اليسار العربي خارج التاريخ: مالعمل؟
جريدة المغرب – 23 فبراير 2026
خالد الكريشي
لم يعد اليسار العربي قوة فاعلة في المشهد السياسي كما كان، بقدر ما أصبح شاهدًا عليه. ففي الوقت الذي يتصدر فيه الإسلام السياسي، بمختلف تياراته وأنواعه وتفرعاته، صناعة الأحداث وتحديد موازين القوة، يبدو اليسار العربي، بشقيه القومي والشيوعي، موزعًا بين موقع المتفرج وموقع المعلّق، أو منخرطًا في اصطفافات ظرفية إلى جانب أحد شقي الإسلام السياسي، سنّيًا كان أم شيعيًا، لا تعكس مشروعًا مستقلًا بقدر ما تعكس محاولة للبقاء على هامش صراعات الآخرين. هذه الحالة ليست طارئة، بل هي نتيجة مسار طويل من التراجع الفكري والتنظيمي وسوء التقدير السياسي.
بدأت الأزمة حين فقد اليسار أرضيته الدولية بسقوط المعسكر الاشتراكي، لكنه لم يعوّض ذلك بإعادة تأسيس مشروع واقعي يناسب التحولات الجديدة. فقد ظل جزء كبير منه أسير مفاهيم صيغت لعالم لم يعد قائمًا، بينما كانت المجتمعات العربية تدخل مرحلة جديدة تتسم بانفجار الهويات، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع الدولة الاجتماعية، وصعود الفاعلين غير التقليديين. في تلك اللحظة، كان المطلوب تجديد الفكر والأدوات، لكن ما حدث كان العكس: انكفاء نظري، وانقسام تنظيمي، وخطاب يزداد ابتعادًا عن الواقع، وانخراط مجاني في معارك الإلهاء الديمقراطي المتجددة يوميًا.
في المقابل، تقدّم الإسلام السياسي موظفًا أقدس قيمة روحية لدى الإنسان، ولأنه فهم ما لم يفهمه اليسار: أن السياسة تبدأ من المجتمع. فقد بنى حضوره عبر شبكات الخدمات والتضامن والعمل الأهلي والجمعياتي، وقدّم نفسه باعتباره إطارًا أخلاقيًا وهويًّا قبل أن يكون برنامجًا سياسيًا. وبينما كان اليسار يخاطب الناس بلغة العدالة التاريخية، كان الإسلاميون يخاطبونهم بلغة المعاناة اليومية والانتماء والكرامة، مدغدغين مشاعرهم الدينية والروحية.
لكن صعود الإسلام السياسي لا يفسّر وحده تراجع اليسار. فجزء مهم من الأزمة يعود إلى أخطاء التموضع. فقدت قوى يسارية عديدة استقلاليتها حين اختارت التحالف مع السلطة بحجة مواجهة الإسلاميين، ثم عادت في لحظات أخرى للتحالف مع الإسلاميين بحجة مواجهة الاستبداد. وعلى المستوى العربي، تحالف بعض اليسار مع الإسلام السياسي الشيعي، بل أصبح تابعًا له بدعوى مواجهة العدو الصهيوني، فيما تحالف بعضه الآخر مع الإسلام السياسي السني بدعوى مواجهة المدّ الشيعي الإيراني. وفي الحالتين، ظهر اليسار كقوة تابعة لا كبديل، وكطرف تكتيكي لا كصاحب مشروع. ومع كل اصطفاف ظرفي، كان يفقد مزيدًا من مصداقيته لدى الرأي العام.
كما أخطأ اليسار في قراءة التحولات الثقافية والاجتماعية. فقد تعامل مع الظاهرة الدينية بوصفها مجرد عودة إلى الماضي، متجاهلًا أنها تعبير عن أزمة هوية عميقة في مجتمعات تعرّضت للتفكك والاغتراب والتهميش. ولم ينجح في تقديم صيغة توازن بين العدالة الاجتماعية والانتماء الثقافي، فترك فراغًا ملأته قوى أخرى بخطاب بسيط وواضح ومباشر.
وتجلّت هذه الأزمة بوضوح في القضية الفلسطينية. فبعد أن ارتبطت المقاومة تاريخيًا بالحركات القومية والشيوعية، أصبحت اليوم مرتبطة أساسًا بحركة حماس. وهنا وجد اليسار نفسه في موقع الداعم دون أن يكون فاعلًا. فالشرعية الشعبية في الوجدان العربي تُمنح لمن يقاوم فعليًا، لا لمن يعبّر عن موقف نظري. ومع تراجع حضور القوى اليسارية في ميادين الفعل، تراجع وزنها الرمزي والسياسي.
أما المفارقات الإقليمية، مثل تلاقي قوى مختلفة مذهبيًا حول ملفات معينة، فتؤكد أن الصراع في المنطقة تحكمه حسابات النفوذ والمصالح أكثر مما تحكمه الانقسامات العقائدية. غير أن جزءًا من اليسار بقي أسير قراءات أيديولوجية جامدة، عاجزًا عن فهم منطق التوازنات الجديدة أو التعامل معها ببراغماتية سياسية.
ففي أواخر عام 2024، انتصر الإسلام السياسي السني، بقيادة أحمد الجولاني/الشرع في سوريا، بدعم خليجي رسمي وتركي وصهيوني–أمريكي، على الإسلام السياسي الشيعي/العلوي المدعوم من إيران وروسيا.
وقبل ذلك، في عام 2014، انتصر الإسلام السياسي الشيعي، ممثلًا في جماعة الحوثي في اليمن المدعومة إيرانيا ، على الإسلام السياسي السني المدعوم من دول الخليج٫ وينطبق الأمر نفسه على العراق، حيث يتواصل تيه قوى اليسار العربي في ظل استمرار الصراعات السياسية بين شقّي الإسلام السياسي السني والشيعي، وقد بلغ الأمر ببعض هذه القوى حدّ مساندة تنظيم داعش – ولو سياسياً، عبر الصمت أو إبداء الارتياح – في بداياته، إثر تحطيمه الحدود العراقية-السورية، وذلك نكايةً بالإسلام السياسي الشيعي/الإيراني.
ولا تزال الحروب والنزاعات على أشدّها بين تيارات الإسلام السياسي المختلفة، بمذاهبها وتفرعاتها، في اليمن وليبيا والسودان والصومال. وهكذا ينفرد الإسلام السياسي بصناعة المشهد السياسي وصياغة أحداثه الكبرى والتحكم في مآلاته، بينما يقف اليسار العربي، بشقيه القومي العروبي والشيوعي، في موقع المتفرج؛ لا حول له ولا قوة، ولا دور له سوى المراقبة والتنظير، وأحيانًا السجال أو التهكم.
وإذا حاول لعب دور ما، نجده منحازًا إما إلى شق الإسلام السياسي الشيعي تحت شعار المقاومة والممانعة وتحرير فلسطين، أو إلى الإسلام السياسي السني تحت شعار الدفاع عن الحريات والديمقراطية أحيانًا، والتصدي للتغلغل الشيعي أحيانًا أخرى.
في المحصلة، خسر اليسار ثلاث معارك كبرى: خسر استقلاليته حين اقترب من السلطة أو ذاب في تحالفات ظرفية، وخسر المجتمع حين تحوّل إلى نخبة ثقافية محدودة، وخسر المعنى حين لم يعد قادرًا على تقديم أفق واضح للتغيير. لقد تحوّل من مشروع اجتماعي إلى خطاب نقدي احتجاجي يبني مواقفه على قاعدة الضدية للإسلام السياسي، ومن قوة تنظيمية محتملة إلى حالة فكرية مشتتة.
غير أن الأزمة، رغم عمقها، ليست قدرًا نهائيًا. فالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي – من اتساع الفقر والبطالة إلى تراجع الخدمات وتآكل الطبقة الوسطى – تخلق موضوعيًا حاجة إلى مشروع يساري ديمقراطي حديث. لكن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب مراجعة جذرية، لا مجرد إعادة ترتيب شكلية.
أول شروط الخروج من الأزمة هو توحيد قوى اليسار حول حدّ أدنى ديمقراطي اجتماعي واضح. فلم يعد ممكنًا استمرار حالة التشتت التنظيمي والتنافس الهامشي بين قوى صغيرة متقاربة في الأفكار ومتباعدة في الحسابات. المطلوب جبهة تقدمية ديمقراطية اجتماعية تقوم على برنامج مشترك: الحريات العامة والفردية، مدنية الدولة ومؤسساتها، استقلال القضاء، العدالة الاجتماعية، مقاومة الفساد، والتداول السلمي على السلطة عبر انتخابات ديمقراطية تعددية شفافة. فبدون هذا الحد الأدنى سيظل اليسار قوة مجزأة لا وزن انتخابيًّا لها ولا تأثير سياسيًا فعليًا.
ويرتبط بذلك شرط عملي أساسي: التوافق على مرشحين موحدين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية والبلدية والمهنية. فالتشتت الانتخابي كان أحد أهم أسباب الهزائم المتكررة. إن تعدد المرشحين اليساريين لا يعكس تنوعًا صحيًا بقدر ما يعكس عجزًا عن العمل المشترك. فالسياسة، في النهاية، هي فن تجميع القوة لا توزيعها.
الشرط الثاني هو العودة الفعلية إلى المجتمع. فلا يمكن استعادة الدور عبر البيانات أو المنصات الإعلامية أو استنزاف الجهود في معارك هامشية، بل عبر العمل النقابي والطلابي والمهني، وعبر الحضور في الأحياء المهمشة والمناطق الداخلية والريفية. فالقوة السياسية لا تُبنى في المؤتمرات، بل في شبكات التنظيم اليومي والتواصل المباشر مع الناس.
أما الشرط الثالث فهو تجديد الخطاب. فلم تعد الشعارات الكبرى كافية. المطلوب لغة بسيطة ومباشرة تتحدث عن الأسعار، والبطالة، والخدمات، والسكن، والنقل، والتعليم، والصحة. كما أن أي مشروع يساري حديث لا يمكن أن يقوم على عداء للهوية الثقافية أو الدينية للمجتمع، بل على صيغة توازن بين العدالة الاجتماعية والخصوصية الحضارية، لا تعادي الدين ولا المتدينين.
الشرط الرابع هو الاستقلال السياسي الكامل: لا تحالفات ذيلية مع السلطة، ولا اصطفافات تكتيكية داخل صراعات الإسلام السياسي. المطلوب بناء موقع ثالث مستقل يقدّم نفسه كبديل تقدمي ديمقراطي اجتماعي، لا كطرف في صراع بين سلطوية سياسية وسلطوية دينية.
وأخيرًا، يحتاج اليسار إلى الانتقال من ثقافة الاحتجاج الدائم إلى ثقافة الحكم. فالناس لا تبحث فقط عمن ينتقد، بل عمن يستطيع أن يدير ويحلّ ويقترح سياسات قابلة للتطبيق. إن بناء فرق خبراء، وإعداد برامج اقتصادية واقعية، ووضع خطط قطاعية مفصلة، لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لاكتساب الثقة السياسية.
فالتاريخ لا يُدار بالنوايا ولا بالحنين. ومن لا يمتلك تنظيمًا موحدًا، وحضورًا اجتماعيًا، وبرنامجًا واقعيًا، سيبقى خارج الفعل مهما كانت أطروحاته صحيحة نظريًا. أزمة اليسار العربي عميقة، لكنها ليست نهائية. فالمجتمعات التي تتسع فيها الفجوات الاجتماعية لا يمكن أن تبقى بلا تعبير سياسي عن مطالب العدالة.
لكن الشرط الأول لأي عودة هو الاعتراف بالحقيقة القاسية: لا دور لمن هو مشتت، ولا تأثير لمن هو تابع، ولا مستقبل لمن يخوض معارك اليوم والمستقبل بأدوات الأمس. فالعودة إلى التاريخ تبدأ من الوحدة، ومن المجتمع، ومن برنامج ديمقراطي اجتماعي واضح. وما دون ذلك، سيظل اليسار يكتب البيانات، بينما يكتب الآخرون الواقع والتاريخ.