أزمات التطور الحضاري العربي

img

التطورات الكبرى والحديثة وما بعدها في مجالات الفلسفة، والعلوم الاجتماعية، والأدب ارتكزت على ثقافة السؤال، لا ثقافة الإجابات الجاهزة، ولا المقولات الدينية، والبنى العقائدية، ومفاهيم الإيمان والعقيدة، وإنما على الأسئلة التي فتحت الأبواب أمام فحص، وتفكيك النصوص والتأويلات، والسرديات الوضعية حول المقدس، ومفاهيم الألوهية، والنبوة، وأسئلة الوجود، والحياة والمعنى، والموت. هذه الأسئلة، وغيرها، هي التي ساهمت في التحول من المجتمعات ما قبل الحديثة إلى عالم الحداثة، حيث سلطة العقل النقدي، والشك في المسلّمات سعياً وراء الوصول إلى الحقائق النسبية وليست المطلقة، وتأكيد الإيمان العقدي الفردي – أياً كان – أو الانفلات منه إلى مساحات أخرى، تؤسس للعقلانية، ثم التمايز والانفصال بين العقدي، والإيماني الفردي إلى النماذج العلمانية مع الدولة الأمة، في ظل تطورات الرأسمالية الغربية، وتوحيد المجتمعات، والدول، والأسواق.

التطورات المختلفة في العلوم الاجتماعية، والفلسفات كان هاجسها الأكبر الأسئلة – أياً كانت – في مجالات الحياة المتعددة والمختلفة وتناقضاتها، والأسئلة الوجودية، ومآلاتها حول الوجود والعدم، وفق السؤال الوجودي إلى البنيوية، وما بعدها، وما بعد الحداثة، وما بعدها، حتى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، والتغيرات فائقة السرعة في مرحلة الإناسة الروبوتية.

هذه التغيرات الكبرى التاريخية، كانت ثقافة الأسئلة هي المحرك وراء عمليات إبداع الكتابة في الفلسفة، والرواية، والقصة، والمسرح، والشعر حتى مرحلة قصيدة النثر وما بعدها إلى القصيدة والكتابة الومضة.

ثقافة السؤال كمحرك للإبداعات النظرية، وفي المقاربات المنهجية التطبيقية، تأسست على السؤال والأسئلة، والتجربة الوجودية للمبدعين في المجالات كافة، في ظل حرية العقل النقدي، والبحث السوسيولوجي، والفلسفي، بل والقانوني، والأدبي.

كان الكاتب، والفيلسوف، والمبدع، والشاعر، وكاتب المسرح، مهجوسين بالأسئلة فيما وراء التطورات التقنية، والطبيعية، والسياسية، فيما وراء الظواهر التي تكشف عنها هذه التطورات ومجالاتها المختلفة، والأهم في انعكاساتها على وداخل أنسجة تفاصيل الحياة اليومية، وتفاعلاتها.

من هنا كانت الإبداعات الفلسفية والنظرية، وفي السوسيولوجيا في مختلف جوانبها، هي تعبيرات عن الأسئلة التي تتوالد من بين أعطاف بعضها بعضاً، وتنمو، والأهم انفجار هذه الأسئلة في كل مرحلة من مراحل تطور العالم الحديث وما بعد بعده. بعض الأسئلة ماسّة بالشرط الإنساني الوجودي، وبعضها الآخر يتصل بالعلاقة المعقدة بين الإنسان، والتطور التقني، ومآلاته من حيث قدرات السيطرة الإنسانية على التطورات التقنية والآلات، والعلاقة بين الإنسان، وبين البيئة والتحول من السيطرة عليها، واستغلالها، إلى تمردها البيئي، وكائناتها غير المكتشفة على عمليات اعتصارها في ظل التطورات الرأسمالية، ثم النيوليبرالية، وأيضاً كانت في ظل الأنظمة الشيوعية المنهارة، واستغلال كلا النظامين – في ظل الحرب الباردة وما بعدها – للطبيعة ومواردها دونما اهتمام بآثار هذا الاستغلال والتوظيف المفرط لمواردها في كلا النظامين على حياتنا، ثم هيمنة النيوليبرالية الرأسمالية الوحشية على عالمنا.

كان العقل النقدي، والإبداعي الحر يحلل ويفكك الظواهر والبنىُ الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والتقاليد، وذلك من خلال الأسئلة، سعياً وراء أحداث التجديدات في الأفكار والقيم، وتحطيم الإعاقات البنيوية التي تحول دون تقدم المجتمعات الغربية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال الأسئلة، والعقل الناقد الحر الشجاع الذي يواجه المجتمع، والسلطة السياسية الحاكمة، ويكشف عن اختلالاتهم أيا كان الثمن الذي يدفعه الكاتب، والفيلسوف، والمثقف، ورجل القانون، والشاعر، والروائي، والقاص، والمسرحي، والفنان التشكيلي.

الأسئلة ابنة العقل الحر الخلاق والمستقل الذي واجه الملوك، والبابوات، وفتح الأبواب أمام الذي والإقطاع، وفتح الأبواب أمام إقرار القانون والعدالة وقيم المساواة، وفرض القيود على السلطة من هوبز وجان جاك روسو، ولوك مروراً بثورات كرومويل، والثورة الفرنسية، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، والتطورات السياسية الصاخبة وصولاً إلى تطور النظم الليبرالية التمثيلية، والانفصال بين السياسة، والأديان ومذاهبها، وتطور الفكر اللاهوتي الغربي، بدءاً من مارتن لوثر، والمذهب البروتستانتي، وحركية، وتطور اللاهوت، وتغير بعض الفكر اللاهوتي الكاثوليكي مع مجمع الفاتيكان الثاني، والانفتاح على الأديان الأخرى –أيا كانت– كأحد أصداء الحرب الباردة.

لا شك أن أسئلة العصر، وفلسفاته الوجودية، والماركسية، والبنيوية، والحداثة العليا – وفق هابرماس – أو ما بعد الحداثة وفق جان فرنسوا ليوتار، هي التي حرّكت العقل اللاهوتي الغربي، والعقل الإنساني، عبر الأسئلة الكبرى التي وسمت أزمنة هيمنة السرديات الكبرى، والإيديولوجيات الماركسية، والليبرالية، ونظم رأسمالية الدولة الوطنية في الدول الآخذة في النمو ما بعد الاستقلال، وعالم التحرر الوطني، والاستقلال، ومفاهيم السيادة الوطنية.

أعاقت النظم الاستبدادية والتسلطية في العالم الثالث العقل الحر، وأسكنته في وسنّ معتقلات الضمير، والسياجات الدينية والسياسية باسم الوطنية والأمن، وقيم المجتمعات، والأخلاق الموروثة والماضوية، للحيلولة دون طرح الأسئلة على العقل الجمعي من العقول الحرة، وذلك لتفكيك أصفاد المجتمع، وتحريره من الأوثان السياسية والطبقية، ومن توظيف السرديات الوضعية السياسية حول الأديان، لقمع العقل النقدي الحر والمستقل والمجتمع من قبل السلطان الملكي والجمهوري المستبد، والتسلطي، وإزاء الشعبويات السلطوية كظلّ لله سبحانه وتعالى وتنزّه على الأرض. هذا التأليه والقداسة للسلطان الجمهوري والملكي والمشيخي المستبد والتسلطي، وسم السياسة، والخطابات السياسية والدينية، وقرارات الحكام في المنطقة العربية ما بعد الاستقلال، وكانت معتقلات العقل والضمير والحرية هي أخطر ما قامت به نظم الحكم الفردي في عالمنا العربي، وظهرت في الأنظمة الجمهورية باسم إيديولوجيا حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، والعراق، والسودان، وليبيا، وتونس، والجزائر، وفي النظم الملكية، والأموية، والمشيخية، ومصر الجمهورية، وكلها كانت إيديولوجيات هجينة، مفارقة للواقع التاريخي والموضوعي، وكان العقل النقدي الحر للمفكرين هو مصدر رهاب الخوف لأنظمة الحكم الفردي التي قامت بإغلاق، بل ومصادرة المجال العام السياسي، وتلاعبت بسردياتها السياسية الدينية، كمصدر رئيس للشرعية السياسية، واستخدمته في وصم العقل النقدي الحر وخروجه على السراط الديني والسياسي السلطوي المستقيم! حيناً، وباسم الوطنية، وإعداء الوطن حيناً آخر.

كان تأميم الدين وتأويلاته يستخدم لإعاقة ثقافة الأسئلة التي تحرّك العقل الجمعي، وتفتح الأبواب أمام الهدم الخلاق للقيم والتقاليد التي تعرقل تقدم المجتمعات العربية، وتفتح الأبواب واسعة أمام تكريس قيم العمل الجاد، والخلاق، والمسؤولية، والمبادرة الفردية والجماعية المستقلة، من أجل تكوين وطنيات راسخة، وليست هشة، من خلال سياسات التكامل الوطني العابرة للمكونات العرقية، والقبلية، والعشائرية، والعائلية في تركيبة المجتمع، وتؤدي إلى سلطان القانون العادل، والمساواة، والمواطنة، وإلى حالة من ترسيخ قيمة العدالة فوق التمايزات الاجتماعية، وقانون المكانة.

من هنا أدى غياب ثقافة الأسئلة، ودولة القانون والحق، والمواطنة، والمساواة، والحريات العامة والشخصية، إلى تنامي حركات الإسلام السياسي الراديكالية والسلفية، وقمع الأسئلة والعقل المتسائل الحر، ومن ثم ترتب على ذلك تنامي معتقلات العقل والحرية والسؤال، ومعها سياسات القمع والطغيان والتسلط، ومن ثم لم تُشكَّل أحزاب سياسية جادة ومتعددة السياسات والبرامج، وتعبر عن قواعد اجتماعية مختلفة وشعبية، وعن مصالحها الاجتماعية في بيئات سياسية حرة، ومجال عام مفتوح تجاه التعدد والتجديد في الأفكار، والعمل المسؤول، وتكرّس الكفاءة، وتكافؤ الفرص، من خلال سيادة القانون فوق رؤوس جميع المواطنين، والحكام، وسلطات الدولة.

أدت ثقافة الطغيان، والتسلط السياسي والديني والقانوني، إلى ثقافة الفوضى، وقانون المكانة والأعراف، على قانون الدولة في عديد البلدان العربية، وانتشار العنف المادي، واللفظي، وباسم الدين، والأخلاق، والوطنية، والأمن القومي من قبل السلطات الحاكمة.

أدت الثورة الرقمية إلى طغيان الفوضى في الأفكار، وحالة من التوهان التاريخي – وفق أنور عبدالملك – والحروب الهوياتية، وتفكك قيم الوطنية، والتسامح، والمساواة، وباتت مؤثرة على مجالات الحياة الفعلية كافة، وأعاقت تطور المجتمعات العربية، وأدت إلى نزاعات بين الشعوب العربية من خلال ثقافة الكراهية للآخر في داخل كل بلد عربي، وإزاء الشعوب العربية الأخرى.

حالة من التوهان، والتفكك، والنزاعات، والنظم التسلطية بعضها بعضاً، وبين بعض أبناء الشعوب العربية، في مساجلات خشنة ناتجة عن انهيار الفكرة العربية الثقافية الجامعة، لصالح هويات مفككة ومتصارعة، ومحاولة مراكز الثقل المالي الريعية أن تلعب أدواراً من خلال علاقاتها وتحالفاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية دعماً لأمنها ودفاعاً عنها ضد إيران، ومع إسرائيل جسراً لها مع جماعات الضغط الإسرائيلية في أمريكا.

تحولت النزاعات بين بعض أبناء الشعوب العربية تجاه بعضها بعضاً على الحياة الرقمية، بدلاً من سعي هذه الشعوب نحو الحرية، والمساواة، والتقدم، والإبداع.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة