وزارة الأوقاف: إرث إداري أم خيار مؤسسي؟

img

عندما تعلن دولة ما التزامها ببناء دولة مؤسسات، فإن هذا الإعلان لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل يفترض تصوراً واضحاً لطبيعة الدولة وحدود دورها في إدارة الشأن العام. ومن هذا المنطلق يبرز سؤال هادئ لكنه أساسي: هل تمثل وزارة الأوقاف خياراً مؤسسياً معاصراً، أم أنها امتداد لإرث إداري يعود إلى نماذج دولة لم تعد قائمة؟

هذا السؤال لا يتناول الدين بوصفه عقيدة أو قيمة روحية، ولا ينتقص من مكانته في المجتمع، بل يتوجه إلى الدولة نفسها: كيف تفهم دورها؟ وأين تقف حدود تدخلها؟

في الدولة الحديثة تُبنى العلاقة بين الدولة والمجتمع على مبدأ قانوني واضح: الدولة تنظّم المجال العام، لكنها لا تتبنّى عقيدة، ولا تمارس وصاية على الإيمان، ولا تحتكر تفسير القيم الأخلاقية. فالدين شأن اجتماعي وروحي حي، بينما الدولة إطار قانوني محايد، وظيفته حماية الحقوق وتنظيم العلاقات وضمان العدالة.

ولفهم موقع وزارة الأوقاف ضمن هذا التصور، من المفيد التوقف عند تجارب دول ذات أغلبية مسلمة نجحت في بناء مؤسسات مستقرة واقتصادات متنامية، دون صدام مع الدين أو توظيفه سياسياً.

في إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، لا توجد وزارة أوقاف بالمعنى التقليدي. تُدار الأوقاف عبر مؤسسات مستقلة تخضع للقانون والرقابة المالية، وتُعامل بوصفها أداة تنمية مجتمعية لا كسلطة سيادية أو جهاز فوق المجتمع. وفي ماليزيا تُدار الأوقاف بشكل لامركزي ضمن أطر قانونية واضحة، بما يضمن الشفافية ويحد من التسييس. أما تركيا، ورغم تاريخها الديني العميق، فقد أبقت الشأن الديني في إطار إداري محدود، من دون احتكار مالي أو أخلاقي للمجتمع.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس إضعاف الدين أو تهميشه، بل تحرير الدولة من لعب دور الوصي عليه، وترك المجال للمجتمع كي يدير شؤونه الدينية ضمن القانون.

عندما تتحول الأوقاف إلى وزارة، يتغير موقعها ووظيفتها. فالأموال الوقفية تصبح كتلة مالية كبيرة خارج المنطق الاقتصادي الشفاف، ويغدو الخطاب الديني مرتبطاً بالسلطة التنفيذية، ويتحول رجل الدين بحكم الموقع الوظيفي إلى موظف عام. هنا لا تكون المشكلة في الدين ذاته، بل في تحميل الدولة أدواراً تتجاوز وظيفتها الطبيعية.

في دولة مؤسسات حقيقية تُدار الأملاك بالقانون، ويخضع المال للرقابة والمحاسبة، وتُعامل الجمعيات الدينية بوصفها جزءاً من المجتمع المدني، لا كامتداد للسلطة. فإذا كان الهدف حماية الأوقاف فالقانون كافٍ، وإذا كان الهدف منع الفساد فالشفافية والمحاسبة أصدق، وإذا كان الهدف تنظيم العمل الخيري فالمجتمع أقدر على ذلك عندما يُمنح الثقة والأدوات القانونية اللازمة.

السؤال المطروح إذاً ليس عن أهمية الدين أو دوره في المجتمع، بل عن حدود الدولة ووظيفتها. فالدول لا تنهض لأنها تدير المقدس، ولا لأنها تعاديه، بل لأنها تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. وعندما تعرف الدولة حدودها يكبر المجتمع، ويتحرر الدين من السياسة، وتستقيم فكرة دولة المؤسسات بوصفها ممارسة لا شعاراً.


الكاتب عماد الحصري

عماد الحصري

كاتب وناشط سياسي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة