اللغة الدينية وديناميات التغير الثقافي والرقمي

img

اللغات الإنسانية كائنات حيّة، تنمو وتتطور مع كل التغيرات والتحولات في الطبيعة، والتكنولوجيا، والسياسة، والاقتصاد، والفلسفة، والسوسيولوجيا، والأدب، والفنون التشكيلية، والسينما، والمسرح، والعلوم الطبيعية. ومن ثمّ هي التي تمنح كل تفاصيل الحياة معناها، وطابعها الاتصالي، سواء أكانت لغة شفاهية أم كتابية. الوظائف الاتصالية للغة هي التي تساهم في تشكّل الهويات – ضمن معطيات وشروط أخرى – وتضفي المعنى على الجوامع المشتركة لدى أي جماعة أو مجتمع، أيّاً كانت تعددياته، وتراثاته، وتاريخه، وخصوصياته.

اللغة الواحدة تتضمن لغات داخلها، بحسب المجال الذي يُنتجها وتُنتجه، ويصوغها في نسق مفرداتها ومجازاتها وأساليبها الشفاهية والكتابية. وعبرها ومن خلالها يتطور المجتمع في كل مجالاته المختلفة. التطور اللغوي ومفرداته الجديدة ومصطلحاته يحفّز على تطور المعرفة والوعي الجمعي وإدراك العالم ومعناه. كل اكتشاف علمي يكتسب معناه من اللغة ومفرداتها الجديدة. ومن ثم فإن جمود المجتمع وركوده الاجتماعي والسياسي وتخلفه الاقتصادي هو جمود للغة التي تتآكل وتهرم مفرداتها الموروثة منذ مراحل نشأتها وبعض تطوراتها. تبدو اللغة القديمة الموروثة والهرِمة وكأنها فاقدة لمعانيها ودلالاتها ووظائفها الاتصالية، فتغدو لغة ساكتة، صمّاء!

اللغة الدينية – أيّاً كان الدين أو المذهب – هي أقدم اللغات النوعية داخل الأنظمة اللغوية، لأنها ارتبطت بمحاولات تفسير الوجود الإنساني، والحياة والموت وما بعده، سواء أكانت علامات ورسوماً حول المعابد، أو ارتبطت بالطبيعة، والحكّام أشباه الآلهة، وصولاً إلى الكتابة على المعابد كما في مصر وبلاد الرافدين، ومن خلال النحت والتماثيل.

تطورت اللغات الدينية مع تبلور الأديان ما قبل السماوية، ومعها رموزها وسردياتها، وتحولت إلى لغة اصطلاحية مع نشأة جماعات رجال الدين كشُرّاح ووسطاء بين الديانات ومعتقداتها وطقوسها وما وراءها. تنامت اللغة الدينية مع الأديان السماوية ومفاهيم الألوهية، من خلال جماعة الراباي اليهودية وتعدد مذاهبهم، وخاصة مع التوراة السبعينية، ومع المسيحية ومفاهيمها في التجسد الإلهي البشري مع السيد المسيح، وتشكل الكهنة والكنائس والطقوس، ومعها اللغة الدينية ومحمولاتها المذهبية التي تعددت مع مجمع خلقدونيا – الذي عقد من ٨ أكتوبر إلى ١ نوفمبر ٤٥١م – والانقسام بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتجددت اللغة الدينية مع البروتستانتية التي ساهمت بفعالية في التجديد اللاهوتي والفكري المذهبي المسيحي، وأسهمت كمعتقد وتفسيرات وتأويلات في تطور الرأسمالية الغربية، ومفاهيم الادخار، والتراكم الرأسمالي.

مع الإسلام ومفهوم وحدانية الله – تعالى وتنزّه – ومفهوم النبوة، والقرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، تشكّلت نقطة تحوّل كبرى في اللغة والبلاغة العربية الرفيعة. وفي الوقت ذاته تطورت اللغة الدينية مع نشأة المدارس الفقهية والتفسيرية والتأويلية، وعلم الكلام – الفلسفة الإسلامية – من خلال اللغة الاصطلاحية الدينية. وتعددت معها التأويلات للنص المقدس والأحاديث النبوية المشرفة وضوابط الاستناد إليها من الأحاديث الصحيحة إلى أحاديث الآحاد والضعيفة… إلخ، في ضوء معايير وضوابط فقهية في علم الحديث.

الملاحظ أن السرديات الدينية الوضعية حول النص المقدس والسُّنّي أدّت إلى تفاعلات بين اللغة والبلاغة العربية المتطورة، وبين اللغة الدينية، نظراً لأن البلاغة والأدب – لاسيما الشعر والنثر – يمثلان حركية اللغة ونموها في كل مرحلة تاريخية وتطور ثقافة المجتمع.

تجمدت بعض اللغة الدينية الكتابية في مراحل تاريخية معينة، مع تدهور بعض المجتمعات الإسلامية، نظراً لتعقّد مفردات اللغة الدينية الأصولية واعتمادها على الموروث اللغوي الذي يعرفه ويتقنه بعض رجال الدين، والبلاغيين، والمتكلمين، والفقهاء.

ومن ثم حدث تمايز بين هذه اللغة الاصطلاحية وبين العوام الذين غلبت على معظمهم اللغة العامية، التي حاول بعض رجال الدين أن يقرّبوا لهم من خلالها المفاهيم الدينية، وفروض الدين، والمعتقدات، وسرديات الإسلام، مع بعض التناصات مع اللغة المقدسة والسُّنّية في لغة الدعاة وكبار السن في القرى والبوادي.

تطورت اللغة الدينية مع تداعيات صدمة الحداثة وبدايات النهضة العربية المجهضة، وعمليات التحديث السلطوي للقيم وبناء المؤسسات، واستعارة بعض الأفكار الحداثية من الأنظمة القانونية الوضعية الحديثة، ومصطلحاتها التي عُرِّب بعضها بمقابلات مستمدة من مصطلحات الشريعة الإسلامية. ساهمت هذه الأفكار والمفاهيم في تطوير اللغة الدينية لدى كبار مشايخ الأزهر والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب. وتم تطوير لغة بعض أساتذة أصول الفقه والشريعة والفلسفة الإسلامية من خلال محاولة بعضهم تهجين هذه النظريات على أسس ومعايير الشريعة، والعرف، والمصلحة كمصادر للتشريع.

أسهم الإرث الصوفي ومدارسه وأدبياته في رفد اللغة الدينية بمصطلحات متميزة، ومجازات متفردة، وتخييلات روحية ووصالية وارتقائية. تجارب المتصوفة ساهمت في خلق لغة صوفية من خلال كتاباتهم، وأقوالهم، وتجاربهم، ومريديهم.

في مجال النظم القانونية الوافدة من المرجع الأوروبي، ذهب بعضهم إلى شرعنة الأفكار والمفاهيم القانونية الأوروبية التي لا تتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، على الرغم من رفض البعض الآخر لهذا التوجه تحت مفهوم أصالة نظام الشريعة ومصادرها المتعددة، وسعيهم لربطها بالمقدس – تعالى وتنزه – متغاضين عن أن العرف والمصلحة من مصادر الشريعة. ولا يزال بعضهم يتغاضى عن أن التراث الفقهي وسردياته التاريخية هو جزء من اجتهادات كبار الآباء المؤسسين للمذاهب السنية وفقه الجمهور. هذا الاتجاه ساهم في تطور اللغة الدينية الفقهية وحركيتها من خلال بعض كبار المجتهدين مثل الشيخ خليفة المنياوي، والإمام محمد عبده، وتلاميذه مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وعبدالمتعال الصعيدي، ومحمد عبدالله دراز، وآخرين مثل خالد محمد خالد.

ساهم عميد الأدب العربي طه حسين في كتاباته الإسلامية في تطوير اللغة عموماً والدينية على وجه الخصوص، ومعه محمد حسن الزيات، ومصطفى صادق الرافعي، ومحمود محمد شاكر، وآخرون.

حركية اللغة الدينية مرجعها أيضاً التطورات التي حدثت مع الصحف والمجلات التي ساهمت في تحرير اللغة الفصحى من المفردات المهجورة وبعض البلاغة الممتحلة، لصالح بلاغة صحفية عصرية هدفت إلى توسيع قاعدة القراء من خلال لغة سلسة، بعيدة عن الإطناب، ومخصّبة بالمفردات الجديدة والمعرّبة عن اللغات الأوروبية المتطورة، وخاصة في مجالات التكنولوجيا، والاقتصاد، والعلوم الطبيعية، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والقانون، والسياسة. ويُلاحظ الدور الذي لعبه بعض اللغويين والتراجمة الشوام من المسيحيين العرب والمصريين في ترجمة كتب عن الفرنسية، وأيضاً ترجماتهم للكتاب المقدس.

ساهم تطور اللغة الصحفية في تطور الأساليب اللغوية، وأثّر على لغة السرد القصصي والروائي والمسرحي. ومن المثير ملاحظة أن تطور تكنولوجيا الاتصال مع ظهور التلفاز أثّر أيضاً على اللغة وأوصافها ومجازاتها المستمدة من اللغة البصرية والسينمائية. وقد تأثر بعض الدعاة ورجال الإكليروس القبطي باللغة التلفازية والبصرية في سردياتهم وشروحهم الدينية للجمهور، وتناص اللغة البصرية والمشهدية مع اللغة الدينية التاريخية واللغة المحكية، وذلك للتأثير على الجمهور المسلم، وخاصة العوام. وقد هيمنت اللغة الشفاهية العامية في الخطب الدينية، والشروح، والفتاوى، مع بعض التناص مع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية المشرفة، وآراء بعض الفقهاء.

أثّرت الثورة الرقمية على اللغة الدينية بأنماطها المختلفة. ويتم توظيف المجال العام الرقمي ووسائل تواصله الاجتماعية من بعض رجال الدين، ودعاة رقميين، ومؤثرين – يوتيوبر – بل وبعض الممثلين والممثلات بهدف الذيوع والشهرة وسط جمهور رقمي متدين.

اتسمت اللغة الدينية الرقمية أحياناً بالعنف اللغوي والمجازي والاختصار، وأحياناً أخرى بالنزعة الشعاراتية المثيرة لجذب التفضيلات. كما مال بعض رجال الدين – وبعض العوام الرقميين – إلى استخدام الفيديوهات الوجيزة سعياً وراء التفضيلات من أجل الكسب المالي والشهرة.

يميل بعضهم إلى تقديم آراء وفتاوى مثيرة على غير مألوف السائد، تبريراً لبعض السلوكيات وشرعنة لها، لا باعتبارها اجتهاداً، وإنما للإثارة والذيوع.

بعض اللغة الدينية الرقمية باتت سجالية، دفاعية وهجومية، وتميل إلى الاشتباك مع تفاصيل الحياة اليومية ومع بعض نجوم السينما والغناء… إلخ، وذلك سعياً وراء أثارية المنشورات والتغريدات والفيديوهات الطلقة. ويرمي بعض العوام الرقميين – وبعضهم ينتمي إلى جماعات دينية سياسية وسلفية – إلى الهيمنة على الحياة الرقمية في ظل انفجار تفاصيل الفضائح الشخصية، واللغة البذيئة والسوقية، وفيديوهات اليوتيوبر المثيرة للحواس، وهو ما يمثل مادة يومية للاشتباك معها والانشغال بها.

الحياة الرقمية لم تطرح تحدياتها على العقل الديني النقلي العام السائد على نحو يدفعه إلى طرح أسئلة جديدة أو اجتهادات تحفّز على تجديد بعض الفكر الديني. ومن ثم لا تعدو الرقمنة كونها أداة لدى هذا العقل النقلي، تحاصره كما في الواقع الفعلي داخل ثنائياته الموروثة وفتاواه المرسلة، بينما العالم والعقل الإنساني والسياسي في طور التحول إلى مرحلة ما بعد الإنسان.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة