بول ريكور يحاور أساتذة الشك (ماركس، نيتشه، فرويد) – الجزء الثاني

img

ترجمة وتقديم وتعليق د. فارس إيغو

مقدمة المترجم

كثيراً ما يتردد أن الماركسية “أيديولوجية”. مع ذلك (وهنا المفارقة)، كان ماركس أول من طور هذا المفهوم في اتجاه إنتاج نظرية عن الأيديولوجيا في كتاب الأيديولوجيا الألمانية (1845-1846)[1]، حيث جرى التنديد بـ “الأيديولوجية” الألمانية كصورة مقلوبة للواقع. وكما سنرى في هذا الجزء الثاني، كان الهدف تحديدا التحرر من كل أيديولوجيا من خلال فهم علمي للعالم الواقعي أو لعالم الممارسة (البراكسيس).

ومن المعروف أن الفيلسوف الفرنسي ديستوت دي تراسي هو الذي أطلق هذه الكلمة عام 1796 أمام فصل العلوم الأخلاقية والسياسية في المعهد الوطني الفرنسي الذي كان ينتسب إليه، ثم ظهرت في كتابه رسالة عن ملكة التفكير، والذي يعود تاريخ أول نشر له إلى عام 1798، وكان المقصود من المصطلح آنذاك تسمية علم جديد للأفكار يكون بمثابة “الإنجيل” الجديد للمجتمع الذي سينبثق بعد الثورة الفرنسية. 

نستخلص من الفقرة السابقة أمرين، أولاً، انخراط هذا العلم الجديد – بالرغم من نوايا صاحبه المعرفية والعلمية – بالصراع الاجتماعي. وبلغة أخرى، أن الأيديولوجيا بمعناها الأساسي كـ “علم الأفكار”، اتخذت وظيفة “أيديولوجية” منذ البداية، إذ تجاوزت نطاقها المعرفي البحت لتصبح علما “ثورياً”؛ ثانياً، أن هذا العلم الجديد للأفكار سيحل مكان الدين والميتافيزيقا في العصور ما قبل الحديثة.

بين ديستوت دي تراسي صاحب رسالة عن ملكة التفكير (1798) وكتاب الأيديولوجيا الألمانية (1845-1846)، توجد مرحلة متوسطة تمثلت باتهام نابليون بونابرت لهؤلاء الفلاسفة الذين تجمعوا حول دي تراسي في المعهد الوطني بأنهم “أيديولوجيين”، أي أناس حالمون لا يكترثون بالواقعية التي تعرّف السياسة بأنها فن الممكن. هكذا دخلت الكلمة اللغة الشائعة، وتوقفت عن أن تكون أيديولوجيا بالحرف الكبير، أي علم أفكار، وأصبحت أيديولوجيا بالحرف الصغير، أي أيديولوجيات تتصارع في ساحة الديموقراطية الحديثة، وهذا ما سنشهده في آخر من نظّر لمفهوم الأيديولوجية، الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه: كيف تفكر الديمقراطيات: الينابيع الخفية للأيديولوجيات (2026). 

إن محاولة ماركس في الأيديولوجيا الألمانية ـ بالرغم من الهدف المعرفي نحو امتلاك نظرية لمفهوم الأيديولوجيا، فإنها تحتفظ بالنهج الذي يندرج ضمن تبعات إدانة نابليون للأيديولوجيا، أي نهج السخرية الشديدة من الأيديولوجيين، الذين يتمثلون في عصر ماركس بالهيغليين اليساريين، والذين يتهمهم ماركس بأنهم حولوا المعركة الاجتماعية إلى معركة أفكار بعيداً عن ساحة الحياة الحقيقية، أي ساحة الممارسة.

النص الفرنسي*

ماركس ونقد الإيديولوجيا

لماركس تاريخ طويل في فكر ريكور. استناداً إلى الروايات، يمكننا تحديد العام الذي بدأ فيه قراءة أعماله بتوسع: 1936، وهو عام خدمته العسكرية في الجيش الفرنسي. وحضور ماركس المتكرر في أعمال ريكور يعكس ما أسماه بـ “الصراع البناء”. يتطور هذا الصراع تحت وطأة “الضرورة”، وهو مصطلح يتكرر في كتابات ريكور عندما يختار الدفاع عن ماركس[2].

يشكل التناقض مع أفكار ماركس جزءاً هاماً من تأملات ريكور حول الإيديولوجيا[3]. فبالنسبة لماركس، تشكل الفلسفة والدين والقانون والفن بنى فوقية ذات طبيعة إيديولوجية تعكس وتضفي الشرعية على البنية التحتية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج[4]. يعتبر ماركس أن للأيديولوجية دور في تشويه وإخفاء للحياة الحقيقية لصالح الطبقة المسيطرة، أي الطبقة البرجوازية، فالأيديولوجيا المهيمنة هي أيديولوجية الطبقة المسيطرة. وهذا الموقف الأخير لا ينفي وجود أيديولوجية ماركسية مهيمنة حين تسيطر البروليتاريا في المجتمع الشيوعي المأمول[5].

تتمثل الخطوة الأولى في منهج ريكور في قراءة متأنية لأفكار ماركس، مع التركيز على تطور الفكر الماركسي فيما يتعلق بمفهوم الأيديولوجيا، بدءاً من ماركس نفسه، ثم إنجلز، ثم التراث الماركسي، وصولاً إلى ألتوسير.

سيلاحظ ريكور أيضاً، وقبل كل شيء، أن هذا التوسع لمفهوم الأيديولوجيا يستمر في النمو، إلى درجة أنه عند دراسة أعمال ألتوسير، لم يعد الدين والفلسفة المثالية الألمانية هما فقط ما يعتبر أيديولوجيا، بل أيضاً علم الاجتماع ما قبل العلمي، وعلم النفس الموضوعي، وعلم الاجتماع الوضعي، وأخيراً حتى جميع الادعاءات الإنسانية وشكاوى الماركسية العاطفية أو الطوباوية، وصولاً إلى كتابات الشباب عند ماركس نفسه، والتي لم تقطع مع التراث الإنساني لهيغل والهيغليين اليساريين (فيورباخ، برونو باور، ماكس شتيرنر).

تتسم هذه الأطروحة بنطاق نقدي جذري. فهي تعني أن أنبل أفكارنا وأسمى قيمنا وأصدق قناعاتنا قد لا تكون سوى تبريرات لمصالحنا المادية الطبقية. فعندما يدافع البرجوازي عن الملكية الخاصة باسم الحرية، فإنه يخفي (حتى عن نفسه في كثير من الأحيان) دفاعه عن امتيازاته الاقتصادية. وعندما يقبل الخاضعون هيمنة الآخرين باسم النظام الطبيعي أو الإرادة الإلهية، فإنهم يستبطنون إيديولوجية مضطهديهم، وتدخل في نطاق مفهوم الوعي الزائف في النظرية الماركسية. إنّ العمال لا يدركون اغترابهم، وأن معتقداتهم ومواقفهم تتشكل “بفعل علاقات القوة الاقتصادية التي تجعل الوضع الراهن يبدو طبيعيا بالنسبة لهم، ما يخفي مصالحهم طويلة الأجل. ووفقا لماركس وإنجلز في كتاب الإيديولوجيا الألمانية (1845-1846)[6]: كل طبقة اجتماعية جديدة تحل محل الطبقة التي كانت تهيمن عليها سابقاً ملزمة، ولو لمجرد تحقيق غاياتها، بتقديم مصالحها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أفراد المجتمع، هذه الطبقة ملزمة بإضفاء طابع الشمولية على أفكارها، وتقديمها على أنها الأفكار المعقولة الوحيدة، والأفكار الصالحة عالمياً الوحيدة. ونتيجة لذلك، تفرض هذه الأفكار على الناس دون وعي منهم. إنهم ضحايا شكل من أشكال “خداع الذات”، حيث يخدعون أنفسهم. إنّ الطبقة العمالية حسب ماركس وأنجلز هي طبقة اجتماعية توجد بشكل موضوعي، لكن أعضاءها لا يدركون انتماءهم إليها، أي لا يملكون الوعي الطبقي، على عكس الطبقة البرجوازية المهيمنة التي تعي وضعها الطبقي[7].  

