الدولة العربية، ونهاية الانتماء الوطني

img

الأهرام 17 سسبتمبر 2026

التطورات المتلاحقة وفائقة السرعة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتبلور قدراته الذاتية، سيؤدي، في كافة التقديرات، إلى عدم القدرة على السيطرة على الفعل التوليدي الذاتي -إذا جاز التعبير-، وبقطع النظر عن مدى إمكانية السيطرة عليه، أو إبطاء عمليات تطويره، أو الاستمرار فيها، فإن الصراعات الدولية على معامل اختبارات الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد لا تحول دون مآلات خطرة على كافة مجالات الحياة والوجود الإنساني في مرحلة ما بعد الإنسانية، التي بدأت تلوح في الأفق وفق تقديرات كبار الخبراء لدى الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية الكونية. الأهم أن هذا التحول سوف يعصف بتراث ضخم من الفلسفات والنظريات والمفاهيم والمصطلحات في مجال العلوم الإنسانية، بل وبعض العلوم الطبيعية.

من هنا انعكاسات هذا التحول على نظرياتنا ومفاهيم مثل الدولة، والسيادة، والنخبة السياسية، والطبقة، والنظام السياسي، والقومية، وغيرها من التي استمدت من تحليل المجتمع الإنساني وفي مجالات السياسة والاقتصاد والعمل والعلاقات الاجتماعية، والعلاقة مع الآلة.

من هنا تبدو بعض مظاهر التمردات العرقية والقومية في أوروبا والولايات المتحدة هي ردود أفعال نكوصية على تطورات باتت تشكل رهاباً/فوبيا كونية لدى قطاعات داخل هذه المجتمعات الأكثر تقدماً.

في المنطقة العربية المضطربة عسراً ويسراً، مع الحرب على غزة وإيران، ومنها على بعض دول الخليج النفطية، والأردن، تبدو حالة من التوهان، وبعض من اللايقين، والاضطراب في التعامل مع خيارات سياسية ثبت فشلها وعجزها عن حماية هذه البلدان من الهجمات الإيرانية! أحد أبرز مظاهر الهشاشة السياسية أن عديداً من المفاهيم حول الدولة والسيادة والمواطنة والتكامل الوطني بدت، ولا تزال، مع مفاهيم الأمة، لم تستكمل شرائطها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى مفهوم الوطنية الذي ساد مع دولة ما بعد الاستعمار، لم يستكمل مقوماته في مجتمعات انقسامية باتت تتفكك مع الحروب الأهلية والهوياتية، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا سيما في المشرق العربي.

من أبرز معالم أزمات مفهوم الوطنية في العالم العربي، هو تفاقم أزمة الانتماء الوطني مع الحروب الأهلية في السودان وليبيا وسوريا والعراق واليمن، وتفجر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في تونس والجزائر والمغرب ومصر ولبنان والعراق.

في الدولة الأمة – مصر والمغرب ونسبياً تونس- شهدت مراحل ما قبل وبعد الربيع العربي سعي قطاعات شابة إلى الهجرة الطوعية أو القسرية إلى شمال المتوسط أو إلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا، وازدادت وتائر وموجات هذا السعي مع قوارب الموت في المتوسط من جنوبه إلى شماله.

كان من أبرز حالات السعي نحو الهجرة الطوعية، سعياً وراء الأمل، وهروباً من حدود الوطن/الوطنية، ودلالة على أزمات الانتماء الوطني وخفوت وهج الوطنية، محاولات هجرة الأجيال الشابة (Y) و(Z) من المغاربة إلى إقليم سبتة، حيث قُدرت أعداد من حاولوا الدخول والعبور الجماعي من نحو 40 إلى 80 ألف شخص من المغرب أواخر شهر يوليو الماضي، وقَدّرت السلطات المحلية الإسبانية أن من نجحوا في دخول المدينة بنحو 50 إلى 60 ألف شخص، ومصرع عشرات الأشخاص يُقدَّر من 57 إلى 130 ضحية، مات معظمهم غرقاً أو أثناء محاولة اجتياز الحواجز الحدودية، وفق بعض المصادر الحقوقية.

الأخطر أعداد الأطفال الذين سعوا للهجرة دون ذويهم أثناء التدفق الجماعي في أواخر يوليو 2026؛ تراوح عدد الأطفال والقاصرين الذين تمكنوا من دخول مدينة سبتة إلى نحو 1,500 طفل قاصر بعد تنقية البيانات، ومن هم متواجدون في مراكز الرعاية الشاملة الإسبانية، تشير التقديرات الرسمية إلى 1,100 إلى 1,200 طفل تحت رعاية السلطات المحلية ومراكز الطوارئ في المدينة.

أياً كانت الدوافع وراء هذه المشاهد التراجيدية السياسية، فإن مسألة الهجرة الطوعية أو القسرية هي تعبير عن فقدان الأمل في الحياة داخل الوطن، وفي كنف رمزيات الوطنية، ومحمولات الذاكرات الفردية والجماعية حول الأسرة، والعلم، والتاريخ، والصداقات، والعائلات، والأمكنة، والمدرسة، والجامعة… إلخ.

من بين هذه المؤشرات على تفاقم أزمات الانتماء الوطني هروب واختفاء بعض اللاعبين -خمسة رياضيين بشكل سري- من بعثتي مصر وتونس في دورة ألعاب البحر المتوسط 2026 المقامة في مدينة تارانتو بإيطاليا. حيث غادر لاعب مصارعة حرة مصري أثناء فترة الترانزيت بمطار روما خلال رحلة العودة. وتزامنت الواقعة مع هروب لاعب مصارعة آخر أثناء مشاركة خارجية أخرى في سلوفاكيا.

من بعثة تونس اختفى أربعة رياضيين من اختصاصات فردية مختلفة، من المصارعة الحرة، والكرة الحديدية، ورفع الأثقال، والجمباز.

حالات السعي للهروب والهجرة، تم تبريرها من هؤلاء على وسائل التواصل الاجتماعي بسوء الأوضاع الاقتصادية والمادية، وغياب الدعم والتقدير الرياضي في كلا البلدين، وأنهم غادروا هاربين سعياً وراء حياة كريمة وفرص أفضل.

إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي، وثورات جيل (Z) على التعامل الذكي معها، هما وراء استخدامها في دفع عشرات الآلاف من الشباب واليافعين والقصر والأطفال إلى الهجرة إلى سبتة، فإن هناك عشرات الملايين في بلدان العسر العربية تود الهجرة حال توافر ظروف ملائمة إلى شمال المتوسط وأمريكا الشمالية، بل إلى بعض بلدان اليسر النفطية التي لم تعد بحاجة إلى أعداد كبيرة من العمالة من دول العسر العربية.

السعي إلى الهروب من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتخم والمثقل بالمشكلات، واللا أمل، هو أحد محفزات السعي وراء حلول خلاصية فردية وجماعية في محاولات الهجرة إلى الشمال الأكثر تقدماً.

لم يعد مفهوم الوطنية والانتماء الوطني، ومقاومة الاستعمار والاستقلال الوطني، والتنمية المستقلة، وسياسة الأمل، هي المسيطرة على عقول الأجيال Y وZ، كما كان الأمر مع أجيال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

مع سياسات الخصخصة، وتصفية القطاع العام، والتحول إلى الاقتصاد الحر، في ظل نظم شمولية وسلطوية غاشمة، تمت مصادرة الأمل في المستقبل، ومعها اعتقال العقل الحر، والحريات العامة، والمجال العام الحر، لصالح السلطة الحاكمة وأتباعها في غالب البلدان العربية، وما يطلق عليهم طبقة رجال الأعمال.

لم يعد التعليم أحد آليات الحراك الاجتماعي لأعلى، مع تردي مستوياته، وتؤدي غالب مخرجاته، لا سيما في مجال العلوم الاجتماعية، إلى البطالة، لأن التعليم لا يواكب اقتصاديات السوق وتطورات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومن ثم اصطدام جيل Y وZ، وألفا وبيتا -الذين سيظهرون توجهاتهم في المستقبل القريب- بحوائط وسياجات صودر فيها الأمل والمستقبل سلفاً! من هنا لم يعد مفهوم الوطنية والانتماء حاضراً بقوة كما كان في سنوات التحرر الوطني.

غياب الانتماء الوطني هو نتاج للسياسات النيوليبرالية ومجتمع الثلاثة بالمائة، والتمييز الديني والمذهبي والطائفي والقبلي والعشائري والمناطقي والعرقي في المجتمعات الانقسامية ودولها الفاشلة.

أدت ثقافة الاستعلاء الطبقي والديني والمذهبي في الحياة اليومية العربية إلى الفشل في إنماء ثقافة مدنية، نظراً لهيمنة الثقافة التسلطية السياسية، والسلطوية الدينية، وسيطرة الثقافة السياسية الشمولية والتسلطية، ونفي الآخر، وهو ما ساهم في تفاقم أزمات عدم الانتماء الوطني الذي كرسته الشعبويات السلطوية والدينية ما بعد فشل الربيع العربي المجازي، وفشل سياسات السلطات الانتقالية الحاكمة وأولوياتها، وهي التي تدفع أيضاً الأجيال الجديدة Z وألفا إلى الهروب السوسيو-نفسي إلى حلم الهجرة الفردية أو الجماعية إلى المجتمعات الأكثر تطوراً في عالمنا، سعياً وراء الحرية والمساواة والفرص والحياة الكريمة، والأهم العمل والصحة والأمن والمستقبل.

أزمات الانتماء الوطني وراءها ثقافة الاستهلاك المفرط والمكثف التي سادت مع السياسات النيوليبرالية، والاستيراد من الخارج، وغياب التطور الصناعي وتطوراته مع الثورات الصناعية الثالثة والرابعة، والميل إلى الصناعات الاستهلاكية، في ظل تفاقم واتساع الفجوات الاجتماعية بين القلة من السراة عند قمة النظام الاجتماعي في كل بلد من بلدان العسر، وبين الطبقات الفقيرة من العمال والفلاحين، وتآكل وتفكك الطبقة الوسطى وشرائحها المختلفة، وسقوط بعضها لأسفل.

أدت أيضاً ظواهر الفساد الوظيفي الإداري والسياسي للسلطات الحاكمة والبيروقراطية إلى تحول الفساد إلى ظاهرة جامعة لهياكل البيروقراطية، والنخبة الحاكمة، وأيضاً إلى القطاع الخاص، وأصبح الفساد اليومي ثقافة عامة، وهو ما أدى إلى تراجع فاعلية دولة القانون، وشيوع الإحساس الجمعي باللا جدوى، واللانظام، واللا أمل في الحياة في بلدان ودول فاشلة.

شيوع وهيمنة ثقافة العقل العقاري والريعي أدتا إلى تبدد مدخرات بعض من هاجروا للنفط، ولم تستخدم في أنشطة اقتصادية وإنتاجية، وإنما في مجال العقارات، والحياة في عزلة المجتمعات المعزولة الجديدة -الكومباوند-، أو شراء شاليهات على المتوسط، أو البحر الأحمر، وهو ما خلق فجوات بين هؤلاء وبين الأغلبية الساحقة من أبناء شعبهم! وزاد من ثقافة الاتكالية على الريع والاستهلاك المفرط، وهو ما ضخم التمايزات الطبقية أمام أجيال لا يجد بعضهم فرصاً للعمل، ويدورون في مدار البطالة والاقتصاد غير الرسمي!

أدت بعض سياسات التمييز الديني والمذهبي والمناطقي والعرقي إلى هجرة بعض الأقليات المسيحية وغيرها إلى الغرب، سعياً وراء الخلاص من حالة الشعور بالحصار الديني والمذهبي والعرقي، في ظل سياسة الزبائنية والمحسوبية والعائلية المسيطرة في المجتمعات العربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر والسودان وتونس. بعض هجرة الأقليات لا تزال مستمرة، على الرغم من أن هناك ضوابط تلوح مع اليمين المتطرف تجاه السوريين وغيرهم في ألمانيا، وأيضاً قيود إدارة ترامب على ملف الهجرة.

سياسة الاستعلاء الطبقي باتت مسيطرة، وأدت إلى تفكك مفهوم الانتماء الوطني، خاصة في ظل غياب سياسة للأمل للأجيال الشابة Z وألفا وبيتا في المستقبل القريب.

الأخطر أن فشل وطنيات دولة ما بعد الاستقلال وسياسات الاندماج الداخلي أدت إلى تفكك المكونات الداخلية في غالب المجتمعات العربية، لا سيما المعسورة، وانفجار الصراعات الهوياتية الدامية على أسس دينية ومذهبية وعرقية وقبائلية.

أدت الرأسمالية النيوليبرالية الرقمية وتطبيقاتها في دول العسر إلى تراجع مفهوم الوعي والصراع الطبقي إلى الصراعات الجيلية، وإلى الوعي الفردي المشوه، والمصلحة الخاصة والإنسانية، والوعي الذاتي المنحط، وتراجع مفهوم المصلحة العامة والوطنية، ومن ثم ساد الولع بالاستهلاك والحصول على المال، أياً كانت طرائق الوصول إليه.

أثرت الثورة الرقمية على انفجار حالات هوسية من الكتل الرقمية الغفيرة، وبعض المجموعات التي تدافع عن هوياتها المتخيلة، أو ديانتها ومذاهبها في مواجهة المكونات الأخرى، على نحو فاقم من الانقسامات الهوياتية.

إن حالة تراجع وتفكك الانتماء الوطني في العالم العربي مرجعها فشل دولة ما بعد الاستقلال والنخب السياسية الحاكمة، والفجوات الجيلية، وتحولات عالمنا المتحول.


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة