بالعنصرية، والتطهير العرقي، وتبرير الإبادة الجماعية، وقتل الأطفال والنساء والمسنين، من المدنيين، وتحويل مدن القطاع إلى دمار، وحطام! إنها خطابات الحرب الانفعالية التي تفتقر إلى القيم الإنسانية العليا، والإيمان بالشرعية الدولية، والتي تعبر عن حالة من لغة الشيخوخة لدى بايدن، والافتقار إلى الرأسمالي السياسي، والخبراتي، لدى غالب القادة الإسرائيليين، المؤمنين بغطرسة القوة، وكراهية الآخر/الفلسطيني، والعربي، والتحلل من السياجات القانونية الدولية، خطابات كاشفة عن لغة العنف والاستعلاء العنصري.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة