هاوية الهويات

img

لا يقتصر ما يحدث اليوم في سورية على خلافات سطحية حول المواقف أو مطالب محدودة، بل يعكس صراعاً مركباً حول الهوية، صراعاً ينبع من تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة، تتقاطع مع ضعف إدارة المجال العام، وانعدام آليات الضبط المؤسسي الفعّالة. هذا الفراغ المؤسسي ليس مجرد ثغرة عابرة، بل أصبح بيئة خصبة تستغلها أطراف معينة، راديكالية ومندفعة، تدفع المجتمع – سواء عن علم أو جهل – نحو حافة الانقسامات والصراعات، مستفيدة من هشاشة التوافق الوطني وضعف الضبط الرسمي. الفجوات التي خلقتها السلطة، عبر تهميش النقاش السياسي الحقيقي أو عدم تنظيم المجال العام، تركت مساحة واسعة للفوضى الرمزية، حيث بدأت الفئات الأكثر اندفاعاً واحتكاراً للمظلومية، ومن ثم الهويةـ والتمثيل، بالتمدد على حساب بقية المجتمع.

في هذا المناخ، يميل المزاج العام لكل مجموعة، سواء من الأغلبية أو الأقليات، دينية كانت أم عرقية، أم غير ذلك، إلى تعزيز تصورها الخاص للهوية والواقع. كل فئة تستند إلى سرديتها الخاصة، عن بنيتها، تاريخها، عن مظلوميتها أو إلى دعم سياسي واجتماعي متاح، فتتكاثف النزاعات الرمزية إلى صراعات قابلة للتصعيد. هذه الديناميكيات لا تمثل مؤامرة مخططة، لكنها تراكم طبيعي للانقسامات الداخلية، حيث يصبح الفراغ المؤسسي ملعباً خصباً لكل رأس مندفع، يدفع بخطابات الانقسام وصدام الهويات، ويزيد هشاشة المجتمع ويجعل إدارة المجال العام تحدياً مستمراً ومعقداً، ربما أكثر مما يمكن لأي سلطة أن تحجمه أو تضبطه دون وعي كامل بطبيعة هذه التراكمات.

داخل الأغلبية السنية، الكتلة الأكبر ديموغرافياً، الواقع أكثر تعقيداً مما يلمحه الخطاب العام أو الادعاءات بالتمثيل الشامل. هذه الأغلبية لم تكن يوماً كتلة مسمطة، ولا تياراً موحداً، بل شبكة متشابكة من الانقسامات والانتماءات، والتباينات التي تنسجم مع بنية المجتمع السوري عموماً فنجد فيها: أشاعرة، ماتريدية، تيارات صوفية تقليدية مثل القادرية، النقشبندية، الشاذلية التي اختارت الانكفاء عن السياسة، تيارات سلفية دعوية غير سياسية، سلفية جهادية متأخرة الظهور، والتيار الإخواني الذي بقي محدود القدرة على احتكار التمثيل. إلى جانب ذلك، تتوزع التيارات الفكرية والسياسية: الليبرالي–الوطني المديني، البرجوازي التجاري غير المؤدلج، القومي العربي، التيار الناصري، القومي السوري، اليساري/الشيوعي، واليسار الديمقراطي بأجنحته المختلفة. ويمكن أن نضيف أيضاً التوزع الاجتماعي، الطبقي، والقبلي، والمناطقي، التي ساهمت بنسب أقل. كل هذه التيارات والمؤثرات ساهمت في تشكيل الوعي السياسي وصياغة مفاهيم الدولة والسلطة والصراع، وشاركت في تكوين صيغة الهوية والانتماء داخل بنية هذه الأغلبية.

مع اندلاع الثورة وسقوط النظام، ظهرت أطياف جديدة من التيارات الليبرالية، اليسارية، والإسلامية داخل الأغلبية السنّية، وكان لها أثر ملموس على التوجهات السياسية والاجتماعية، حتى مع اصطدامها بفئات أكثر اندفاعاً واحتكاراً للمظلومية، ترى نفسها ممثلة لكل السنّة، مستندة إلى السلطة الجديدة باعتبارها “سلطة سنّية”. وأي حديث عن حياد الدولة أو مساواة الوزن السياسي بين هذه الفئات يُفسر على أنه تهديد وجودي، فهذه الفئات لا تدرك أن الدولة المعاصرة ليست ميداناً للغلبة، بل يجب أن تكون نتاج توافق، وأن فرض أي تصور منفرد على المجال العام يؤدي بالضرورة إلى صراع طويل الأمد، حيث تتحول الهويات الرمزية إلى أدوات للتصعيد السياسي والاجتماعي، ويصبح الانزلاق نحو الفوضى حتمياً إذا لم يتم ضبط المجال العام بطريقة واعية.

على الجانب الآخر، لدى الأقليات، المشهد يتكرر بطريقة مماثلة، مع خصوصيات تختلف باختلاف التركيبة الديمغرافية والاجتماعية لكل فئة. هناك تيارات فكرية وسياسية متعددة، نخب وجماعات اجتماعية متنوعة، وكل منها يسعى للتمثيل والسيطرة الرمزية. ومع الثورة وهزيمة النظام، ظهرت فئات محددة أكثر اندفاعاً واحتكاراً للمظلومية، تصدر نفسها اليوم باعتبارها حامية حقوق الأقليات، مستثمرة أي تهديد خارجي أو شعور بعدم التمثيل لتوسيع نطاق السيطرة الرمزية والسياسية، دون أي اعتبار لتوازن المجتمع ككل أو لحاجة الجميع لإطار جامع للتعدد.

هكذا تتضح آلية صراع الهويات في سورية: الأطراف الأكثر اندفاعاً واحتكاراً للمظلومية تسعى للهيمنة، بعض فئات الأقليات تلجأ إلى استقواء خارجي، والمجال العام يتحول إلى ساحة تصادم مستمرة. الاختلافات الرمزية والفكرية تتحول إلى أدوات تصعيد، والخلاف هنا ليس مجرد مصالح مادية قابلة للتفاوض، بل يتعلق بالرموز والمعاني: الدين، الأخلاق، نمط الحياة، تصور الخير والشر. هذا الصراع أعمق وأشد قابلية للتصعيد لأنه يمس جوهر هوية الأفراد والجماعات، ويحدد شكل المجتمع ومستقبل التوافق الوطني، وليس مصالحاً عابرة يمكن توزيعها أو التساهل بشأنها.

النتيجة واضحة ومرعبة في الوقت ذاته: الهوية الوطنية تتحول إلى أداة إقصاء، التنوع يصبح تهديداً، والمجال العام يتحول إلى ساحة مواجهة مستمرة، والدوامة التصاعدية للصراع الرمزي تصبح شبه حتمية. هنا تتجلى المسؤولية الكبرى للسلطة القائمة، التي لم تتصرف كسلطة مؤقتة، ولم تعترف بأن مهمتها الأساسية في المرحلة الانتقالية هي إدارة شؤون البلاد وتنظيم المجال العام، سعياً نحو إعادة إنتاج التوافق الوطني وإرساء قواعد العمل السياسي المؤقت.

على العكس، وعلى نهج النظام السابق، فرّغت السلطة الساحة من أي جدل سياسي جدي وحقيقي، ولم تسع لتنظيم المجال العام، لا عبر حوار وطني موسع، ولا عبر تشريع مؤقت للعمل السياسي. ولا عبر منظومة سلطة توافقية تدير المرحلة الانتقالية، هذا الإهمال – المتعمد – أنتج الفراغ الذي امتلأ بصراع الهويات المركب، وفتح الطريق للانتهازيين والفئات الادعائية للسيطرة على الخطاب الرمزي والسياسي، وضغط على كل الأطراف الأخرى. الفراغ المؤسسي إذاً لم يكن مجرد غياب، بل أصبح عاملاً حاسماً في تكريس الانقسام، وفي تحويل الاختلافات الرمزية والفكرية إلى أدوات تصعيد مستمرة.

لو أدركت السلطة طبيعة دورها كسلطة مؤقتة، وحافظت على المجال العام كفضاء للتعدد، وأشرفت على حوار وطني شامل يشمل الجميع باعتبارهم أطيافاً سياسية، وليس طوائف أو إثنيات، لكنا اليوم قد سحبنا البساط من تحت الفوضويين، وحققنا الكثير من التوافقات الوطنية الضرورية، وأوقفنا تصاعد الصراع الرمزي قبل أن يتحول إلى دوامة مفتوحة تقود البلاد إلى الهاوية.

الدرس القاسي هو أن صراع الهويات ليس مجرد نزاع رمزي أو سياسي، بل مرآة لفشل السلطة في دورها الضابط والمؤقت. دون هذه البوصلة، ستستمر الفئات المنفلتة داخل كل مجموعة في ادعاء التمثيل المطلق، وسيظل المجال العام ينزلق إلى صراع دائم، والهوية الوطنية تتحول من إطار جامع للتعدد إلى أداة تفكيك المجتمع. سورية اليوم أمام لحظة حرجة: إما أن تعيد السلطة إدراك دورها كخادمة للتوافق الوطني، أو تبقى البلاد ساحة مفتوحة للانتهازيين والفئات الادعائية، حيث تصبح الهوية أداة صراع، لا مشروع وطني.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة