أصالة في الفيحاء.. ليس الغناء بل هوية سورية الثقافية!

img

لم يكن حفل أصالة في صالة الفيحاء حدثاً فنياً عابراً، ولم تكن الضجة التي سبقته خلافاً مألوفاً بين من يحب الغناء ومن يراه حراماً. ولو كانت المسألة كذلك لما استحقت أكثر من خبر ثقافي ينتهي بانتهاء الحفل. ما جعل المشهد مختلفاً أن الخلاف تجاوز أصالة والغناء والحفل نفسه، ووصل إلى سؤال أبعد كثيراً: من يملك اليوم حق تعريف الهوية الثقافية للسوريين؟ ومن يملك أن يقول إن هذا ينسجم مع “هوية المجتمع”، وإن ذاك يخرج عليها؟

ربما كانت المفارقة الأكثر تعبيراً عن ذلك كله أن وزير الثقافة كان في صالة الفيحاء يكرّم أصالة، بينما أيد مسؤول في الجهاز الثقافي (مدير عام مديريات الثقافة أنس دغيم – ما غيره) بياناً يتحدث عن “صيانة هوية سوريا في مرحلة ما بعد التحرير”، ويدعو إلى مراجعة سياسات تنظيم الفعاليات العامة وترخيصها والامتناع عن المشاركة الرسمية في أنشطة يرى أصحاب البيان أنها لا تنسجم مع هوية المجتمع وقيمه. هنا لم يعد الخلاف بين وزارة للثقافة وبعض المشايخ الواقفين خارجها؛ لقد ظهر، بصورة أو بأخرى، داخل الجهاز الذي يفترض أنه معني أصلاً بإدارة المجال الثقافي العام.

لكن المفارقة لا تقول لنا وحدها من يمثل السوريين، ولا يجوز أن نستبدل ادعاءً بادعاء آخر. فامتلاء صالة الفيحاء لا يجعل جمهور أصالة ممثلاً لكل سورية، تماماً كما لا تجعل بيانات الدعاة السلفيين وحملاتهم منهم ممثلين للمجتمع السوري. ما نستطيع قوله أقل من ذلك، لكنه أكثر أهمية: ثمة صراع فعلي على تعريف ما يجوز تقديمه باعتباره تعبيراً عن هوية السوريين، وهذا الصراع لم يعد هامشياً.

كان من السهل، بعد سنوات الحرب وما انتهت إليه، أن يُقرأ المشهد بوصفه دليلاً على أن ما يمكن وصفه بـ”الاجتياح السلفي” – لا بمعنى اجتياح المجتمع عددياً، بل بمعنى الانتقال من هامشه إلى مواقع متقدمة في القوة والتأثير – نجح في إعادة تفصيل الهوية الثقافية السورية على مقاسه.. لكن الوقائع لا تسمح بهذه القفزة. فالحملة المناوئة التي سبقت الحفل كانت عالية الصوت، منظمة، وامتلكت القدرة على تحويل الاعتراض إلى قضية عامة. خرج الاعتراض من صفحات التواصل إلى البيانات والمنابر، ووصل إلى تمزيق إعلانات الحفل في بعض الشوارع، وأصبح على وزارة الثقافة أن تتعامل معه بوصفه موقفاً قائماً لا مجرد ضجيج إلكتروني. لكن الحملة، في المقابل، لم تستطع إلغاء الحفل، ولم تستطع إفراغ الصالة، ولم تدفع السلطة إلى سحب رعايتها. فقد نفدت التذاكر، وامتلأت الصالة، وأقيم الحفل، وصعد وزير الثقافة إلى المسرح وكرّم أصالة.

وهنا تحديداً تكمن دلالة الفيحاء.

فما ظهر ليس انتصار طرف على آخر، بل فجوة لافتة بين الحجم الاجتماعي الذي نستطيع إثباته وبين القدرة على التأثير في المجال العام. لا نملك استطلاعاً يخبرنا كم سورياً يؤيد الداعين إلى منع الحفلات، ولا يجوز أن نحول عدد المنشورات والتعليقات إلى استفتاء شعبي. لكننا نعرف أن تياراً لا نملك دليلاً على أنه يمثل أكثرية السوريين استطاع أن يجعل السلطة والإعلام والمجتمع يناقشون مطالبه، وأن يطرح تعريفه الخاص للأخلاق العامة بوصفه تعريفاً لـ “هوية المجتمع”.

وهذه مسألة مختلفة تماماً.

ليس ضرورياً لأي مشروع ثقافي أن يصبح أصحابه أغلبية كي يفرض حضوره. يكفي، في لحظات التحول الكبرى خصوصاً، أن يكون أكثر تنظيماً، وأكثر قدرة على الحركة، وأقرب إلى مراكز القوة، وأكثر امتلاكاً للمنابر والشبكات، فيما تكون القوى الاجتماعية المقابلة أقل تنظيماً، تعيش ثقافتها أكثر مما تنتظم للدفاع عنها. عندها قد يصبح التيار الأكثر تنظيماً أقدر على تحديد جدول الأسئلة من قوى اجتماعية قد تكون أوسع منه، من دون أن نملك وسيلة لقياس أحجامها بدقة، وقد يصبح الآخرون مضطرين إلى الإجابة عن أسئلة لم يختاروها أصلاً.

ولعل هذا ما يجعل السؤال عن “هوية المجتمع” نفسه أكثر أهمية من حفل أصالة. فما هذه الهوية التي يجري الحديث باسمها؟ ومن حدد مضمونها؟ ومتى فوّض السوريون أحداً أن يقرر نيابة عنهم أن الغناء، أو الموسيقى، أو الاختلاط، أو شكل لباس المرأة، أو طريقة الاحتفال تنتمي إلى هويتهم أو تخرج عليها؟

ليس الاعتراض هنا على حق المتدين في موقفه من الغناء. من حق من يعتقد بحرمة الموسيقى ألا يسمعها، ومن حقه أن يدعو الآخرين إلى موقفه ويجادلهم فيه. هذا جزء من الحرية نفسها التي ينبغي أن تحمي الفنان ومن يريد حضور حفله. تبدأ المشكلة في مكان آخر: عندما ينتقل الاعتقاد الخاص من حق صاحبه في الالتزام به إلى مطالبة السلطة بأن تجعله قاعدة ملزمة للآخرين. عندها لا نعود أمام خلاف ديني حول الحلال والحرام، بل أمام سؤال سياسي عن المجال العام وحدود السلطة وحقوق المواطنين.

وهذا ما يجعل اختزال المسألة إلى مواجهة بين “المنتمين إلى أديان ومذاهب أخرى وغير المتدينين” من جهة و”المتدينين ممن ينتمون إلى الإسلام السني” من جهة أخرى تبسيطاً مخلاً. السوري المسلم السني المتدين ليس بالضرورة سلفياً، والسلفيات نفسها ليست تياراً واحداً، والمحافظ اجتماعياً ليس بالضرورة راغباً في فرض محافظته بقوة السلطة. وفي سورية تاريخ ديني وثقافي أكثر تركيباً من أن يُختصر في ثنائية من هذا النوع. المشكلة ليست في التدين، وإنما في انتقال تصور جزئي، دينياً كان أم أيديولوجياً، من حقه في الوجود داخل المجتمع إلى ادعاء تمثيل المجتمع كله.

ولعل سنوات الحرب وما أعقبها جعلت هذا السؤال أكثر حدة. فقد انتقلت تيارات سلفية متعددة، كانت قبل الحرب محدودة الحضور في المجال الثقافي والسياسي العام، إلى مواقع لم تكن تشغلها من قبل في بنية القوة الجديدة، وبعضها إلى داخل السلطة نفسها، وبعضها الآخر إلى محيطها الاجتماعي والديني والسياسي. لا يعني ذلك أن السوريين أصبحوا سلفيين، ولا أن السلطة الجديدة يمكن اختزالها في وصف واحد. بنيتها أكثر تعقيداً، وفي داخلها اتجاهات دينية وسياسية مختلفة، كما أن سلوكها حتى الآن يكشف قدراً كبيراً من البراغماتية ومحاولة التكيف مع ضرورات الحكم والداخل والخارج.

لكن هذه البراغماتية نفسها تفتح سؤالاً آخر.

هل نحن أمام تعدد حقيقي داخل سلطة لم تستقر بعد على رؤية ثقافية موحدة؟ أم أمام تسامح براغماتي من مراكز القرار مع القوى الأكثر تشدداً، يترك لها مساحة تتحرك فيها من دون أن تتبنى السلطة خطابها مباشرة؟ أم أن الأمر يذهب أبعد من ذلك، إلى نوع من توزيع الأدوار غير المعلن، يحتفظ فيه مركز السلطة ببراغماتيته السياسية، فيما تُترك للتيارات الأكثر تشدداً مساحة تشعرها بأن الانتقال من الجهاد إلى السلطة لم يكن دفناً كاملاً للمشروع الذي خرجت منه؟

لا توجد حتى الآن أدلة كافية تسمح بحسم أي من هذه الاحتمالات. وواقعة واحدة، مهما كانت دلالتها، لا تكفي لإثبات استراتيجية سياسية كاملة. لكن الواضح أن هذه المساحة موجودة، وأن قوى أكثر تشدداً تستخدمها، وأن التباين الذي ظهر حول حفل أصالة وصل حتى إلى الجهاز الثقافي الرسمي نفسه.

ولذلك فإن حفل الفيحاء لا ينبغي أن يُقرأ منفرداً. السؤال الحقيقي هو عمّا إذا كانت الوقائع المشابهة في التعليم والفنون والموسيقى واللباس والمرأة والاختلاط والأعياد والرموز العامة والخطاب الديني في الشارع تشكل حوادث متفرقة، أم أنها بدأت تنتظم في مسار واحد يسعى إلى إعادة تعريف ما يعتبر “طبيعياً” ومقبولا” في حياة السوريين.

فالتحولات الثقافية الكبرى لا تحدث عندما يصدر قرار بمنع حفلة. ذلك هو الوجه الأكثر خشونة والأقل عمقاً من المسألة. النجاح الحقيقي لأي مشروع يريد إعادة تشكيل المجتمع يبدأ عندما تتغير البديهيات نفسها؛ عندما لا يعود السؤال: لماذا تُمنع الحفلة؟ بل يصبح: كيف خطر لأحد أصلاً أن يقيم حفلة؟ وعندما لا يحتاج من يريد المنع إلى تبرير المنع، بل يصبح على من يريد أن يغني أو يحتفل أو يلبس بطريقة مختلفة أن يبرر لماذا يريد ذلك.

عند هذه النقطة فقط نستطيع الحديث عن تحول ثقافي عميق.

ما حدث في الفيحاء يقول، حتى الآن، إننا لم نصل إليها. فالسوريون الذين ملأوا الصالة لم يصدروا بياناً عن الهوية السورية، ولم يدخلوا في سجال فقهي مع المعترضين. فعلوا شيئاً أبسط وأكثر دلالة: اشتروا تذاكرهم وذهبوا إلى الحفل وغنوا. مارسوا نمطاً من الحياة يعتبرونه طبيعياً من دون أن يحتاجوا إلى صياغته في برنامج أيديولوجي.

لكن الطرف الآخر فعل شيئاً مختلفاً: حاول أن يحول تصوره لما ينبغي أن تكون عليه الحياة إلى تعريف لـ “هوية المجتمع”. وربما تكشف هذه المفارقة الفرق بين “هوية معيشة” لا يحتاج أصحابها إلى إعلانها لأنهم يمارسونها في حياتهم اليومية، و”هوية معيارية” يحاول أصحابها صياغتها في تعريفات وضوابط، ثم مطالبة الآخرين بالامتثال لها. الأولى تقول: هكذا نعيش. والثانية تقول: هكذا ينبغي أن تعيشوا. والفارق بينهما هو، في جوهره، الفارق بين حق الجماعة في أن تعيش وفق قيمها، وادعائها حق تحويل هذه القيم إلى معيار للمجتمع كله. وهنا تقع المسألة التي تستحق النقاش.

سورية لم تكن يوماً قالباً ثقافياً واحداً. تشكلت حياتها من بيئات اجتماعية ودينية وثقافية متعددة، ومن درجات مختلفة من المتدين وغير المتدين، والمحافظ والمنفتح، والمسجد والكنيسة، والموشح والقدود والأغنية الشعبية والحديثة، وكانت علاقتها بالدين والفن والمرأة والاحتفال أكثر تنوعاً من أي تعريف واحد يراد اختزالها فيه. وليس المطلوب الدفاع عن “هوية سورية أصلية” متخيلة في مواجهة هوية دخيلة؛ فالهويات الاجتماعية نفسها تتحرك وتتغير وتتفاعل باستمرار. المطلوب شيء آخر: ألا تستطيع جماعة، لأنها أكثر تنظيماً أو أقرب إلى القوة، أن تنتزع لنفسها حق تعريف الجميع.

وهنا نصل من الثقافة إلى السياسة، ومن المجتمع إلى السلطة.

السلطة التي تقوم على المواطنة لا تحتاج إلى أن تقرر أي الأغاني أكثر تعبيراً عن سورية، ولا أن تحدد للسوريين مقدار تدينهم أو شكل أفراحهم أو الطريقة التي ينبغي أن يعيشوا بها حياتهم الخاصة. وظيفتها ليست إنتاج مواطنين متشابهين، بل حماية حق المختلفين في أن يعيشوا معاً تحت قانون واحد. يستطيع المتدين أن يعتقد أن الحفل معصية وألا يدخله، ويستطيع الآخر أن يشتري تذكرته ويذهب إليه، ولا يملك أي منهما حق استخدام السلطة لإجبار الآخر على أن يصبح نسخة منه.

وهذا أحد الشروط التي تجعل من جماعات مختلفة شعباً سياسياً: ألا تحتاج إلى الاتفاق على نمط حياة واحد كي تتشارك دولة واحدة.

ربما لهذا لم يكن السؤال الذي خرج من صالة الفيحاء: هل انتصرت أصالة أم انتصر خصومها؟ ولم يكن: هل أصبحت سورية سلفية أم بقيت كما كانت؟

السؤال أخطر من ذلك.

هناك من يقول اليوم، بوضوح متزايد: “هذه هوية المجتمع”. وفي الجهة الأخرى سوريون كثيرون الذين لا يصدرون البيانات، ولا ينتمون بالضرورة إلى تيار سياسي أو ثقافي واحد، لكنهم يعيشون حياتهم بطرائق مختلفة.

وبين من يدّعي تعريف المجتمع وبين المجتمع كما هو بالفعل، تقع واحدة من أهم معارك سورية المقبلة.

ليس حول أغنية.

بل حول حق السوري في أن يبقى سورياً من دون أن يمنحه أحد شهادة مطابقة لمواصفات الهوية.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة