العربي الجديد 27 أكتوبر 2026
تستمر الساحة السورية في تقديم مشهد مأزوم ومُترابط من التحديات المُركّبة التي يصحّ وصفها بـ”الخبيصة”، حيث تتداخل الاختناقات الخدمية اليومية مع الصراعات الأيديولوجية البنيوية والتجاوزات الإدارية والأمنية، لتضع البلاد أمام مرحلة مُعقّدة من المخاض السياسي والدولي. حيث يجد المُتأمّل في الواقع الميداني والسياسي بعد انقضاء سنتين تقريباً على التحوّل السياسي الكبير، أنّ التخبّط لم يعد مجرّد عثرات مرحلية ناتجة عن إرث الحرب والدمار، بل تحوّل إلى نمط إدارة وأسلوب حوكمة يعالج الأزمات الوجودية ببدائل شكلية وشمّاعات تبريرية مُتكرّرة.
تبدأ ملامح هذه الحالة المُعقّدة من أزمة إدارة الحياة اليومية للمواطن، إذ يعاني الشارع من شحّ شديد في المحروقات وتراكم النفايات وتداعي شبكات الخدمة الأساسية، وارتفاع تكاليف الحياة، في ظلّ غياب حلول مُستدامة تُعيد الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة لحاجات المواطنين. وبعد قرابة عامين، لم يعد كافياً تفسير كلّ إخفاق بإرث النظام السابق أو بظروف المرحلة الانتقالية؛ إذ بات من الضروري تقييم ما تحقّق فعلياً، وما إذا كانت السياسات المُتبعة تسير بالبلاد نحو الاستقرار أم تزيد الأعباء على المجتمع.
وفي مقابل هذا البطء والتصلّب في حلّ المشاكل الخدمية المُباشرة، تتجلّى المفارقة في النشاط المحموم نحو خوض “معارك أيديولوجية ورمزية” لا تمسّ الاحتياجات الحياتية للناس. ويتجلّى في قطاع التربية والتعليم العالي، حيث ينكبّ مسؤولو التعليم على تغيير للمناهج الدراسية، مُحدّدين أولوياتهم في إلغاء الدروس التي تتناول الإدارة المحلية والتعدّدية السياسية والديمقراطية، وإعادة تحوير الصور والشخصيات في المقرّرات لفرض نمط شكلي وديني بعينه، فضلاً عن فرض قيود على التنوّع الاجتماعي والثقافي داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية. وكأنّ المشكلة تكمن في ضبط السلوك الشكلي والهندسة العقائدية للمجتمع، لا في ترميم المدارس المُدمّرة، ولا في رفع القُمامة، ولا في تأمين البيئة الحديثة لبناء القوّة البشرية التي تحتاجها البلاد للتعافي.
حين تفشل السلطة في تأمين الخبز والخدمات والكرامة، لن تستطيع التحكّم في الشارع الذي سيتجه نحو موجات أكثر تطرّفاً
إنّ الاستمرار في رفع شماعة “الفلول” واقتصاد الحرب لتبرير مصادرة الحياة السياسية يمثّل هروباً من الاستحقاق الدستوري؛ إذ إنّ الدولة المؤسسية الصلبة تستند إلى القضاء وسيادة القانون، ولا تلجأ لإغلاق الباب أمام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين خشية الاختراق، بما يخلق حالة إقصاء دائمة تجعل السلطة تحتكر القرار والتمثيل برداء الحذر المستمر.
وعلى المستوى الميداني والعقاري، يزداد التخبّط عمقاً حين تتدخّل الأذرع الاستثمارية التابعة للجهات السيادية، كشركة “اكتفاء” التابعة للصندوق السيادي، في إدارة الملفات العقارية والأراضي الزراعية في ريف حماة والمناطق الأخرى. إنّ الإجراءات المُتخذة في وضع اليد على أراضي الغائبين واشتراط تقديم “براءة سياسية بعدم الروابط مع النظام السابق” لاستعادة الملكيات، ثم طرح تلك الأراضي في مزادات علنية، يشكّل سابقة خطيرة تمسّ حقوق الملكية والمادة السادسة عشرة من الإعلان الدستوري الحامي للملكية الخاصة. فبدلاً من أن تكون الدولة ضامنة للعدالة وسيادة القضاء، تتحوّل هذه التدابير إلى آلية إعادة توزيع قسري للملكيات.
لم يعد كافياً تفسير كلّ إخفاق بإرث النظام السابق أو بظروف المرحلة الانتقالية
أمام هذه اللوحة المُعقّدة، يبدو الموقف الإقليمي والدولي مُتقاطعاً مع حسابات ضيقة ومرحلية؛ فواشنطن والعواصم العربية ودول الجوار يتعاملون مع السلطة الحالية وفق منطق “إدارة المخاطر” والتفاضل بين خيار سيئ وخيار أشدّ سوءاً. فما يهم القرار الدولي والإقليمي بالدرجة الأولى هو وجود سلطة مركزية تسيطر على السلاح، وتمنع الفوضى الشاملة، وتلتزم بالاتفاقيات الحدودية وتمنع عودة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود أو تموضع إيران وحزب الله. وبسبب هذه التفاهمات الأمنية، يتم التغاضي عن الأدلجة الأحادية للمجتمع.
غير أنّ هذا الرهان الغربي والإقليمي يتجاهل القنبلة الموقوتة التي تُزرع في المدى المتوسّط؛ ففرار الكفاءات نتيجة التضييق والفقر، وإفراغ المناهج والتعليم من القيم المدنية والديمقراطية لصالح التلقين العقائدي، سيُنتج أجيالاً غير قادرة على التعامل مع معطيات العالم الحديث. وحين تفشل السلطة في تأمين الخبز والخدمات والكرامة، لن تستطيع التحكّم في الشارع الذي سيتجه نحو موجات أكثر تطرّفاً تُزايد على السلطة نفسها. وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن السوري البسيط هو الضحية الأولى، والخاسر الأكبر الذي يدفع بمفرده من قوته، وكرامته، ومستقبل أبنائه فاتورة هذا التخبّط وغياب دولة القانون والمؤسسات.
