حول عملية طوفان الأقصى

img

لا يمكن للمرء ألا يتملكه الإعجاب بذلك التخطيط المتقن لعملية طوفان الأقصى، وذلك التنفيذ الجريء والشجاع أيضا، كما لا يمكن تجاهل مدى الغطرسة والاضطهاد للشعب الفلسطيني المنفلتين اللذين وسما الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة خاصة اليمينية الحالية، وكيف جرى التنكر تماماً لاتفاق أوسلو ولأبسط الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني وتبني استراتيجية تهويد للضفة الغربية، تلك السياسة التي وضعت ظهر الشعب الفلسطيني إلى الحائط في ظل تجاهل النظام الدولي تجاهلا لم يسبق له مثيل لوضع الشعب الفلسطيني والممارسات العنصرية الإسرائيلية،هذا التجاهل الذي تم تفسيره في اسرائ يل باعتباره ضوءا أخضر للمضي قدما في سياسة الاستيطان والحصار والتضييق على الشعب الفلسطيني.

جاءت عملية طوفان الأقصى كرد على سياسة الحكومة الاسرائيلية وتجاهل النظام الدولي لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو رد أشبه ما يكون بالانفجار منه بأي شيء آخر.

لا يمكن ألا يتضامن المرء مع الشعب الفلسطيني المهدد بوجوده ومستقبله بوجه سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي والتمييز العنصري، ولا يمكن لوم هذا الشعب في مقاومته لتلك السياسات.

مع ذلك فهناك بعض الملاحظات التي لابد من التوقف عندها قيما يتعلق بعملية طوفان الأقصى.

وأول تلك الملاحظات هي: هل خططت القيادة الفلسطينية في غزة لما بعد تلك العملية؟

كل الدلائل تشير إلى أن الحكومة الاسرائيلية اليمينة قد شعرت بالإهانة البالغة وهالها حجم الخسائر والمفاجأة التي لم يسبق لها مثيل، وبالتالي فهناك احتمال كبير في شن حرب برية وجوية ضد قطاع غزة بهدف احتلاله وإنهاء وضع حماس بصورة تامة، فهل وضعت القيادة الفلسطينية ذلك الاحتمال بالاعتبار؟

وماذا عن حماية السكان المدنيين في غزة من القصف وتأمين متطلبات حياتهم مقابل رد الفعل الاسرائيلي المحتم على العملية، من الواضح وجود تقصير كبير في تأمين الملاجئ وخطط إخلاء الأماكن التي تستهدف بالقصف وتأمين الكادر الصحي والمستشفيات وأجهزة الاسعاف والدفاع المدني بما لا يتناسب مع التقدم في إعداد الخطط والتجهيزات الحربية والتدريبات المكثفة التي أظهرتها المعركة؟

وثاني تلك الملاحظات هي تلك الممارسات السيئة البعيدة عن الروح الإسلامية – العربية والروح الحضارية التي تم التقاطها بسرعة في وسائل الإعلام الدولية التي هي بالأصل تميل باستمرار لصالح الدعاية الاسرائيلية.

فماذا يعني القبض على نساء عجائز لاتخاذهن أسيرات؟ وكيف سمحت حماس لمقاتليها تجريد إحدى النساء من لباسها وسحب جثتها تحت الكاميرات وعلى شاحنة مكشوفة للجميع؟

فللقتال أيضا أخلاقه التي ينبغي أن يعرفها ويلتزم بها المقاتلون، كيلا يتم تشويه الأهداف النبيلة بالممارسات المرفوضة.

وأخيرا فإن النفوذ الإيراني الذي اخترق القيادة الفلسطينية في غزة ودفعها بعيدا لتدور في فلك السياسة الإيرانية في المنطقة التي تلعب دوراً تفكيكياً للمجتمعات العربية وتبث الطائفية وتقف بوجه حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، ذلك النفوذ المعلن لا يمكن إلا أن يدفع المرء للحذر من توظيف أي معركة مواجهة مثل معركة طوفان الأقصى توظيفاً سياسياً لا يراعي مصالح الشعب الفلسطيني بقدر ما يخدم أجندات السياسة الإيرانية الإمبراطورية التوسعية في المنطقة.

ولا يمنع ذلك من التضامن بصورة تامة مع الشعب الفلسطيني في كفاحه المشروع لنيل حقوقه الإنسانية والسياسية، واستنكار السياسات العنصرية والاستيطانية وتهديد مقدساته ومقدسات جميع العرب والمسلمين، مثلما يستنكر المرء الموقف الدولي المنافق الذي يشتعل غضبا لدى أي رد فعل فلسطيني، بينما يضع رأسه تحت الرمال فلا يرى كل الممارسات الوحشية للاحتلال.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة