ثقافة إعاقة الحرية والديمقراطية عربياً

img

عديدٌ من الأسئلة الكبرى التي شغلت الفكر العربي الحديث والمعاصر، بعضها حول ثنائيات تبدو متضادة مثل التراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة، ولماذا تقدموا ولماذا تخلّفنا؟ وفق شكيب أرسلان؟ ولماذا تراجعت حركات التجديد في الفكر ثم الخطابات الإسلامية؟

غالبُ هذه الأسئلة الكبرى اتسم بالعمومية المفرطة والسيولة، ومن ثم جاءت بعض الإجابات عليها صالحة للإجابة على كل الأسئلة، ولكنها لا تجيب على نحو علمي وتاريخي وموضوعي عن شيء، إلا في فضاءات التعميمات، لاسيما في ظل مجتمعات عربية وسلطات سياسية وعقول نخبوية غير مدروسة تكوينياً تاريخياً وسوسيولوجياً ومعرفياً، إلا قليلاً مع عبد الله العروي والجابري وعبد الإله بلقزيز وبعض من مثقفي المشرق العربي مثل حسين مروة وناصيف نصار وجورج طرابيشي وآخرين!

أحد الأسئلة التي تُطرح منذ مطلع الحداثة العربية المجهضة: فشل السعي لبناء أنظمة سياسية ديموقراطية تمثيلية على مثال الأنساق الليبرالية الغربية. طُرح السؤال في أعقاب بناء الدول العربية ووطنياتها الهشة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي، لعدم استكمالها الشروط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية لبناء الأمة باستثناء مصر ودولة المغرب وتونس إلى حد ما!

ظل السؤال معلّقاً بعد كل الانتفاضات الجماهيرية في هذا البلد أو ذاك، حتى الربيع العربي المجازي، وفشل عمليات الانتقال الديمقراطي، وعودة بعض الشعبويات السلطوية مجدداً!

غالب الإجابات التي قُدمت حول فشل أي مسعى نحو الديمقراطية تركزت حول نقد طبيعة السلطة الاستبدادية أو التسلطية، أو الانقلابات العسكرية – في سوريا والعراق والسودان وليبيا واليمن والجزائر – ومن ثم الطبيعة التسلطية لهرمية السلطة وتحالفها مع بيروقراطية أجهزة الدولة والطبقة البورجوازية أو رأسمالية الدولة التي منحت بعض الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع مصادرة الحريات العامة والمبادرة الفردية والجماعية. بعض الإجابات ركز على أزمات نظام الشرعية السياسية واعتماده على المصدر الديني الإسلامي، ومن ثم تأويلاته الوضعية السلطوية وتوظيفاته السياسية والاجتماعية والقانونية في السيطرة والضبط السياسي، وفي نظام التعبئة السياسية والاجتماعية.

بعض الإجابات ركز على علاقات التبعية السياسية والاقتصادية بالمركز الإمبريالي الغربي، أو العلاقة مع الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشيوعية!

عديد من الإجابات دار حول مفهوم الاستبداد أو الطغيان الشرقي/ العربي استلهاماً من المرجعية الماركسية، أو من التراث السياسي الطغياني في التاريخ الإسلامي، أو من مفهوم السلطان المتغلب في فقه الجمهور السني وبعض فقهائه من التابعين وتابعي التابعين الموالين للسلطان المتغلب بسيف السلطة!

بعض هذه الإجابات العامة والسائلة كانت نظرية وبها شيء من التفلسف، وركزت على الدولة والسلطة والدين السياسي. ومن ثم كان التنظير عاماً، وبعضه مستمداً من مفاهيم استشراقية، ولم تكن هناك دراسات ميدانية في العمق للدولة ما بعد الاستعمار وتحليل للمصادر الاجتماعية لمكونات القوة داخل بنية النظام إلا قليلاً، ومن ثم درس للسياسات والقرارات السلطوية، ولا التركيبة الاجتماعية للبرلمانات وسياسات التشريع وطبيعة المصالح التي تحملها وتنحاز لها ولحمايتها، أو ضعف الرقابة البرلمانية، وضعف المستويات السياسية لأعضاء البرلمانات والعائلات التي ينتمي بعضهم لها أو رجال الأعمال، ولا تبعية السلطات التشريعية للسلطة التنفيذية، وأيضاً التركيبة الاجتماعية للسلطة القضائية وجماعات القضاة في عالمنا العربي؛ وما المعايير الواقعية السياسية والطائفية والدينية والمذهبية والعائلية والعشائرية والقبائلية، أو صلاتهم بمراكز القوة داخل النظام؟ ومن ثم مسألة عدم استقلال القضاء والقضاة في العالم العربي، وقلة الدراسات التي تناولت استقلال القضاء، وأيضاً هيمنة سياسة تسييس القضاء لاسيما في القضايا السياسية إزاء المعارضات في غالب الدول العربية؟

غياب بعض هذه الدراسات – إلا قليلاً – على كل حالة عربية مرجعه القيود على حريات البحث الأكاديمي والاجتماعي في الغالبية العظمى من السلطات العربية، بقطع النظر عن النصوص الدستورية التي تقرر هذه الحرية مع حرية الرأي والتعبير! الدساتير العربية بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي لم تكن سوى وثائق هدفها استكمال شكل ووجوه الدولة ذات السيادة، وجزء من ديكورات الدولة الوطنية، بينما الواقع السياسي وتطبيقاته يؤكد أنها لا تعدو سوى محض شعارات لا تُطبّق، وأوراق تبدو متخمة بالحريات العامة والشخصية، لكن واقعها أكد ولا يزال أنها وثائق فارغة من مضامينها بيد السلطات المستبدة والطغيانية والتسلطية بحسب طبيعة كل نظام سياسي عربي.

بعض المقاربات السابقة حول فشل مساعي الديمقراطية دار حول السلطة وطبيعتها، دون النظر إلى قلة قليلة من البحوث والدراسات التي ركزت على بعض الإعاقات البنيوية والدينية والثقافية المجتمعية التي تعوق الانحياز المجتمعي القيمي والثقافي والاجتماعي للديمقراطية، وثقافة الحريات العامة والمواطنة وحريات الضمير والتدين والاعتقاد، بقطع النظر عن بعض مطالب وشعارات المعارضات وقلة من المفكرين والمثقفين. ومن ثم تمثل الإعاقات البنيوية وتراكماتها وفوائضها التاريخية عوائق معقدة إزاء تمثل الجموع الشعبية ثقافة الحرية وتمثيلاتها في مؤسسات سياسية فاعلة معبّرة عن الفئات الاجتماعية الشعبية والطبقات الوسطى في عالمنا العربي وعن مصالحها وإيمانها بالقيم السياسية الديمقراطية.

يبدو لي أن التركيز على الإعاقات البنيوية في تركيبات ثقافة المجتمعات العربية من الأهمية بمكان، خاصة في ظل الأنظمة الشعبوية السلطوية أو الأنظمة التقليدية في دول اليسر العربية وخصوصياتها والتمايزات بين بعضها بعضاً. ومن ثم نرى أن عدم تشكل ثقافة الحرية والديمقراطية يرجع لعديد الأسباب على النحو التالي:

1- عدم استكمال البناء الاجتماعي ونضوج البنية الطبقية من حيث تشكل وتبلور الطبقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج من خلال حركة التصنيع وتطوراتها ونضوج الوعي الطبقي والسياسي وذلك عبر التغيرات القيمية من الثقافة الريفية والبدوية إلى الثقافة الصناعية، خاصة في ظل سياسات للتصنيع تمتد إلى المناطق الريفية والبدوية المهمشة تاريخياً، وذلك نظراً لعدم تطور الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية وانهيار نظام رأسمالية الدولة الوطنية، خاصة مع الخصخصة والعودة إلى الرأسمالية النيوليبرالية، وإغلاق المجال العام السياسي، وعودة ظاهرة موت السياسة والشعبوية السلطوية.

2- هيمنة ثقافة الدين الشعبي والميثولوجيات الشعبية المؤسسة على الثقافة الريفية أو البدوية أو البدوية المميكنة – وفق سعد الدين إبراهيم عن السعودية ومنطقة الخليج، ولكنها تغيرت نسبياً مع التعليم والتكوين النسبي للطبقة الوسطى والثقافة الرقمية، وهو ما ستظهر نتائجه مع أجيال Z وآلفا وبيتا – وشيوع القدرية وقيم الاتكالية على الماورائيات وسردياتها الشعبية خارج وحول التدين الشعبي السائد.

3- سيطرة التأويلات الدينية الوضعية والسلطوية التابعة من رجال الدين للسلطات العربية الحاكمة لضمان الولاء لها ولنظام الحكم. ومن الملاحظ أن الجماعات الإسلامية الراديكالية تأويلاتها الدينية وبعض السرديات الفقهية الإسلامية المحافظة تناهض تفسيرات وتأويلات السلطات الدينية التابعة للسلطات الاستبدادية والتسلطية، وتأثيرات السرديات الراديكالية المضادة وانتشارها قاعدياً وسط أعضائها ومؤيديها، وهو ما شكل ثقافة مضادة للقيم الديمقراطية والتدين الفردي، ومن ثم تشكل دور وظيفي وسلطة دينية وسيطة في التدين السائد بين الفرد والله تعالي وتنزه، ومفهوم الألوهية والنبوة والفقهاء واللاهوتيين.

4- ثقافة الإذعان والخضوع الطوعي للسلطة أياً كانت طبيعتها تاريخياً وفوائضها وتراكماتها عبر الزمن، ومن ثم القابلية للاستبداد والخضوع له في حياة الإنسان العربي.

5- الميلاد المتعثر للفرد والفردانية كإرادة حرة ومسؤولة وكفاعل اجتماعي، وذلك قبل الثورة الرقمية وجيلي Z وآلفا ثم بيتا في المستقبل المتوسط والبعيد.

6- شيوع بعض السرديات الدينية السياسية لدى بعض الجماعات الإسلامية السياسية المحافظة والراديكالية والسلفية التي ترى في الثقافة الديمقراطية والحريات مناهضة لنسق العقائد والقيم الإسلامية، وأنها جزء من الصراع مع الغرب الاستعماري.

7- بعض المنظرين الإسلاميين والحركيين يرون أن الديمقراطية الغربية تؤدي إلى تقويض مفهوم العقيدة الجماعية لصالح الإيمان الفردي الحر، ومن ثم تفكك قواعدهم الاجتماعية الشعبية. ومن الملاحظ أن هذه الجماعات تشرعن الخيار الرأسمالي في الاقتصاد ومشروعاتها التجارية والاقتصادية الخاصة لبعض قياداتها ولتمويل هذه الجماعات.

8- أدى العسر الاقتصادي والاجتماعي وتفكك الطبقات الوسطى في دول العسر إلى سيطرة حالة اللاأمل في الحراك الاجتماعي، ومن ثم بات الخوف من البطالة والبؤس الاجتماعي للفقراء وما وراء خط الفقر إلى اللامبالاة بالسياسة والحريات العامة لصالح البحث عن الحياة عند الحافة. في دول اليسر العربية باتت حرية الاستهلاك المكثف والمفرط بديلاً عن الحريات السياسية للأجيال الشابة من جيل (y) و z في هذه البلدان.

9- أدت الثورة الرقمية إلى التماهي بين الأفراد والتحقق الوجودي الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي بديلاً عن التحقق الوجودي في السياسة والحياة الفعلية. وباتت حرية التعبير والتصوير الشخصي – عبر الصور والفيديوهات الوجيزة – بديلاً عن الحريات السياسية عبر الانتخابات والعمل الحزبي المُعاق وغير الفاعل، وخاصة لدى جيلي Z وآلفا.

10- ضعف دولة القانون – الذي لا يعرف غالب المخاطبين بأحكامه شيئاً عنه – ومن ثم هيمنة قانون الفوضى والمكانة والسلطة والنفوذ، ومعه ثقافة الفوضى في الحياة اليومية في بعض دول العسر العربية.

11- تمدد ثقافة الفساد في الأجهزة البيروقراطية وبناء القوة السياسية وفي المجتمع.

12- تفكك التكامل الوطني في بعض الدول العربية على أسس دينية ومذهبية وطائفية وعرقية وقبائلية وعشائرية – السودان والمشرق العربي..إلخ – ومن ثم باتت العصبوية القبلية والعشائرية والطائفية عائقاً إزاء بناء تكامل وطني ذي جذور اجتماعية وثقافية وسياسية صلبة على نحو ما ظهر في العراق وسوريا ولبنان والسودان وليبيا. ومع الانقسامات حدث ولا يزال انفجار التشظي الهوياتي الوطني لصالح صراعات الهويات الفرعية.

من ثم تمثل هذه الإعاقات – التي تحتاج إلى دراسات ميدانية ونظرية مؤسسة عليها وموجهة لها – إعاقات بنيوية إزاء ثقافة الحريات والديمقراطية متجذرة في تركيبات المجتمعات العربية، فضلاً عن طبيعة اختلالات الدول ووطنياتها الهشة وسلطاتها السياسية وتركيباتها وسياساتها الاستبدادية والتسلطية القمعية والشعبويات الدينية السلطوية التي تهيمن على حياة الإنسان العربي وتعتقل عقله وإرادته وفعله في الحياة اليومية. ومن الملاحظ أن هذه الوضعية السوسيو-دينية والسياسية والثقافية ستتقوّض وتتفكك تدريجياً مع الأجيال الرقمية والفعلية الشابة، وستنهار هذه الأنظمة بقطع النظر عن الدعم النيوإمبريالي والنيوليبرالي الأمريكي والغربي لها، لاعتبارات تتصل بمصالح هذه الدول وشركاتها النيوليبرالية الكونية والرقمية ونهب الثروات النفطية والمالية الترليونية الرامية لتحقيق أمن هذه السلطات العائلية أو لمحاولة تطوير اقتصاداتها من اقتصادات ريعية نفطية إلى خلق مصادر جديدة للثروة مع نهايات اقتصاد النفط مستقبلاً. إلا أن تبلور الطبقات الوسطى سيؤدي إلى تفكك ثقافة القابلية للاستبداد العائلي في هذه النظم التقليدية وسياساتها القمعية تجاه ثقافة الحرية والديمقراطية، بل وتحولاتها في الطريق إلى ما بعد الإنسانية بسرعات فائقة سياسياً وثقافياً ومعرفياً.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة