حالة من التوهان السياسي، والاضطرابات، وبعض من الفوضى الإقليمية، وفي النظام الدولي والصراعات، مع بعض مؤشرات تحوله النسبي في مواقع القوة، مع الثورة الصناعية الخامسة وعالم التحول إلى ما بعد الإنسانية. في ظل هذه الأجواء، تجلت انكشافات الدولة الوطنية، وهشاشتها المؤسسية ما بعد الاستقلال، وتفكك ووهن مفهوم الوطنيات السلطوية ما بعد سايكس-بيكو، والأنظمة الشمولية، والتسلطية العربية، وانقلاباتها العسكرية، وصحوة الهويات العرقية واللغوية والمناطقية والقومية والقبلية والعشائرية، باستثناء مصر والمغرب، ونسبياً تونس.
الهشاشة والضعف المؤسسي مرجعهما عديد من الأسباب، يمكن إيراد بعضها فيما يلي:
1- الطبيعة السياسية الشمولية والسلطوية للأنظمة السياسية التي أسسها آباء الاستقلال وخلفاؤهم، والتي اتسمت بمركزية السلطة عند قمة النظام، وفوائضها عند مراكز القوة حوله، ودمج السلطات الثلاث، وعدم الفصل وظيفياً وفي توزيع القوة فيما بينها. ترتب على ذلك أن الوثائق الدستورية باتت محض أداة وظيفية تُستخدم وفق إرادة الحكم، وغدت محض أحد أشكال رمزية الدولة، مثل العلم والنشيد الوطني، ومن ثم لا تُطبَّق غالب نصوصها في الواقع الموضوعي، وتحولت المجالس النيابية إلى فضاء لعضوية الموالين للحاكم والحكم وأصوله العائلية والعشائرية والقبلية، ولمراكز القوى حوله.
2- شخصنة الدولة والنظام والسلطات، وأصبحت كل سياسة وبرنامج اقتصادي واجتماعي وقرارات سياسية تُنسب إلى الحاكم، أياً كان ملكاً أو أميراً أو شيخاً أو رئيساً، لا سيما في بعض المجالات الاجتماعية، في المعاشات أو رفع بعض القيود الدينية والاجتماعية عن حرية المرأة في قيادة السيارات الخاصة دون محرم، أو ارتيادها المقاهي والأماكن العامة، على نحو ما كان سائداً في السعودية قبل ولي العهد الحالي.
في بعض الدول العربية الأخرى، يسراً وعسراً، يتم التركيز على بعض حقوق المرأة في مواجهة الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية والسلفيين، ونسيان تمدد الثقافة الدينية الشعبية في أوساط اجتماعية شعبية ومتوسطة، وأن هذا التمدد للذكورية الإسلاموية الوضعية والشعبية مرجعه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في دول العسر، وفشل السياسات الدينية والتعليمية والثقافية في مواجهة هذا النمط من الذكورية الدينية الوضعية، وأيضاً لغلق المجال العام السياسي، وقمع الحريات العامة، والتمدد السلفي والإسلامي السياسي وسط المجتمع بهدوء، ودونما علامات سياسية ظاهرة!
وذلك في ظل التغيرات التي حدثت بعد فشل مراحل الانتقال السياسي، وصعود الشعبوية السلطوية وتوظيفها المكثف للدين في مواجهة الإسلام السياسي، وقمع الحريات العامة، والعودة إلى دمج السلطات لصالح السلطة التنفيذية.
3- تمدد شخصنة السلطة مرجعه إلى غياب الثقافة المؤسسية، بالنظر إلى هيمنة الثقافة الانقسامية داخل مكونات المجتمعات العربية، يسراً وعسراً، ومعها المعتقدات والأعراف المشتركة والإدراك الذي يؤثر على تفكير القادة والعاملين في الوظائف الحكومية والبيروقراطية، وعلى سلوكهم الوظيفي، وهو ما يتم نقله وتوارثه عبر التنشئة الاجتماعية والوظيفية داخل مجال العمل، وفق قاموس أكسفورد.
من هنا، انتقل الانقسام الداخلي إلى داخل الوظائف العامة والحكومية، بل وأجهزة القمع المشروع، الأمنية والاستخباراتية، في المشرق العربي ودول الخليج والسودان وليبيا والجزائر وموريتانيا.
4- تأثير الانتماءات الدينية والمذهبية وعلاقات القرابة في المعايير الضمنية وغير المعلنة للتجنيد للوظائف العامة، وتوريث المهن والوظائف والترقي داخلها، وفقاً لمعايير الزبائنية السياسية والمحسوبية، بل وسطوة ظواهر الفساد الوظيفي، كالرشوة في تعيينات بعض الوظائف، أو عبر آليات الترقي داخلها للإعلاء من شأن بعضهم.
ومن ثم، أدى ذلك إلى لامبالاة «المواطنين» بالمعايير القانونية والمؤسسية، واعتبارها محض شعارات فارغة لا تُطبَّق، ومنها معايير تكافؤ الفرص والمساواة، وهو ما أدى إلى فجوات إدراكية بين المواطن والدولة ومؤسساتها، وأنها ليست دولته الواحدة، وإنما دولة المزايا الطبقية والعائلية والقبلية والدينية والمذهبية عند قمة النظام الاجتماعي ومؤسسات الدولة.
5- تشكُّل ثقافة مضادة للمؤسسية، من خلالها تشكّلت مبادئ وقواعد لا أخلاقية من المعتقدات العميقة وغير المكتوبة داخل أفراد وعمال كل مؤسسة أو جهاز بيروقراطي، تكرّس الموالاة والنفاق للترقي إلى أعلى أو للحصول على مواقع أفضل، أو للمكافآت على بعض الأعمال، أو تعيين الأقارب والمحاسيب، أو شرعنة الفساد دينياً وأخلاقياً، بدعوى عدم كفاية الأجور لسد الاحتياجات، أو أنها حالة عامة، والقيام ببعض الطقوس الدينية، كالصلاة وغيرها، للتكفير عن سيئات الرشوة، أو النفاق بدعوى أنها من الضرورات في بيئة العمل الحكومي.
6- الشخصنة في العمل ظاهرة عامة في الأحزاب السياسية الحكومية والمعارضات الهشة حول زعيم الحزب ومواليه، وأيضاً هي جزء من مفاهيم شيخ القبيلة والعِشرة والعائلة الممتدة، ومن ثقافة الذكورية السياسية والبطريركية داخل بنيات المجتمعات العربية، والتمايزات الاجتماعية داخل كل مكوّن من مكوناتها الداخلية وجماعاتها.
7- امتدت ثقافة شخصنة المؤسسات كامتداد بيروقراطي للشخصنة السياسية العليا، وهي عامة وذات علاقة بالتراتبية الاجتماعية، وجزء من ثقافة الاستعلاء القبلي والطبقي والعرقي والمذهبي والسلطوي، وخاصة مع بعض النظم العسكرية الانقلابية في تاريخ المنطقة، في السودان وليبيا والجزائر واليمن وسوريا والعراق.
وتصاعدت على أسس ومعايير مذهبية في أعقاب انهيار نظام صدام حسين، وتأسيس الصيغة الثلاثية لتوزيع السلطات، ما بين رئيس كردي، ورئيس للبرلمان سني، ورئيس للحكومة شيعي، وانتشار الفساد السياسي المذهبي، وتأثير الميليشيات المسلحة السلبي على الدولة ومؤسساتها.
الخروج على القواعد والمعايير المؤسسية القانونية والإدارية يتجلى في الدول العربية في اختيار قادة المواقع القيادية الأساسية بناءً على الموالاة والانتماء الديني والمذهبي والطائفي والقبلي، والقاعدة الاجتماعية لمن يختارون الشخصيات لهذه المواقع، وانتماءاتهم الأساسية!
8- تشكُّل عُصَب المصالح داخل غالب الأجهزة الحكومية والبيروقراطية، وتنافساتها من أجل مصالحها وتعظيمها، ومعها قوة العصبة المصلحية داخل مستويات الهيراركية الإدارية. وغالباً ما تتصارع مثل هذه العصب المصلحية مع أخرى في ذات المستوى الأعلى أو المتوسط، وتمتد إلى الأدنى.
تمثل هذه العصب المصلحية عائقاً أمام صعود الكفاءات واستبعادها. وشكّلت عصب المصالح، ولا تزال، عقبة في سلوكها إزاء أداء الخدمات للمواطنين وتعقيد حصولهم عليها، من خلال تأويلاتها للوائح والقرارات، بل النصوص القانونية، وأحياناً إعاقة تنفيذ أحكام المحاكم!
9- التغيير في المواقع الوزارية في عديد من البلدان العربية يؤدي إلى تغييرات في قيادات المؤسسات التابعة لكل وزير، وتغيير من يعملون معه، وإسناد تلك المواقع إلى آخرين، بغض النظر عن الكفاءة، وإنما بناءً على معايير شخصية لا مؤسسية.
10- تدخل المعايير الأمنية والاستخباراتية في غالب البلدان العربية في اختيار القيادات العليا وعلى المستويات الوسيطة في بعض المؤسسات. وهي معايير تعتمد في بعض هذه الدول على من يعملون معها، بغض النظر عن الكفاءة وتوافر شروط شغل هذه الوظيفة القيادية أو غيرها من الوظائف.
11- من مظاهر غياب المؤسسية، النفوذ السلطوي والسياسي والاقتصادي لأسر وعائلات وأقارب الحكام في دول العسر، ومعهم بعض ذوي السلطة والنفوذ، على نحو ما ظهر في الجزائر والدور الذي لعبه أخو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الأصغر، سعيد بوتفليقة، مع مرض الرئيس في عام 2014، وتسيير شؤون الدولة باسم الرئيس. وقد اعتُقل في 14 مايو 2019، وحُكم عليه بالسجن 15 عاماً.
ومن الأمثلة أيضاً ولدا صدام حسين وبعض أقاربه، وابن الشيخ حسن الترابي، وأسرة عمر أحمد حسن البشير في السودان، وجمال وعلاء مبارك في مصر، وآخرون، ناهيك عن أسر وعائلات الملوك والأمراء والمشايخ في دول النفط ممن هم خارج المواقع الرسمية.
غياب الثقافة المؤسسية، سواء في بناء المؤسسات العامة والأجهزة الحكومية والبيروقراطية في دول ما بعد الاستقلال، ساهم في إضعاف الدولة والوعي الاجتماعي والسياسي بها داخل أنسجة مكوناتها الأساسية الطائفية، كما في لبنان، أو الدينية والمذهبية والمناطقية والعرقية والقومية، كما في سوريا والعراق والسودان وليبيا، أو اللغوية، كما في السودان والجزائر والمغرب.
اعتمدت الدولة على الأجهزة التي تحتكر القوة، وهي الجيوش وأجهزة الأمن العام والسياسي والاستخبارات، التي اعتمد تشكيل بعضها على معايير الانتماء العائلي، كما في الدول الملكية والأميرية والمشيخية، وفي بعضها الآخر على معايير ذات طابع شخصي، باستثناء بعض الدول القومية مثل مصر والمغرب.
الثقافة المضادة للمؤسسية تمددت في المنطقة العربية، كعلامة أيضاً من تجليات ظواهر موت السياسة، وغياب فاعلية دولة القانون والحق، وسيادة الدستور في التطبيق، على مستوى القيم والإدراك والسلوك السياسي والبيروقراطي والأمني.
من هنا، كان غياب ثقافة الدولة والمؤسسات الجامعة للجماعات التكوينية لكل مجتمع ودولة ونظام سياسي أحد أبرز عوامل انهيار الدول في العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا، في ظل الانقسامات الداخلية والحرب الأهلية التي أدت إلى تفاقم الانقسامات والنزاعات، في ظل مشروعات غائمة وشبحية للأطراف المتحاربة والمتصارعة حول بناء الدولة والمؤسسات الجامعة، ووطنيات ما بعد نهاية سايكس-بيكو بمنطقها وحدودها، وهو ما يبدو فيما وراء الغيوم السابحة في فضاءات الإقليم المضطرب.
