سورية… استعادة الروح

img

العربي الجديد – 14 مايو 2026

هل الروح السورية اليوم كما كانت عليه من توافق ومواءمة؟ المدقّق لا يراها كذلك، ولكن هل يمكن استعادتها، وكيف؟ سؤال مطروح على السوريين، ولا يعني المفاضلة بين الحاضر وما كان عليه الحال، كما لا يعني أنّ الوضع سابقاً كان أفضل ممّا هو عليه الآن، بل إنّ نظاماً دام 54 عاماً على منوال واحد تطلّبت الحياة إزاحته، فأزيح، وقد تكون أسباب إزاحته كثيرة، ولعلّها في غالبيتها موضوعية، أهمها أنّ النظام كان فردياً مطلقاً، ومن الطبيعي أن يستدعي الحال استبداله على نحو انقلابي، بعد أن فقدت سورية تقاليدها الديمقراطية التي كانت عليها في خمسينيّات القرن الماضي حتى بداية الستينيّات منه، أي منذ مجيء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، إذ أفسدها خلال 54 عاماً.

يجب الاعتراف المتبادل بالمعاناة الواحدة، فلا يمكن بناء مصالحة وكلّ طرف يرى نفسه ضحيةً وحيدةً

صحيح أنّ الحكم السابق اعتمد نوعاً من التشاركية بين قوى سياسية كانت قائمة، ووفق حضور نسبي لها، لكنّها تشاركية اسمية لا فعّالية لها في القرارات الحاسمة، ما يعني أن هدف مشاركتها هو الاحتواء لا غير. فالتغيير الذي حدث منذ ثلاثين شهراً مطلوب منه اليوم إجراء مصالحة وطنية بين السوريين كافّة، فقد جرت حوادث هنا وهناك كادت تُحدث خلخلة في بنية المجتمع السوري، وأخطرها لا يزال قائماً أو نائماً، ولعلّ المطلوب اليوم مصالحة فعلية تردم الهوّة بين السوريين، وتسمح لهم بتشاركية فعلية فيما بينهم أولاً، وفيما بينهم وبين الحاكم، وفق عقد اجتماعي واضح ومعلن.

النظام المتفرّد، وعلى الرغم ممّا يلاقيه من تأييد نسبي، لا يسمح للتشكيلات الاجتماعية بالتعبير عن نفسها، ولا عن متطلّبات المجتمع عبر تشكيل أحزاب سياسية ومنتديات اجتماعية، لقد سئم المجتمع السوري سياسات الحزب الواحد، والفرد الواحد، والرأي الواحد، وذلك كلّه أوجد هوّة بين الحاكم والمجتمع أثّرت فيما يمكن تسميته “العقد الاجتماعي” الذي يفترض تجديد الحياة السياسية وثقافتها، إذ لا بدّ من تآلف بين الدولة والمجتمع، ولعلّ ذلك يجيء عبر مصالحة وطنية فاعلة، ومن خلال مشروع دائم يؤلّف بين طرفي هذا العقد الاجتماعي، إن كان ثمّة عقد. فالسوريون اليوم لا يعانون آثار الحرب فقط، بل تلامس معاناتهم تآكل الثقة، وانهيار فكرة الدولة الجامعة، والخوف المتبادل، والشعور بأنّ كلّ جماعة تُركت وحيدة لمصيرها، لذلك أي مصالحة فعلية لا بدّ أن تبدأ من إعادة الاهتمام ببناء الضمير الوطني على أسس المواطنة المتساوية بين السوريين، وبين حاكمهم ومحكومهم، من خلال سلطة تداولية وفق قوانين وأنظمة تراعي مصالح أبناء الوطن الواحد، وبعيداً عن أي أيديولوجيا تأخذ الحال الوطنية من مواقعها الفعلية. وهذا لا يكون إلا بمساعٍ سورية تصالحية على المستويات كافّة. فأولاً، يجب الاعتراف المتبادل بالمعاناة الواحدة، فلا يمكن بناء مصالحة وكلّ طرف يرى نفسه ضحيةً وحيدةً، فقد دفع السوريون جميعهم أثماناً باهظة من القتل والتهجير والاعتقال والفقر وفقدان الأمن، وأحياناً بانهيار الحياة بكاملها. والاعتراف المتبادل لا يعني تبرئة أحد، بل يعني الاعتراف بأنّ الوطن كلّه قد نزف، وهذه نقطة أساسية لاستعادة الحدّ الأدنى من الإنسانية المشتركة.

كما لا بدّ (ثانياً) من الفصل بين العدالة والانتقام، فـ”المجتمعات الخارجة من الحروب لا تستقرّ عبر ثأر مفتوح، ولا عبر نسيان قهري، بل عبر نوع من العدالة الانتقالية التي تكشف الحقيقة وتحاسب على الجرائم الكبرى”، من دون تحويل البلاد إلى ساحة تصفية مستمرّة، فالانتقام يطيل الحرب بصور جديدة، أمّا العدالة فتفتح أبواباً مقفلة بين الدولة والشعب. إنّ دولة الغلبة لا المواطنة، أحد الأسباب التي تجعل احتمال انفجار سوري أمراً واقعاً، ففي قطاعات واسعة هناك شعور بأنّ الدولة ليست ملكاً لجميع السوريين، إذ تحتاج المصالحة الفعلية إلى دولة يشعر فيها المواطن السوري بتنوّعه القومي والديني والطائفي، الريفي والمديني، بأنّ الحلّ ليس في المساواة السياسية فحسب، بل إنّ الأمر بنيوي يتعلّق بطبيعة بناء الدولة، لا عبر تقاسم وظائفها، بل في النظر إلى شاغلي وظائفها. يجب إعادة الاعتبار للهُويّة السورية الجامعة التي تخلخلت في سنوات الحرب، فتقدّمت الهُويّات الصغيرة على حساب الهُويّة الوطنية، وصار المواطن يحتمي بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الفصيل، وغدت بداية المصالحة الفعلية في التعوّد على فكرة أنّ سورية فكرة جامعة لا مجرّد جغرافية متباعدة، ما يحتاج إلى خطاب ثقافي وتعليمي وإعلامي جديد لا يقوم على التخوين والكراهية… ذلك كله يُحقق من خلال إجراءات لها أهميتها، وأوّل ما تتجلّى به هو تحسين الواقع المعاش، فلا يمكن لمصالحة أن تستقرّ كلّياً والجوع يوجع الشعب، وخصوصاً إذا ما رافقه انهيار اقتصادي. الإنسان المنهك يبحث عن النجاة أوّلاً، وبعد ذلك تبدأ الروح الوطنية لديه بالاستيقاظ.

فقدت سورية “الروح المشتركة” التي يشعر الناس معها بأنّهم ينتمون إلى مصير واحد

…. ومن هنا، فأي مشروع وطني يحتاج إلى إعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وذلك عبر إيجاد فرص عمل جديدة، ومحاربة الفساد، وإعادة الخدمات الأساسية، فالاستقرار الاجتماعي شرط أساس للمصالحة التي لا تأتي من مشاركة النُّخب فحسب، بل لا بدّ من مشاركة المجتمع.

لقد فشلت مصالحات عربية كثيرة حين جاءت وفق اتفاقات فوقية، أطرافها قوى سياسية وعسكرية، وربّما يختلف الحال في سورية، إذ المطلوب إشراك المجتمع نفسه: مثقّفين، ووجهاء، ورجال دين، وأساتذة جامعات، ونساء، وشباب، بالإضافة إلى فعّاليات مدنية متنوّعة، فالمصالحة الفعلية تشرك المستويات الاجتماعية كلّها، ولا تقتصر على أعلام السلطة السياسية. كذلك لا بدّ من خطاب سياسي جديد، فسورية لا تحتاج إلى لغة جديدة فحسب، بل إلى لغة لا تقوم على ثنائيات متضادّة مثل “منتصر/ مهزوم” أو “وطني/ خائن”، بل على فكرة: كيف ننقذ ما تبقّى من الدولة والمجتمع؟ لأنّ استمرار عقلية الإلغاء يستجلب الضدّ أيضاً، ما يجعل الهدوء القائم اليوم مؤقّتاً.

ولعلّ المشكلة الأعمق هي أنّ سورية فقدت “الروح المشتركة” التي تجعل الناس يشعرون بأنّهم ينتمون إلى مصير واحد. وقد لا تعود هذه الروح بالقوة، بل عبر العدالة والكرامة والشعور بالمشاركة والأمل بالمستقبل، لذلك يمكن القول إنّ المصالحة الوطنية في سورية ليست حدثاً سياسياً واحداً، بل هي مسار طويل لإعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة، وبين السوريين أنفسهم، وبين المجتمع وفكرة الوطن نفسها.


الكاتب محمود الوهب

محمود الوهب

كاتب وصحفي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة