اعتاد توم باراك على دعم الدولة السورية بما يصدر عنه من تصريحات، والابتعاد عن النقد الصريح الجاف إلى حدٍّ ما.
هذه أول مرة يخرج فيها عن عادته تلك، ملاحظته حول تأخّر قدوم الاستثمارات إلى سورية، بل وتقديره أن ذلك سيستغرق وقتًا طويلًا، حيث تحدث عن عشر سنوات حتى يبدأ ظهور أثر الاستثمارات «إن جاءت» في الاقتصاد السوري.
مع ذلك، لا يمكن القفز إلى الاستنتاج بوجود تغيّر في السياسة الأمريكية تجاه سورية، كما يحب إعلام الفلول والهجريين الذهاب إليه.
إحدى رسائل تصريحاته السابقة موجّهة إلى الحكومة السورية، بأنه قد آن الأوان لمراجعة شاملة لاستراتيجيتها الاقتصادية التي وضعت قدوم الاستثمارات إلى سورية في مركز رؤيتها للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار. وقدّمت صورة غير واقعية لنهوض سريع اعتمادًا على تلك الاستثمارات.
في حين أنه ما زال إصلاح الأنظمة المالية والإدارية في سورية يتطلب الكثير من الجهد.
وهناك النظام القضائي الذي لم يقف على قدميه حتى الآن، وهو لا يقل أهمية في صورة استقرار الدولة وبناء بيئة صالحة للاستثمار.
وقف باراك قليلًا عند المسار السياسي، لكن الرسالة أيضًا كانت واضحة هنا إلى حدٍّ ما.
هناك أزمة في المسار السياسي.
تلخّصت رؤية الحكم حول المسار السياسي في أن دوران عجلة الاقتصاد مع قدوم الاستثمارات سوف ينتج ديناميكية اجتماعية تعيد ترتيب الأولويات في سورية.
أي إن الناس حين تجد فرص الأعمال ويرتفع دخلها، لن تعود مهتمة بمسائل مثل الديمقراطية والبرلمان والدستور.
أما النخب السياسية فلن يكون لها تأثير في المعادلات السياسية ما دامت لا تجد لها قواعد اجتماعية.
بعد سنتين، ربما ينبغي إعادة النظر بكل عناصر التفكير السابق.
الاستثمارات الأجنبية لن تكون رافعة لنهوض سريع للاقتصاد السوري، هذه أصبحت حقيقة لا بد من أخذها بعين الاعتبار.
إدارة الدولة ليست بأفضل حالاتها.
الإصلاح الإداري والقضائي والمالي سيستغرق وقتًا، هذا إذا سرنا بالطريق الصحيح نحوه.
المسار السياسي يمسك بمفاتيح الإصلاحات الإدارية والقضائية والمالية، وفوق ذلك بمفاتيح الاستقرار السياسي والأمني الداخلي، وهذا ربما يكون الأهم.
نحتاج لاستراتيجية اقتصادية جديدة تعتمد على دعم الزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والسياحة، وبالطبع هناك البنية التحتية من الطرق والسكك الحديدية والمدارس والمستشفيات، وإعادة إعمار القرى والأحياء المدمرة.
وإفساح المجال أمام الاستثمارات وتشجيعها وترشيدها.
استراتيجية اقتصادية جديدة أكثر مقاربة للواقع السوري تحتاج لانفتاح أكبر من السلطة على المجتمع المدني.
النقابات المهنية وغرف التجارة والصناعة، ونقابات العمال، حين تكون مستقلة تمامًا عن السلطة التنفيذية بوجود الحريات العامة، يمكن أن تساهم بصورة فعالة وإيجابية في بناء استراتيجية اقتصادية بديلة.
أقول للحكومة الجديدة: لقد بذلتم، مشكورين، جهدًا كبيرًا خلال السنتين الماضيتين، وقمتم بإنجازات رائعة في السياسة الخارجية وفي توحيد سورية، لكن استراتيجيتكم الاقتصادية ومساركم السياسي أصبحا بحاجة ماسّة للتوقف والمراجعة. لقد كانت هناك أصوات كثيرة ناقدة، لكن أيًّا منها لم يصل لصنّاع القرار، أو أنه وصل ثم صار إلى سلّة المهملات.
هذه المرة، التحذير يأتي من توم باراك الذي أظهر دائمًا اهتمامه بنجاح التجربة السورية.
وباعتبار أنه، كما قيل، «مغنية الحي لا تطرب»، فعسى أن «تطرب» المغنية الأجنبية.
