موقع درج: 7 نوفمبر 2026
الاحتفاء بفوز فلسطينيين في انتخابات إسرائيلية في وضع لا توجد فيه انتخابات في كيانهم السياسي منذ عقدين، ولا يجد فيه الفلسطينيون اللاجئون حقوقاً ومكانة كريمة في بلاد “الوطن العربي”، ما يتمخّض عن “فضيحة” مفادها أن إخوتهم في مناطق 48 يحظون بهامش أكبر من الحرّية، على الرغم من أنهم في دولة عدوّة لشعبهم وتعتبر نفسها دولة قومية لليهود، ودولة استعمارية واستيطانية وعنصرية إزاء كل الفلسطينيين،
ربما لم يحتفِ أحد في العالم بنتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية ومفاجآتهما وتداعياتهما، بالقدر الذي احتفى بها الجمهور العربي، وضمنه الفلسطينيون طبعاً، في كافّة أماكن إقامتهم في هذا العالم.
لم يفكّر معظم المحتفين بأن المسألة تتعلّق بانتخابات جرت في إسرائيل، التي يعتبرها كثيرون “عدوّهم الوجودي”، لأنها قامت على حسابهم، وسبب نكباتهم المستمرّة، وأيضاً باعتبارهم تلك الانتخابات شكلية ولا جدوى منها، مثلما لم يفكّروا بأن الانتخابات الأميركية جرت في أكثر دولة في العالم تدعم إسرائيل، سياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً ومالياً، وتضمن أمنها وتفوّقها النوعي في المنطقة، فضلاً عن أنها مجرّد دولة إمبريالية في حساباتهم الأيديولوجية.
فقد اكتشف هؤلاء أن أبناءهم استطاعوا الفوز في الحالتين، وأنهم بمشاركتهم في الانتخابات في إسرائيل وفي الولايات المتّحدة، أسقطوا نتانياهو وترامب، وأنه بمقدورهم التأثير في النظام السياسي، إذ يشكّلون معضلة لإسرائيل وعقبة في سعيها كي تكون دولة خالصة لليهود، ويساهمون في الولايات المتّحدة في إحداث تغيير سياسي لصالح حقوقهم الفردية والجماعية، معبّرين في الحالتين عن وجودهم، ومختبرين قدرتهم على تحقيق ذاتهم لذاتهم.
في المحصّلة فإن تلك المشاركة تثير، أو تفتح على عديد من القضايا.
أوّلها، تتعلّق بالخيارات الكفاحية، فهؤلاء أو بعض منهم، لطالما استهتروا واستهزأوا بأشكال الكفاح الشعبية ـ المدنية، متناسين تقديسهم الكفاح المسلّح، وإيمانهم بأنه لا غيره، هو الشكل الحصري للكفاح ضد إسرائيل، مستبعدين أشكال الكفاح الشعبية الأخرى التي ذمّوها وقلّلوا من أهمّيتها، حتى إنهم في غمرة حماستهم، تناسوا أنهم كانوا يتغنّون بالانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993)، انتفاضة “أطفال الحجارة”، علماً أن المقاومة الشعبية هي أكثر شيء انتهجه الشعب الفلسطيني، عبر تاريخه، وفقاً لإمكانياته في كافة أماكن وجوده، قبل إنشاء الفصائل، وأثناء وجودها، وبعد أفول فاعليتها.
ثمّة مفارقة أخرى هنا أيضاً، تتمثّل بالاحتفاء بفوز فلسطينيين في انتخابات إسرائيلية في وضع لا توجد فيه انتخابات في كيانهم السياسي منذ عقدين، ولا يجد فيه الفلسطينيون اللاجئون حقوقاً ومكانة كريمة في بلاد “الوطن العربي”، ما يتمخّض عن “فضيحة” مفادها أن إخوتهم في مناطق 48 يحظون بهامش أكبر من الحرّية، على الرغم من أنهم في دولة عدوّة لشعبهم وتعتبر نفسها دولة قومية لليهود، ودولة استعمارية واستيطانية وعنصرية إزاء كل الفلسطينيين، كما باعتبارها دولة إبادة جماعية؛ وهذا ليس رأياً يتطلّب مناقشته والاختلاف عليه، إنما هو توصيف لواقع مفروض ومشين، تتحمّل مسؤوليته أنظمة تفتقد للمواطنة، كما تفتقد لمعنى دولة المؤسّسات والقانون.
بالنسبة إلى الانتخابات الأميركية، فجأة اكتشف هؤلاء فاعلية النظام السياسي الأميركي (كما الأوروبي) وإمكانية الاستثمار سياسياً في أنظمة الليبرالية الديمقراطية، رغم الثغرات التي تعتورها، في حين ليس لديهم أي قدرة على الاستثمار في النظام السياسي في روسيا، التي يظنّونها امتداداً للاتحاد السوفييتي (السابق)، كأن فلاديمير بوتين وريث فلاديمير لينين، وهو ما ينطبق بالطبع على الصين.
باختصار، فقد دفعت تلك الانتخابات إلى حثّ التعبير عن الذات والهويّة، والتمكّن من الحقوق بالوسائل الكفاحية المدنية والسلمية، التي يمكن أن تسهم في خلق فعّالية مجتمعية جامعة، تتّسم بالديمومة بما يمكن مراكمة البناء عليها، للاستثمار التدريجي من دون استنزاف المجتمع أو إرهاقه، في بلاد أخذ بها العنف الأهوج، والتعصّب الأعمى، والتطرّف ضد المختلف، فلم تحقّق شيئاً إزاء عدوّها، ولم تسهم سوى في تدمير أو تفكيك ذاتها.
الناحية الثانية التي أثارتها تلك الانتخابات، تتعلّق بالهويّة، ففيما يغدو التمحور حول هويّة معيّنة خياراً سلبياً للدفاع عن الذات، ما يؤدّي إلى الانغلاق والتعصّب، والشعور بالعجز والإحباط والغضب إزاء العالم، بدعوى احتكار مكانة الضحيّة والمظلومية، فإن المشاركة في الانتخابات، كشفت الطابع المركّب والمتداخل للهويّة، إذ لا توجد هويّة أحادية صافية بحكم التطوّرات في العالم في وسائل الاتصال والمعلوماتية، والاعتماد المتبادل، والتضامن العالمي لأجل عالم أفضل، وضمن ذلك عالم يكافح ضد الاستغلال والاستعلاء بكل أشكالهما.
عندما ذهب الفلسطيني إلى الانتخابات في إسرائيل، وذهب السوري أو اللبناني أو المصري أو الفلسطيني للانتخابات في الولايات المتّحدة، لم يتصرّف وفقاً لهويّته الأصلية فقط، ولم يقم بإخفائها، إنما ذهب بوصفه مواطناً في دولة يعيش فيها أيضاً، للتمكّن من حقّ المواطنة والحقوق المدنية الكاملة، بما لا يتناقض مع هويّته الأصلية، وحقوقه الجمعية.
ما تقدّم يأخذنا إلى البعد الثالث لمعنى المشاركة في الانتخابات، ما يترتّب عليه تحويل الصراعات من الطابع الصفري الوجودي التاريخي المتخيّل، إلى الطابع النوعي الحقوقي المتعيّن.
وهذا يتمثّل في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بالتحوّل من الصراع على الوجود “إمّا نحن وإمّا هم” إلى الصراع على شكل الحياة، ومن الصراع على الأرض إلى الصراع على الحقوق، ومن الصراع من أجل التحرير إلى الصراع من أجل العيش المشترك في دولة مواطنين، أحراراً ومتساوين في وطن لجميع مواطنيه من دون تمييز أو مظالم، فهذا هو المعنى الحقيقي للتحرير، وأيّ معنى آخر لن يوصلنا إلى ذلك المعنى المقترن بالحرّية، كما بيّنت تجارب العديد من حركات التحرّر الوطني، وضمنها إخفاقات الأنظمة العربية التي كانت تسمّى أنظمة ثورية أو تقدّمية.
لعلّ في ما تقدّم أهمّ ما عنته أو قصدته المشاركة في الانتخابات في إسرائيل وفي الولايات المتّحدة الأميركية، وإن كان ذلك المسار لا بدّ أن يتضمّن تعقيدات وانتكاسات، بيد أنه على الرغم من ذلك فإن كلفته أقلّ كمّاً ونوعاً، من كلفة الأشكال الأخرى التي اختبرناها في العقود الماضية، علماً أن كل التطوّرات الدولية التي بات كثر يطنبون في الحديث عنها، لا سيّما “منتصرون”، اكتشفوا أنهم هزموا إسرائيل وأميركا بإسقاط نتانياهو وترامب في الانتخابات، تعضد هذا المسار وترجّحه، وتؤكّد إمكانية الاستثمار فيه على المديين القريب والبعيد.
