حديث السوريين.. ما له وما عليه

img

تحت عنوان «اللاذقية: حكاية ثورة ورحلة بناء» استقبلت المدينة يوم الجمعة 16/10/2026 فعالية حديث السوريين السابع، بمحبة غامرة زادها وفرة وجمالاً مطر غزير، وصل البحر بالسماء، ولم يبارح سوى فترات قليلة سمحت للقادمين بالتعرف على الأماكن الثائرة، وزيارة قوس النصر، وقبلها بلدة «سلمى» التي ما يزال الكثير من بنياها يشهد على وحشية النظام البائد والحاقد على بلد أنهكته سنوات الحرب وتعمقت فيه الانقسامات.

ولدت مبادرة (حديث السوريين) بوصفها محاولة لفتح مساحات اللقاء والتعارف والحوار بين السوريين من خلال اجتماعات شهرية، تجمع أشخاصاً يتبادلون التجارب والأفكار.

مجرد استمرار هذه اللقاءات وانتقالها بين المدن السورية، يمثل أمراً يستحق الاهتمام، فالسوريون الذين فرقت بينهم الحرب والخوف والذاكرة المثقلة بالألم، يحتاجون إلى مساحات يستطيعون رؤية بعضهم بعضاً خارج الصور النمطية والأحكام المسبقة، وأن تنتقل مساحة التعارف إلى مساهمة فعلية في استعادة النسيج الاجتماعي السوري.

لعل القيمة الأولى للمبادرة تكمن في فرصة اللقاء وكسر الجمود والجدران التي رفعتها الحرب، ومحاولة تذليلها قبل أن تغدو مواقف سياسية متصلبة وأحكام وتصنيفات على أسس مناطقية أو دينية أو قومية، في مقابل إعلاء فكرة الإنسان الذي يجب أن يكون هو نفسه نقطة البداية في التعارف والحكم.

في مثل هذا المناخ يصبح اللقاء المباشر ضرورة اجتماعية منتجة، لا مجرد نشاط ثقافي أو ترف فكري. عندما يجلس سوري من مدينة ما إلى جانب سوري من مدينة أخرى ويتحدثان عن تجاربهما ومخاوفهما وتطلعاتهما، فإنهما يتيحان فرصة اكتشاف ما يتجاوز الاختلافات الظاهرة بينهما، وقد يكتشف كل منهما أن الآخر الذي كان يراه من خلال صورة عامة أو موقف سياسي يحمل بدوره آلاماً وأسئلة وآمالاً مشتركة، وهذا ما حصل لمجالسنا الجبلاوي الذي عاد إلى وطنه بعد أكثر من أربعين عاماً من الاغتراب، إذ بدأ حديثه بقناعات تقريرية وبحمولة عاطفية وانفعالية كبيرة، ثم ما لبث أن خفت نبرته في نهاية نقاش ولقاء جانبي على طاولة جمعت سوريين من دمشق والسويداء واللاذقية وحلب، انتهت بتبادل أرقام الهواتف، وسرد مختلف على لسان الشخص نفسه لنقاط إيجابية حصلت معه ذات يوم كان قد طواها الألم والشحن المعمم.

هنا تكمن أهمية المبادرة في إعادة الإنسان إلى مركز العلاقة بين السوريين بعد أن طغت عليها التصنيفات والانتماءات، ومع ذلك فاللقاء وحده لا يكفي، فقد يجتمع المختلفون في مكان واحد، ثم يغادر كل منهم كما جاء، محتفظاً بأحكامه القديمة، لذلك فإن القيمة الحقيقية ليست في جمع الناس حول طاولة، بل في مساعدتهم على تعلم الحوار والإصغاء إلى بعضهم بعضاً، وفهم أسباب اختلافهم، والقدرة على مراجعة بعض أفكارهم.

لا شك أن هناك مجموعة من الجوانب الإيجابية في تجربة «حديث السوريين» يأتي في طليعتها، كسر العزلة وفتح قنوات التواصل، لأن استمرار هذه اللقاءات بصورة دورية يمكن أن يسهم في توسيع دوائر التعارف وخلق علاقات جديدة بين أفراد ينتمون إلى بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ويمكن أن تشكل أساساً لشبكات تعاون وتضامن وعمل مشترك مستقبلاً، كما أن ذلك سيطور ويحيي ثقافة الاختلاف. فبعد سبعة لقاءات لهذه المبادرة يصبح من المشروع مساءلتها عما تراكم لديها من خبرات ومهارات، بهذا الخصوص وحضها على السعي لتطويرها وتلافي الأخطاء البشرية والتقنية، بنقل الحوار من شكله الخطابي التقليدي الذي جرى بالأمس إلى فضاء آخر قوامه تحرير آليات التفكير من الأدلجة وبناء ثقافة الإنسان الحر في التفكير والنقد الخلاق. لأن المبادرات المجتمعية لا تقاس بنوايا أصحابها ولا بعدد اللقاءات وإنما بما تنتجه فرص التواصل من معرفة متبادلة، وما تحدثه من أثر في المجتمع.

من هنا يجب عدم الاكتفاء بالاحتفاء بالمبادرة، دون أن يعني ذلك التقليل من أهميتها، بل مساعدتها على تخطي عثراتها وتجاوز نفسها نحو الأفضل وهذا لا شك هاجس القائمين عليها، فالمبادرة عموماً شأنها شأن السوريين الذين يتدربون ويتعلمون للوصول إلى البناء الأمثل وهم يحملون إرث الماضي وحكايات الثورة، ويتقاوون على جراحاتهم بالتعاضد والمساندة كما بقايا جدرانهم في البلدات المدمرة، تتكئ على ظلالها، وهي تحمل شعارات لفتتني في بلدة سلمى وقد كتبت بخط أسود وربما على عجل أو بلحظة يسهل فهم الشحنة والبيئة التي أنتجتها. مثل «ما نسيناكم ما نسيناكم، رح نصفيكم» أو «سأفعل ما أريد وأقول ما أريد فوق كل ما لا يريد» وعلى مسافة من هذه الكتابات ترى شعاراً مذيلاً بتوقيع جماعة أنصار السنّة «لا اله الا الله محمد رسول الله» وعلى مقربة منه شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» على بقية جدار، يشهد على مرحلة ماضية لم يعد يهتم به أحد، حتى لطمسه أو محوه.

ختاماً ليس كل لقاء حواراً، وليس كل حوار تغييراً، لكن لا تغيير حقيقياً دون أن يتعلم الناس كيف يتحاورون، وكيف يقطفون ثمار حواراتهم أثراً مفيداً وارتقاءً ومهارات يسوسون من خلالها مجتمعهم، ويضعون الأسس المتينة لدولة التعايش والسلم والتنمية، دولة القانون والعدالة والمواطنة المتساوية.


الكاتب هيثم سليمان

هيثم سليمان

كاتب سياسي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة