توحي التسمية بمجلس له صفة تمثيلية للشعب السوري، والصفة التمثيلية للشعب السوري تعني الحق في مساءلة السلطة التنفيذية باسم الشعب. وللمفارقة، فإن هذا الحق لا يدعمه الإعلان الدستوري الذي نص على حق المجلس فقط في استدعاء الوزراء والمسؤولين وسماع آرائهم دون محاسبتهم، وهذا يعني منح الحكومة سلطة فوق سلطة المجلس، وسلب المجلس واحدة من أهم وظائف المجالس النيابية المرتبطة بتمثيله للشعب.
فالإعلان الدستوري لم يكتفِ بهندسة المجلس وفق رؤية وإشراف السلطة التنفيذية، عن طريق تشكيل اللجنة العليا للانتخابات التي اختارت عبر فروعها في المحافظات الهيئة الناخبة بمجموع 7000 مرشح، في حين أن تاريخ البرلمانات السورية في عهود الحرية والديمقراطية، خاصة بين 1954 و1958، يشهد وجود لجنة حقوقية مستقلة عن السلطة التنفيذية تبحث فقط في صلاحية طلب المرشح من حيث استيفائه الشروط القانونية للترشح وفق القانون، مثل بلوغ السن القانونية وعدم ارتكاب مخالفات قانونية تستوجب منعه من الترشح… إلخ، بعيداً عن أي تأثير للسلطة التنفيذية، وتترك مسألة فوزه أو خسارته للانتخاب الحر المباشر من قبل الشعب.
أقول: لم يكتفِ الإعلان الدستوري بجعل المجلس يولد من رحم لجنة الهيئة الناخبة التي تمثل السلطة التنفيذية مباشرة، بل أدخل شرطاً ثانياً، هو تعيين ثلث أعضاء المجلس البالغين 210 أعضاء، أي 70 عضواً، مباشرة من قبل السلطة التنفيذية.
وفوق ما سبق، سلب المجلس صلاحية استدعاء الوزراء من أجل مساءلتهم وسحب الثقة منهم، وهو حق متعارف عليه لأي مجلس نيابي.
حتى الآن، فكل ما سبق ليس جديداً، لكن ما كان موضع أمل هو أن يتحرك المجلس بعد إنشائه نحو توسيع صلاحياته، ولو بصورة تدريجية، باعتبار وجود شخصيات وازنة فيه من حيث الكفاءة والسيرة الحسنة.
بالتالي، أن يصغي لصوت الشعب من جهة، وأن يُسمع الشعب صوته ككيان مستقل عن السلطة التنفيذية، ولو بصورة نسبية، من جهة أخرى.
لكن حتى الآن، وبينما كانت المظاهرات تجتاح المدن السورية احتجاجاً على رفع سعر المحروقات بطريقة مفاجئة وصادمة، لم يتم تسجيل صوت مرتفع للمجلس يعكس مطالب الشارع السوري.
ويبدو أنه تم إغراق المجلس بآلاف القوانين التي تحتاج للتصديق، أما الأولويات في التصديق فهي غير واضحة المعايير خارج المجلس.
هكذا يتحول المجلس فعلياً إلى هيئة تشريعية ملحقة بالسلطة التنفيذية.
لا بأس، كان يمكن القول إننا بحاجة في المرحلة الانتقالية إلى هيئة تشريعية تعيد النظر في كثير من القوانين التي ينبغي مراجعتها والموروثة من العهد البائد.
أما الذهاب إلى تشكيل «مجلس شعب» عن طريق «لجنة عليا للانتخابات» معينة من السلطة التنفيذية، وحجز 30% من مقاعده للتعيين المباشر، وسلب صلاحياته في مساءلة الحكومة، ثم إغراقه في تصديق آلاف القوانين حتى لم يعد يُسمع له صوت، فذلك لم يكن ضرورياً.
وهو لا يقتصر على كونه ليس ضرورياً، بل يبعث على شيء من الإحباط والخوف من أن يبدأ الشعب في التساؤل عن الفارق بينه وبين مجالس الشعب في العهد البائد، التي كانت تنام في انتظار أن تحيل السلطة إليها مشاريع القوانين لتصديقها، وتكتفي برفع الأيدي ثم العودة للنوم.
