الاقتصاد السوري وصناعة برجوازية بديلة فاشلة

img

في تاريخ سوريا الحديث، يُعتبر عهد حافظ الأسد مثالاً صارخاً على خطورة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة التي تؤدي إلى تدمير البنية الوطنية. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومع سياسات التأميم المبالغ فيها، والضرائب التعسفية، والرقابة الأمنية المحكمة، اضطرت طبقات واسعة من برجوازية دمشق وحلب وحمص إلى الهجرة خارج البلاد. هذه الطبقة لم تكن مجرد فئة ثرية، بل كانت تمثل القوة المحركة للاستثمارات الوطنية، سواء في الصناعة أو التجارة أو حتى الزراعة الحديثة. بخروجها خسر الاقتصاد السوري السيولة والخبرة والقدرة على الابتكار، وهو نزيف لم تتمكن البلاد من تعويضه حتى اليوم. 

لم يتوقف الضرر عند هذا الحد، بل رافقه تراجع كبير في الحياة الحضرية للمدن السورية. فالمراكز التجارية والثقافية فقدت ديناميكيتها، وحلّ محلها نمط مشوّه من الاقتصاد قائم على الولاءات والمحسوبيات أكثر مما هو قائم على الكفاءة والإبداع. التجارة والصناعة تحولت تدريجياً إلى أشكال بدائية تفتقر إلى الاحترافية، وهو ما يمكن وصفه بـ “ترييف” الأعمال، أي نزول مستوى الاقتصاد الحضري إلى أنماط بدائية أشبه بالريف، بدلاً من أن يبقى في موقع تنافسي على المستوى الإقليمي. ومع هجرة الطبقة المقتدرة، تراجع الطلب على المنتجات المتطورة والخدمات النوعية، وأصبح السوق المحلي فقيراً في التنوع والجودة، مما زاد من انغلاق الاقتصاد وعجزه عن التطور. 

الجانب الثقافي لم يكن بمعزل عن هذا التدهور، فقد رافق نزيف رأس المال هجرة واسعة للنخب المثقفة والفنانين والأكاديميين. سياسات القمع السياسي وغياب الحريات الفكرية دفعت الكثير من العقول السورية إلى الخارج، ليتركوا فراغاً هائلاً في الداخل انعكس على التعليم والفنون والإبداع. بذلك، لم يقتصر الأثر على الاقتصاد وحده، بل طال الهوية الثقافية والحياة الفكرية للمجتمع السوري، ليتحول الإنتاج الثقافي إلى أداة دعائية للنظام بدل أن يكون وسيلة نهضة وتجديد. 

وفي محاولة لتغطية هذا الفراغ، لجأ حافظ الأسد إلى صناعة برجوازية بديلة من داخل محيطه العائلي والسياسي. لكن هذه الطبقة الجديدة لم تُبنَ على أساس الكفاءة أو الخبرة الاقتصادية، بل على الاحتكار والفساد والصفقات المشبوهة. ثرواتها لم تُستمد من الإنتاج والعمل الجاد، بل من استغلال موارد الدولة والهيمنة على التجارة عبر الامتيازات والولاءات. لذلك، فشلت هذه البرجوازية المصطنعة في أن تكون بديلاً حقيقياً للطبقة البرجوازية الوطنية التي هاجرت. بل على العكس، ساهمت في زيادة تشويه الاقتصاد وإضعاف مؤسساته، لأنها حولت النشاط الاقتصادي من فضاء مفتوح للمنافسة والإبداع إلى شبكة مغلقة من المصالح المرتبطة بالأجهزة الأمنية والسياسية. 

هذا المسار التاريخي ترك أثره العميق على سوريا حتى اليوم. فاقتصاد البلاد الذي كان يمكن أن يكون من الأكثر تنوعاً وازدهاراً في المنطقة، تحوّل إلى اقتصاد هشّ، ضعيف التنافسية، يعتمد على الريع والفساد، ويفتقر إلى أي رؤية طويلة الأمد. انهيار البنية الصناعية، تراجع الإنتاج الزراعي الحديث، انغلاق الأسواق، فقدان رأس المال البشري، وانحدار التعليم والثقافة، كلها نتائج مباشرة لسياسات حافظ الأسد. ما نشهده اليوم من أزمات اقتصادية خانقة هو امتداد طبيعي لما زُرع في تلك المرحلة، حين تم تفريغ سوريا من برجوازيتها الوطنية ومحاولة استبدالها بطبقة بديلة فاشلة. 

إن ما عاشته سوريا طوال العقود الماضية يوضح أن بناء اقتصاد وطني متين لا يمكن أن يتحقق من خلال قمع الفئات المنتجة أو عبر محاولة استبدالها ببرجوازية مصطنعة مرتبطة بالسلطة. لقد أثبت الواقع أن الاقتصادات التي تُدار بهذه الطريقة تفقد حيويتها سريعاً، لأنها تُفرغ من قواها الحقيقية وتعتمد على شبكات الولاء بدلاً من الكفاءة والإبداع. حماية الملكية الخاصة، تشجيع الاستثمار الوطني، توفير بيئة ضريبية عادلة، وضمان الحرية الاقتصادية والثقافية، ليست كماليات ولا شعارات، بل هي الركائز التي ينهض عليها أي اقتصاد حديث. 

إن مستقبل سوريا مرهون بقدرتها على كسر هذا الإرث الثقيل، وعلى الاعتراف بأن الطريق الذي سلكه حافظ الأسد قاد إلى الفشل والانهيار. السير في الاتجاه نفسه سيعني ببساطة إعادة إنتاج الكارثة. أما الخيار الحقيقي، فهو بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع، قوامه الثقة والعدالة والانفتاح، بحيث يشعر المواطن والمستثمر والمثقف بأن مكانه في الداخل مصان ومحترم. وحده هذا التحول الجذري يمكن أن يفتح الباب أمام سوريا قوية، عادلة، ومستدامة، تعيد إلى مدنها روحها، وإلى اقتصادها قدرته على المنافسة، وإلى ثقافتها دورها في الإبداع والنهضة.


الكاتب بسام الجيال

بسام الجيال

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة