الأهرام 5 نوفمبر 2026
تبدو المشاهد الغاضبة في كثير من المدن الأوروبية حاملةً لبعض من علامات خريف السياسات النيوليبرالية الوحشية، والترامبية، وحالة الاضطراب واللايقين في النظام الدولي، ومآلاته المستقبلية، ودور أوروبا فيما سوف يتخلّق من مسارات التحول عالميًّا. الخريف الاستثنائي للغضب الأوروبي الذي أشعله طلاب المدارس الفرنسية من جيل Z، وفي ألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال وسويسرا، ومعهم بعض النقابات، والسترات الصفراء الفرنسية، وغيرهم، وتبدو المشتركات في المطالب الاجتماعية التي تتركز على رفض سياسات الحكومات الاجتماعية، وضرورة تطوير التعليم، ومنشآته، ونقص المعلمين والعاملين في المدارس، والصحة، وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة ارتفاع أسعار إيجارات السكن، ورفض التجنيد الإجباري، وزيادة الإنفاق العسكري، وحماية المناخ، وتمثل مطالب جيلية من جيل Z، ومعهم أجيال شابة أخرى، مع دخول النقابات إلى دوائر الغضب والتظاهر، وبعض الفئات المهمشة، وبعض من المجموعات اليسارية الراديكالية واليمينية المتطرفة المضادة لبعض الأقليات من المواطنين والمهاجرين من أصول عرقية ودينية.
بعض من الغضب الاستثنائي في أوروبا تجلّى مع بعض من العنف، وتحطيم محلات الملابس والأحذية الفاخرة، ونهب ما بها، والصراعات العنيفة مع الأجهزة الشرطية، وإشعال بعض الحرائق… إلخ.
كشفت حالات الغضب الجيلي الأوروبية عن بعض الفجوات الجيلية السياسية، ما بين نمط السياسيين ما بعد الحرب الباردة والعقد الثاني والثالث من القرن الحالي، وأجيال الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي، وبطء التكيف السياسي مع التسارع لثقافة وعقلية جيل Z وألفا، ومشتركاتهم فوق انتماءاتهم الطبقية، ومطالبهم ومخاوفهم من غموض مستقبلهم في التعليم العام والجامعي، والأهم مخرجات التعليم، وسوق العمل والفرص المتاحة والبطالة.
الفجوات الجيلية مرجعها أن التركيبة العمرية والفكرية والسياسية للطبقات السياسية الأوروبية هي نتاج لمرحلة السيولة والتفكك في الأنساق الكلية للإيديولوجيات السياسية الكبرى التي سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية – الإمبراطورية الفلسفية الماركسية، والليبرالية الغربية – ومن ثم انهيار السرديات السياسية الكبرى. من ناحية أخرى، فشل الإيديولوجيات الناعمة ذات النزعة الوسطية ما بين اليسار واليمين ويمين الوسط، وتراجع أدوار الأحزاب السياسية الكبرى وتفكك بعضها، لصالح بعض الأحزاب ذات الطبيعة الائتلافية البرامجية المؤتلفة مع السياسات النيوليبرالية الوحشية، والتي أدت إلى نهاية الحماية الاجتماعية ودولة الرفاهة في أوروبا. الليبرالية الجديدة مع مدرسة شيكاغو والمدرسة النمساوية، وتنظيراتهم لحرية السوق، والحد من أدوار الدولة وتدخلاتها دعمًا لدور الأسواق الحرة، كمحفز للنمو وتوزيع فاعل للموارد، وهو ما أدى إلى ما سبق أن أسميته بديانة السوق، مع مارجريت تاتشر وريجان في الثمانينيات، وتابَع هذه السياسات يسار الوسط – كلينتون وتوني بلير – والطريق الثالث، وهو ما أدى إلى بعض من النجاحات النسبية، إلا أن الأزمة المالية الكبرى عام 2008، وأزمة اليورو عام 2010، ثم السياسات الترامبية، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، والحرب على إيران، واضطراب بعض الإمدادات والأسواق.
كان التركيز على القطاعات المالية ورؤاها وسياساتها وراء تراجع النمو السريع الذي تم خلال عقدين، لرفع القيود التنظيمية للدول على السوق، وأيضًا تراجع سياسات الضمان الاجتماعي. أدت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي إلى هيمنة قلة من أباطرة النيوليبرالية الرقمية الكونية والمصارف الكبرى على الأسواق وتوجهها. من ثم، فإن الاضطرابات والتظاهرات هي تعبير عن بعض «الباثولوجيا الاجتماعية» للنيوليبرالية، وأيضًا للطبقات السياسية الحاكمة في أوروبا، وفشل سياسات الاندماج الداخلي لعديد من الأجيال المتعاقبة من المواطنين من أصول عرقية ودينية غير أوروبية، ويقظة هوياتها وبعض من ثقافاتها في مجتمعات تعددية، وهو ما أدى أيضًا إلى انتفاضة قومية عرقية بيضاء في أوروبا، ومعها اليمين المتطرف وظواهر كراهية الآخر المختلف – الإكزينوفوبيا – والإسلاموفوبيا، وهي مسألة يثيرها الرئيس الأمريكي ترامب على خصومه من الحزب الديمقراطي. وأدت نتائج التجديد النصفي إلى هزيمة ترامب والحزب الجمهوري، كنتيجة لسياساته الاقتصادية وتكاليفها على الناخبين أساسًا، ونزعته الشعبوية العرقية، ومحاولاته في تمديد سلطاته على النموذج الأمريكي الرئاسي في فصل وتوزيع القوة والصلاحيات بين الرئيس والسلطة القضائية والكونغرس! من المحتمل أن تؤثر هزيمة الجمهوريين والنزعة الترامبية جزئيًّا على الاتجاهات اليمينية المتطرفة في فرنسا وأوروبا، في ظل الاحتجاجات الشبابية الجيلية من جيل Z، ومعها النقابات والمواطنون الفرنسيون والأوروبيون من أصول عرقية ودينية مختلفة، وتمثل رفّة فراشة على الأنظمة السلطوية في جنوب المتوسط وغيرها.
جيل Z الفرنسي والأوروبي واحتجاجاته يبدو أحد آثار وتقاليد ثورة الطلاب الشهيرة في كاليفورنيا، بيركلي، والسوربون عام 1968، وثقافة الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن الرأي في التقاليد والثقافة السياسية الفرنسية، ويختلف عنها في السياقات الاجتماعية والجيلية، وتدهور الأداء الاقتصادي والاجتماعي للنيوليبرالية الفرنسية والأوروبية. جيل أحد أبرز محفزاته الثورة الرقمية، وعالم الذكاء التوليدي الذاتي، واستخداماته في التعبئة والحشد، والفردانية المفرطة، والاستهلاك المكثف. الأهم مخاوف هذا الجيل من مخاطر الذكاء التوليدي الروبوتي وغيره في الاستبعاد من سوق العمل، ومن ثم فرص تبدو نادرة مع تراجع مستويات التعليم، والفرص المتاحة للدخول إلى التعليم الجامعي في فرنسا!
من الملاحظ أن طلاب المدارس من جيل Z، مطالبهم تبدو محددة وإصلاحية، وليست ذات طابع «ثوري»، على تمايز عن ثورية جيل مايو 1968 في السوربون، وأثرها الكبير على الثقافة والفلسفة والسوسيولوجيا الفرنسية، والدرس الأكاديمي، وهيكلة الجامعات الفرنسية، وفي السينما والأدب.
نحن إزاء توجهات جيلية نتاج لأنماط تنشئة سياسية واجتماعية رقمية وفردانية، خارج الأنظمة الاجتماعية والسياسية للتنشئة التي كانت سائدة قبل ثورة طلاب 1968 وبعدها.
السؤال الذي تطرحه الاحتجاجات الاجتماعية في غالب المدن الأوروبية: هل يؤدي ذلك إلى قدرة السياسيين الأوروبيين في الحكومات الحالية على التكيف السياسي السريع مع هذه الحركات الاحتجاجية وسندها من جيل Z، في ظل أزمات مالية واقتصادية في فرنسا، على سبيل المثال؟
من الملاحظ أن الاستجابات الجزئية المحدودة جدًا باتت موضعًا للرفض، واستمرارية التظاهر، وهو ما ينبئ باستمرارية التوترات الاجتماعية، والمنافسات السياسية الحادة ما بين اليمين المتطرف وخطاباته العنصرية والهوياتية تجاه بعض مكونات المجتمعات الأوروبية من أصول غير أوروبية، وازدياد نمو الاتجاهات الهوياتية العرقية والدينية لجزء من المكونات الاجتماعية الأوروبية.
يبدو أيضًا أن بعضًا من الثقافة الليبرالية التمثيلية يواجه بعضًا من الشروخ الجزئية الناتجة عن هيمنة الاتجاهات اليمينية النيوليبرالية، واليمين المتطرف، وضعف الاتجاهات السياسية ليمين الوسط، وتراجع بعض الاتجاهات اليسارية، مع انهيار السرديات الأيديولوجية الكبرى لصالح جماعات يسارية وفوضوية راديكالية صغيرة.
يمكن القول إن هيمنة النيوليبرالية الرقمية الكونية، والذكاء التوليدي الذاتي، والتطورات الروبوتية فائقة السرعة، وتمددها في مجالات العمل كافة، ستؤدي إلى ارتفاعات في مستويات ونسب البطالة، وعلى مفهوم العمل الإنساني، وعلى الشرط الإنساني الوجودي، وهو ما سيؤدي إلى عديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية – مشكلة المعنى في الحياة والاكتئاب والمشاكل النفسية – وعلى قانون السوق وفاعليته وقواعده، وعلى السياسات الاقتصادية والمالية، والمرجح أن يؤثر ذلك على الفكر الاقتصادي العالمي كله، وعلى الإمبراطوريات الاقتصادية والمصرفية الكونية.
أباطرة الرأسمالية الرقمية والذكاء التوليدي والروبوتات – والمصارف الكبرى – ستزداد هيمنتهم على الدولة الأوروبية – وغيرها في العالم – وسيادتها وسياساتها الاقتصادية، بل والخارجية، والأخطر على توجهات ورؤى السياسيين في أوروبا، التي يتراجع دورها لصالح مآلات الصراع الأمريكي – الصيني وآسيا الصاعدة، في ظل عمليات التغير في موازين القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية، مع الصين.
يبدو التراجع في الثقافة والمعرفة الأوروبية المركزية، ونموذج الحلم الأمريكي مشوبًا ببعض من الضبابية مع ترامب، وتفكك ووهن بعض المنظمات الحقوقية لأجيال حقوق الإنسان عالميًّا خارج أوروبا، ودعم ترامب للأنظمة الشعبوية السلطوية الداعمة لسياساته عالميًّا. ومن المرجح تراجعه جزئيًّا بعد هزيمة ترامب وحزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس – نوفمبر 2026 –. من ناحية أخرى، يتصاعد دور النموذج الصيني لنمط من التوتاليتارية السياسية، والتقدم فائق السرعة، معه مؤشرات لتمدد اللغة الصينية في عالمنا، ويقدر علماء اللغة الكبار عالميًّا أنها ستغدو اللغة الأولى ما بين 2050 ونهاية القرن الحالي. ومعها الثقافة الصينية والآسيوية، وستتفكك اللغة الإنجليزية إلى عديد من اللهجات، مع المزيد من تراجع الفرنسية والألمانية والإيطالية… إلخ! من ثم، نحن إزاء عالم مختلف، تبدو بعض من علاماته فيما وراء بعض من ضبابية مشاهد «الخريف الصاخب»، وبعض من احتمالات التمرد الجيلي والاجتماعي في المدن الأوروبية، وهو حامل لاحتمالات عديدة لا تزال غائمة، وخاصة مع نتائج هزيمة جزئية للجناح المتشدد واليميني العرقي الأبيض بقيادة ترامب، وهو ما يطرح أسئلة واحتمالات عديدة.
