أسئلة يفرضها احترام حياة البشر وسيادة الدول
لم يكن الأطفال السوريون الذين سقطوا تحت القصف الأردني في درعا طرفاً في مجزرة الكرك، ولم تكن النساء اللواتي قُتلن في بيوتهن مسؤولات عن الإرهاب الذي ضرب الأردن. ومع ذلك، انتهت الجريمة التي ارتُكبت على الأرض الأردنية إلى مأساة أخرى على الأرض السورية، وكأن دم السوريين بات أرخص من أن يستدعي دليلاً قبل إراقته، أو تفسيراً بعد وقوعه. أما الذريعة الجاهزة فهي مكافحة الإرهاب، تلك العبارة التي استُهلكت طوال سنوات المأساة السورية حتى أصبحت، في كثير من الأحيان، جواز مرور للطائرات والصواريخ عبر الحدود، ووسيلة لإضفاء المشروعية على أفعال لا تملك من المشروعية سوى ما يعلنه مرتكبوها.
ليس ثمة خلاف على حق الأردن في حماية أمنه ومواطنيه، ولا على إدانة الجريمة الإرهابية التي شهدتها الكرك، تلك الجريمة البشعة التي أدمت قلوب كل من بقي في نفسه شيء من الإنسانية، وأثارت من الحزن والغضب ما لا تحدّه جنسية الضحايا أو انتماءاتهم. فدماء الأبرياء واحدة، ولا تختلف حرمتها بين الكرك ودرعا. لكن هذا الحق لا يمنح السلطات الأردنية تفويضاً مفتوحاً لقصف الأراضي السورية، ولا يعفيها من تقديم الأدلة التي تثبت أن الأهداف التي قصفتها كانت تشكل تهديداً فعلياً، وأن ثمة صلة محددة بينها وبين الجريمة التي اتخذتها ذريعة للعملية. فالسيادة السورية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه ببيان عسكري، وحياة المدنيين السوريين ليست هامشاً في حسابات الأمن الأردني.
تقول الرواية الأردنية إن القصف استهدف تنظيمات إرهابية مرتبطة بمجزرة الكرك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الأدلة على هذه الصلة؟ وكيف انتقلت المسؤولية عن جريمة ارتكبها أردنيون داخل الأردن إلى أهداف في الجنوب السوري؟ وإذا كانت لدى السلطات الأردنية معلومات تثبت وجود ارتباط تنظيمي أو عملياتي بين منفذي المجزرة والجهات المستهدفة بالقصف، فلماذا لا تُعلن ما تستطيع إعلانه منها، وتضع الوقائع أمام الرأي العام؟
لا يكفي أن تعلن الحكومة أنها قصفت إرهابيين لكي يصبح الذين قصفتهم إرهابيين، ولا يكفي أن تتحدث عن مقتل عناصر من داعش لكي تتحول هذه الحصيلة إلى حقيقة لا تقبل المساءلة. فالإعلان العسكري ليس دليلاً بذاته، والاتهام لا يصبح حقيقة لمجرد صدوره عن جهة رسمية. وحين يسقط مدنيون، بينهم أطفال ونساء، تحت القصف، يصبح واجب التفسير والمساءلة أكثر إلحاحاً، لا أقل.
لكن خطورة العملية لا تقف عند حدود ضحاياها المباشرين، بل تمتد إلى الرسائل السياسية التي تحملها، وإلى النتائج التي قد تترتب عليها في سورية والمنطقة.
أولى هذه الرسائل تتعلق بمصدر الإرهاب نفسه. فحين تقع جريمة إرهابية في الأردن، ويكون منفذوها أردنيين، ثم تأتي الاستجابة العسكرية على الأراضي السورية، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقل مركز المسؤولية من الداخل إلى الخارج. وليس المقصود إنكار احتمال وجود ارتباطات خارجية للمنفذين، فالإرهاب العابر للحدود حقيقة لا يجوز تجاهلها، وإنما رفض القفز من احتمال وجود تلك الارتباطات إلى التعامل معها بوصفها حقيقة مكتملة تبرر القصف. والأخطر أن يتحول الحديث عن مصدر خارجي للإرهاب إلى وسيلة تحجب الأسئلة المتعلقة بالبيئات المحلية التي ينشأ فيها التطرف، وبمسؤولية المؤسسات المعنية بمواجهته.
ولم تعد هذه الممارسة مقتصرة على حادثة بعينها، فقد بات السوريون، في كثير من الأحيان، مكسر عصا تُصرَف إليهم الأزمات الأمنية التي تعجز بعض الدول عن منعها أو احتوائها. فما إن تقع جريمة إرهابية حتى تتجه أصابع الاتهام إلى سورية، وكأنها المستودع الذي يمكن أن تُلقى فيه مسؤولية كل إخفاق أمني، وكأن السوريين مطالبون بدفع ثمن جرائم لم يرتكبوها، وأخطاء لم يكونوا مسؤولين عنها. وليس ثمة ما هو أشد ظلماً من أن يتحول شعب أنهكته الحروب والمجازر إلى ضحية مرتين: مرة حين يُحمَّل وزر الإرهاب، ومرة حين يُستباح دمه باسم مكافحته.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بموقع السلطة السورية في الحسابات الأردنية. فقد تحدثت عمّان عن التنسيق مع دمشق، فيما نفت السلطات السورية حصول تنسيق مسبق بشأن العملية. وهذا خلاف لا يمكن تجاوزه باعتباره تفصيلاً بروتوكولياً؛ فالمسألة تتعلق بحق دولة في ممارسة سيادتها على أراضيها، وبحدود ما تستطيع دولة أخرى فعله داخل تلك الأراضي.
إذا كانت السلطات الأردنية قد قررت استخدام القوة داخل سورية من دون موافقة سلطاتها، فإنها تكون قد وضعت تقديرها الخاص فوق حق السوريين في تقرير كيفية التعامل مع المخاطر القائمة على أرضهم. ومن لا يثق بقدرة السلطة السورية على مواجهة تهديد أمني يستطيع أن يطالبها بالتعاون، وأن يقدم إليها المعلومات، وأن يستخدم الوسائل الدبلوماسية والأمنية المتاحة. أما أن يستبدل ذلك كله بقرار عسكري منفرد، فمعناه أن سيادة الجار تصبح مشروطة بتقدير الدولة الأقوى أو الأكثر قدرة على التدخل. وهذا موقف ينبغي أن يكون ثابتاً بصرف النظر عن طبيعة السلطة التي تحكم سورية، وعن الاتفاق معها أو الاختلاف بشأن سياساتها وممارساتها. فالسيادة ليست امتيازاً تمنحه السلطة لنفسها، ولا حقاً يسقط عنها بسقوط شرعيتها أو تبدل حكامها، وإنما هي حق للدولة والشعب، لا يجوز أن يصبح الدفاع عنه مرهوناً بالموقف السياسي من الحاكم. ومن رفض انتهاك السيادة السورية في عهد الأسد لا يستطيع تبرير انتهاكها اليوم، كما أن معارضة السلطة الحالية لا تمنح أحداً حق التساهل مع الاعتداء على أرض سورية.
وهذه قاعدة خطيرة، لا على سورية وحدها، بل على المنطقة كلها. فكيف يمكن مطالبة السوريين ببناء دولة ذات سيادة، بينما تتصرف الدول المجاورة وكأن هذه السيادة لا تستحق الاحترام كلما تعارضت مع حساباتها الأمنية؟ وكيف يمكن الحديث عن استقرار الجنوب السوري، إذا كان هذا الجنوب معرضاً لأن يتحول إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية والقرارات المنفردة؟
أما الرسالة الثالثة، والأخطر في نتائجها الإقليمية، فهي ما يتيحه القصف الأردني لإسرائيل من مادة سياسية تستطيع توظيفها في تبرير اعتداءاتها المتواصلة على الأراضي السورية.
لقد أمضت إسرائيل سنوات وهي تقدم الجنوب السوري بوصفه مصدراً للتهديد، وتستخدم الادعاءات الأمنية لتسويغ تدخلاتها العسكرية وانتهاكاتها للسيادة السورية. واليوم يأتي القصف الأردني ليضيف إلى هذه الرواية سابقة عربية تستطيع إسرائيل الاستناد إليها: دولة مجاورة لسورية تعلن أن وجود تنظيمات إرهابية على الأراضي السورية يستدعي تدخلاً عسكرياً عبر الحدود. فما الذي يمنع إسرائيل من استخدام المنطق نفسه لتبرير عملياتها، والقول إن مخاوفها الأمنية ليست ادعاءات إسرائيلية منفردة، وإن دولة عربية أخرى تتصرف وفق المنطق ذاته؟
ليس في ذلك اتهام للأردن بالتواطؤ مع إسرائيل، ولا ادعاء بأن تقديم هذه الذريعة كان هدفاً مقصوداً من العملية. لكن الدول لا تُحاسب سياسياً على نواياها المعلنة وحدها، بل على نتائج قراراتها أيضاً. والقصف الأردني، بصرف النظر عن دوافعه المعلنة، يمنح الخطاب الأمني الإسرائيلي مادة إضافية لتسويق روايته وتبرير تدخلاته أمام الرأي العام. ولا يمنح ذلك إسرائيل أي حق قانوني في انتهاك السيادة السورية، لكنه يكشف كيف يمكن لقرار عسكري أن يخدم، في نتائجه السياسية، خطاب دولة أخرى ومبرراتها.
والأشد خطورة أن يتحول الجنوب السوري، في الحسابات الإقليمية، من أرض سورية مأهولة بمواطنين لهم حقوقهم وحياتهم ومصالحهم، إلى مجرد مساحة أمنية تتنافس الدول على تحديد ما يجوز فعله فيها. عندئذ لا يعود السؤال من يملك الحق في قصف سورية، بل من يملك القوة للقيام بذلك. وتلك هي اللحظة التي تفقد فيها السيادة معناها، ويصبح أمن السوريين آخر ما يؤخذ في الحسبان.
ولا ينبغي أن تعفي هذه الوقائع السلطة السورية من مسؤولياتها. فمن واجبها حماية المواطنين، وضبط الحدود، وملاحقة أي تنظيم مسلح يهدد أمن سورية أو جيرانها. لكن عجز السلطة عن أداء بعض واجباتها لا يمنح الدول الأخرى حق الحلول محلها عسكرياً لمجرد تقديرها المنفرد لهذا العجز، ولا يجعل الأراضي السورية مباحة للتدخلات العسكرية. كما أن وجود جماعات إرهابية على الأراضي السورية لا يسقط عن المدنيين حقهم في الحماية، ولا يجعل المناطق التي يقيمون فيها أهدافاً مباحة.
إن السؤال الموجه إلى الأردن ليس سؤالاً عدائياً، بل سؤال سياسي وأخلاقي لا يجوز التهرب منه: ما طبيعة الأهداف التي قُصفت؟ وما صلتها بمجزرة الكرك؟ وما الأدلة التي تبرر استخدام القوة داخل الأراضي السورية رداً على جريمة ارتُكبت في الأردن وتحميل السوريين وزرها؟ وما الأساس الذي استندت إليه العملية؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحديث عن التنسيق مع دمشق ونفي السلطات السورية حصوله؟ ثم ما الإجراءات التي اتخذت لحماية المدنيين، وكيف يُفسَّر سقوط أطفال ونساء تحت القصف؟
هذه أسئلة يفرضها احترام حياة البشر وسيادة الدول. ولا ينبغي أن يكون الانتماء العربي المشترك سبباً للتسامح مع انتهاك السيادة السورية، كما لا يجوز أن يتحول الاعتراض على القصف الأردني إلى إنكار لحق الشعب الأردني في الأمن والحماية. فالأمن الذي يقوم على انتهاك أمن الآخرين لا يؤسس لعلاقة مستقرة بين دولتين، بل يفتح الباب أمام منطق القوة الذي عانت منه المنطقة طويلاً.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن تغطي عليه البيانات العسكرية والحسابات السياسية: بأي حق يدفع أطفال درعا ونساؤها ثمن جريمة ارتُكبت في الكرك؟ ومن الذي قرر أن الرد على إرهاب قتل مدنيين أردنيين يمكن أن يمر عبر قصف ينتهي بقتل مدنيين سوريين؟
لن تعيد الإجابات الأطفال إلى الحياة، لكنها ستحدد ما إذا كان دمهم سيُعامل بوصفه خسارة عابرة لا تستحق المساءلة، أم بوصفه جريمة تستوجب تفسيراً ومحاسبة. فلا يجوز أن تمر دماء المدنيين السوريين باعتبارها خسائر جانبية في عملية عسكرية، ولا أن يصبح الادعاء بمكافحة الإرهاب بديلاً عن الدليل والمسؤولية.
لقد دفع السوريون من دمائهم ما يكفي، ولم تعد أرضهم تحتمل أن تكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين، أو ميداناً لإرسال الرسائل الأمنية والسياسية. ومن يريد مكافحة الإرهاب حقاً، عليه أن يبدأ باحترام حياة الأبرياء، لا أن يضيف أسماء أطفال جدد إلى قوائم ضحاياه.