يدرك ريكور قوة هذا النقد. الأيديولوجيا بوصفها تمويهاً، وتبريراً للسلطة القائمة، وتطبيعاً للاستبداد الاجتماعي: تظل هذه التحليلات الماركسية ذات صلة بفك شفرة آليات الهيمنة. فكل مجتمع يحتاج إلى سرد قصص لنفسه، لتبرير بنيته، وإخفاء تناقضاته. وتؤدي الأيديولوجيا هذه الوظيفة المتمثلة في التمويه البناء[8].

تعتبر الإيديولوجيا حالة من حالات الوعي الزائف، وهو موضوع يندرج تحت تأويل الشك عند ريكور، ويشمل هذا التأويل الثلاثي: ماركس ونيتشه وفرويد.

لكن ريكور يرفض الاختزال الماركسي الذي يجعل من كل فكر مجرد انعكاس للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية. هذا الاختزال يرتكب عدة أخطاء فلسفية. أولاً، يفترض إمكانية الوصول إلى موقف غير أيديولوجي، أي وجهة نظر مطلقة للحكم على جميع الأيديولوجيات. ولكن من أي منظور يتحدث ماركس؟ أليس فكره نفسه متجذراً اجتماعياً وتاريخياً؟

ثانياً، تفشل الماركسية في تفسير الوظيفة التكاملية الإيجابية للأيديولوجيا. فكل مجتمع يحتاج إلى تمثيل لنفسه، وهوية جماعية، وروايات تأسيسية تخلق روابط اجتماعية. هذا البعد الرمزي ليس مجرد تضليل. بدون ذلك، لن يكون العمل الجماعي ممكناً، ولن يتمكن أي مشروع مشترك من حشد الطاقات[9].

وفي الأخير، يقول ريكور بفضل ماركس عليه فيما يتعلق بمفهوم التاريخ: لم أتخل قط عن معادلة ماركس التي تنص على أن الإنسان يصنع التاريخ في ظل ظروف لم يخلقها، ولكنه يطرح ثلاث مجموعات رئيسية من الأسئلة على النظرية الماركسية: 1- هل ما زال بإمكاننا التفكير في العمل من خلال فقط المبادئ الاقتصادية أم أنها تنتمي إلى عصر تكنولوجي عفا عليه الزمن؟ 2- إلى أي مدى لم تتأثر أفكار ماركس بالانحرافات التي زعم أنها تسم الفلسفة الألمانية؟ 3- ألا يعد المكانة المحدودة التي أعطيت للرمزية في الماركسية قصوراً في التفسير؟

ويختم ريكور نقده لماركس بقوله: إن النموذج الذي يرسخ الأيديولوجيا في مقابل الواقع غير مناسب، لأن الواقع، منذ البداية، أي في الممارسة أو في الحياة الواقعية بلغة ماركس، متوسط رمزياً، أي أن مستوى البنية التحتية نفسه مشبع بالبنى الرمزية، حتى داخل الطبقة الطليعية المفترضة. وبالمثل، فإن النموذج الذي يعارض اليوتوبيا بالواقع غير مناسب أيضاً، لأن الواقع ليس معطى مطلقاً بل عملية مستمرة.

*PHILOSOPHES.ORG, 29/09/2025.

الهوامش

هذه الهوامش هي تعليقات من المترجم للتعريف بالكتب والمراجع وترجماتها العربية، وكذلك في محاولة تخفيف صعوبة النص الفلسفي على القارئ الغير متدرب في هذا الصنف من الكتابات الفلسفية.


[1]– لماذا نتحدث عن ماركس تحديداً، وكتاب الأيديولوجية الألمانية كما وصلنا من تأليف ماركس وإنجلز؟ يشير الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبار المتخصص بالماركسية بأن مشاركة إنجلز في هذا الكتاب كانت محدودة جداً.

(انظر الفصل الثالث من كتاب إتيان باليبار “فلسفة ماركس”، لا ديكوفرت، 2014).  

[2]– بول ريكور، مقالة ضرورة ماركس، مجلة إيتر (être)، العدد الثاني، 1937، ص: 6-11.  

[3]– يتناول بول ريكور فكر ماركس اعتباراً من ثلاث مؤلفات في بداية حياة ماركس الفكرية. وقبل أن يركز على كتاب الأيديولوجية الألمانية، حيث ظهر مصطلح الأيديولوجيا لأول مرة في كتابات ماركس، والذي يخصص له ريكور محاضرتين من المحاضرات الثمانية عشرة التي خصصها للحديث عن الأيديولوجيا واليوتوبيا (المحاضرات رقم 5-6) وهو عمل تأسيسي في نقد الأيديولوجيات، يعلق ريكور على مقدمة ماركس في نقد فلسفة الحق عند هيغل ومخطوطات عام 1844 في ثلاث محاضرات (المحاضرات رقم (2-3-4). وانطلاقاً من هذين العملين الأخيرين، يدافع ريكور عن قراءة إنسانية لفكر ماركس الشاب.

انظر كتاب بول ريكور، محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا، تحرير وتقديم جورج. هـ. تايلور، ترجمه إلى العربية العراقي فلاح رحيم (دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى 2002، القسم الأول/ الأيديولوجيا، ص: 71-169).

والكتاب الذي صدر باللغة الإنكليزية عام 1986 هو عبارة عن 18 محاضرة كان بول ريكور قد ألقاها في جامعة شيكاغو عام 1975. ويبدأ الكتاب بالمحاضرة الأولى أو الدرس الافتتاحي يجمل فيها ريكور منهج عمله في تناول الإيديولوجيا واليوتوبيا في إطار واحد متأثراً في ذللك بعالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم في كتابه الإيديولوجيا واليوتوبيا (1929)، والمُؤلِفين الذين يعتمد تحليل نصوصهم حول مفهوم الإيديولوجيا واليوتوبيا؛ ثم القسم الأول من الكتاب المخصص لـ الإيديولوجيا، ويحتوي على خمس محاضرات عن كارل ماركس (2-3-4-5-6)، وثلاث محاضرات عن لوي ألتوسير (7-8-9)، ومحاضرة واحدة عن كارل مانهايم (10)، ومحاضرتين عن ماكس فيبر (11 و12)، ومحاضرتين عن يورجن هابرماس (13 و14) وأخيراً محاضرة واحدة عن كليفورد غيرتز (15)؛ أما القسم الثاني فيتعلق بموضوعة اليوتوبيا، ويتضمن ثلاث محاضرات، الأولى عن كارل مانهايم (16)، والثانية عن سان سيمون (17)، والثالثة عن موريس فورييه (18).

[4]– تعتبر النظرية الماركسية البنية الفوقية ملحقة بالبنية التحتية، وفي حال النظام الرأسمالي أو أي من أنظمة الاستغلال السابقة على الرأسمالية، فإن تشكلات البنية الفوقية (الدولة ومؤسساتها، الدين، الفلسفة، الإعلام، الفن، إلخ) كلها ذات طبيعة أيديولوجية، أي تشوه الحياة الحقيقية أو الممارسة، وما يحدث على أرضية الإنتاج من الاستغلال وسرقة فائض القيمة من العامل المنتج لها.

الاعتراض القوي الذي يثيره ريكور نفسه ضد ماركس، وهو أن مستوى البنية التحتية نفسه مشبع بالبنى الرمزية، حتى داخل الطبقة الطليعية المفترضة، وهو سبب التشويه، ولكن هذا مستوى أول من مستويات الأيديولوجية التي تلعب دوراً في إضفاء الشرعية، ودوراً ثالثاً في كل أدوار الكلام، أي في الثقافة الإنسانية كما يقول عالم الأنثروبولوجيا الأمريكية كليفورد غيرتز.

وبالتالي، من خلال مساهمة غيرتز، لا يستطيع ريكور فقط إثبات فرضيته عن الوساطة الرمزية للفعل، بل يمكنه أيضاً تصفية الاختلاف الماركسي الأساسي بين البنية الفوقية والبنية التحتية على أساس أن «الأنظمة الرمزية تنتمي بالفعل إلى البنية التحتية، إلى التكوين الأساسي للإنسان» (انظر الطبعة الفرنسية لكتاب ريكور الأيديولوجية واليوتوبيا، من منشورات سوي الفرنسية، 1997، ص: 341).

[5]– وهذا التطور سيحدث في الكتابات الماركسية المتأخرة.

[6]– كارل ماركس وفريدريك أنجلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب (دار دمشق، الطبعة الأولى 1976).

نقل هذا الكتاب إلى العربية بالاستناد إلى الترجمة الإنكليزية الصادرة من دار اللغات الأجنبية في موسكو عالم 1964 وإلی الترجمة الفرنسية الصادرة عن دار المنشورات الاجتماعية في باريسي عام 1968.

عدد صفحات الكتاب مع الفهارس 707 صفحة.

يشمل الكتاب المترجم إلى العربية:

– كتاب الأيديولوجية الألمانية 1845-1846. وقد اشترك ماركس وإنجلز في تأليفه في 1854-1846، وهو يتألف من مجلدين يبحث أولهما في نقد الفلسفة الألمانية بعد الهيغلية في أشخاص ممثليها فيورباخ وبوير وشترنر، ويبحث ثانيهما في نقد الاشتراكية الألمانية التي شاعت في ذلك الحين واكتسبت نفوذاً على بعض الفئات العمالية نقلاً عن بعض المثقفين الألمان، والتي أطلق عليها أصحابها، اسم: الاشتراكية الحقيقية.

– الاشتراكيون الحقيقيون. وهي دراسة حررها إنجلز في وقت لاحق، عام 1847، وتشكل استمراراً وتكملة للمجلد الثاني من الايديولوجية الألمانية.

– الفروض أو الأطروحات عن فيورباخ. وهي سابقة في وضعها على الأيديولوجية الألمانية، إذ يعود تاريخها الى ربيع عام 1845.

– فضلاً عن فقرات ونصوص أخرى ذات صلة مباشرة بـ الأيديولوجية الألمانية.

[7]– لذلك علينا أن نستخلص أن الأيديولوجيا هي أكثر الأمور تقاسماً وتشاركاً على الصعيد الاجتماعي، سواء بين الفئات المهيمن عليها أو الفئات المهيمنة، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة. تفكر الفئات المهيمن عليها تفكيرا أيديولوجيا (أو تنتج أفكاراً متخيلة) لأنها تعيش في ظروف اجتماعية لا تتيح لها عيش حياة محققة للذات ومكتملة؛ إذ تقترن الحياة الواقعية المحدودة والضيقة والمبتورة بالضرورة بأفكار متخيلة وغير ملائمة للواقع.

[8]– يتبنى ريكور تفكيكاً ثلاثي لوظائف للإيديولوجيا، إحداها – وهي الأولى في ترتيب العرض وليس بالأهمية – هي وظيفة التمويه، كما عبر عنها ماركس في مؤلفات مرحلة الشباب؛ والثانية، وظيفة إضفاء الشرعية، وفقا لعلم الاجتماع التأويلي لماكس فيبر؛ والثالثة، وظيفة التكامل والدمج، وفقا لأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز.

[9]– وهذا هو الدور الذي كشف عنه كليفورد غيرتز (1926 ـ 2006) في كتابه: تأويل الثقافات (1973):

Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York : Basic Books, 1973.

والكتاب مترجم إلى اللغة العربية:

كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات: مقالات مختارة، ترجمة د. محمد بدوي ومراجعة الأب بولس وهبة (مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 2009).

عدد صفحات الكتاب 879 صفحة مع الفهارس.

يعتبر غيرتز أن الإيديولوجيا (أو المهمة الرئيسة لها) تعمل من داخل النظام الثقافي، أو باختصار: الإيديولوجيا كنظام ثقافي في سياق الاجتماعيات الحديثة التي تستعمل بكثرة مفهوم المخيال الاجتماعي ومفهوم السردية.


الكاتب د. فارس إيغو

د. فارس إيغو

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة