عن فجر الهوية السورية الوطنية والعهد الفيصلي
قبل العام 1918 لم تكن الهوية السورية ذات دلالة في الحقل الاجتماعي السوري، بل كانت مقتصرة على الحقل الثقافي. وللمفارقة فإن الذين بدؤوا باستخدام “السورية” قبل غيرهم وأكثر من غيرهم هم اللبنانيون في القرن التاسع عشر. حينها لم يكن أحد منهم يحلم أن تصعد “اللبنانية” لاحقاً لتنافس “السورية”، حين لم يكن لبنان يعني أكثر من متصرفية جبل لبنان التي لا تتجاوز مساحتها 2000 كم²، أما ابن بيروت وطرابلس وصيدا فلم يكن لبنان يعني له أكثر مما تعني حمص بالنسبة لحماة مثلاً.
بدأت “السورية” تقتحم الحقل السياسي قادمة من الحقل الثقافي مع بداية القرن العشرين وقبله بقليل، لكنها تراجعت قليلاً مفسحة المجال للعروبة مع صعود النزعة القومية العربية في مواجهة القومية التركية الطورانية المتعصبة لجمعية الاتحاد والترقي.
تمكنت القومية العربية من الهيمنة والانتشار منذ مؤتمر باريس للجمعيات العربية عام 1913، وتعززت بفضل ما يُعرف بـ”الثورة العربية الكبرى”، وصولاً إلى دخول جيش الشمال العربي بقيادة فيصل بن الحسين إلى دمشق عام 1918. وفي مؤتمر الصلح المنعقد في باريس في كانون الثاني 1919 اضطر فيصل إلى تبنّي “السورية” في مطالبته باستقلال سورية الطبيعية، واضعاً مطالب والده في دولة عربية كبرى واحدة خلفه لأول مرة.
منذ ذلك الوقت عرف الجميع، حتى “القوميين العرب المتشددين في سورية”، أن الظروف الدولية لا تسمح بتحقيق الحلم العربي، وأن عليهم إفساح المجال لـ”السورية” الواقعية بدلاً من ذلك. لكن ذلك لم يكن يعني التخلي عن “العروبة” لصالح “السورنة” بقدر ما كان يعني إفساح المجال للسورنة المندمجة بطريقة تكاملية مع العروبة. هكذا أصبح الكيان العربي الذي بدأ بإعلان فيصل عشية دخول دمشق أنه “حكومة عربية مستقلة استقلالاً لا شائبة فيه تحت راية سيدنا الشريف حسين” يسمى في 8 آذار 1920 “المملكة السورية العربية”، في إشارة لا تخفى للاستقلالية السورية مع حمل الهوية العربية.
تحقق لـ”السورية” في العهد الفيصلي ليس الانتقال من الحقل الثقافي إلى الحقل السياسي فحسب، بل ما هو أكثر أهمية وعمقاً: الاستقرار في العقل الجمعي السوري كهوية وطنية لم تكن معهودة من قبل.
فسورية قبل العهد الفيصلي كانت فضاءً لهويات لا حصر لها ولا حد، تعمل كلها ضمن عباءة الرابطة العثمانية بطابعها الديني الإسلامي.
فهناك الهويات المناطقية، حيث يتعرّف الدمشقيون على القادم من حلب باعتباره حلبياً، والحلبي يختلف في اللهجة والطباع عن الدمشقي إلى درجة لا يتصوّر فيها الدمشقيون –ربما– كيف يمكن أن تجمعهم مع الحلبيين رابطة ما، سوى أن الجميع مسلمون.
وكذا الحال بالنسبة لبقية المناطق، أما الهويات الطائفية فهي أعمق مما سبق. فحين يتجاور أصحاب المذاهب المختلفة فهم محكومون بالتعامل الاقتصادي والمواصلات… لكن الهويات التي تعني تمايزهم عن بعضهم في الاجتماع والزواج والأفراح والتقاليد المختلفة النابعة من الدين والمذهب، تبقى عقبة كأداء في طريق تصورهم للاجتماع تحت رابطة واحدة سوى الدولة العثمانية القاهرة.
أتاح العهد الفيصلي بقوميته المجدولة بالعلمانية المرنة استدراج الهويات التي تعوّدت العمل منفردة تحت العباءة العثمانية نحو هوية جديدة حقيقية، رغم كونها في طور الطفولة. وجد الجميع في “السورية” مكاناً رحباً لهم، وتدعّمت “السورية” بممارسات سياسية وإدارية وثقافية لم تترك للهويات القديمة مجالاً للشك في كون الهوية السورية حقيقية وفاعلة.
حتى إن يوسف الحكيم، المسيحي الأرثوذكسي الذي شغل مناصب متعاقبة في العهد العثماني والفيصلي وعهد الانتداب الفرنسي، كتب يقول عن العهد الفيصلي: “إن المسيحيين نالوا فيه من الوظائف في سائر دوائر الدولة أكثر مما تفرضه نسبتهم العددية”. ولم يكن ذلك سوى تطبيق لتوجّه الأمير فيصل والحكومة العربية وجمعية “العربية الفتاة” نحو مراعاة الأقليات بمنحها فرصاً للصعود أكثر من نسبتها العددية.
هكذا بدأت الهوية السورية تنتقل إلى الحقل الاجتماعي لتنافس الهويات المناطقية والطائفية والعرقية (الشركس، الأكراد، الأرمن)، بل ولتظهر في أكثر من مناسبة شيئاً من التفوق، أقله في المناسبات العامة والثقافة والتعليم.
ليست الهوية السورية بعيدة عن الوطنية السورية، فالروح الوطنية تجد مكانها في الكيان السوري الذي يزحف ليتحول إلى دولة مكتملة. وفي هذا السياق لعبت الديمقراطية دوراً بالغ الأهمية في تطور الهوية السورية التي نبعت من الداخل الاجتماعي مواكبة للتطور السياسي ولم تُفرض بالعنف والإكراه.
تعززت الوطنية السورية بالتحديات التي واجهها العهد الفيصلي، خصوصاً بالمواجهة مع الإصرار الفرنسي على فرض الانتداب بالقوة على سورية، وبتجزئة سورية بطريقة تصطدم مع الحقائق الديمغرافية والتاريخية ومصالح السكان.
وحين انهار العهد الفيصلي تحت مدافع الجنرال غورو، لم تسقط الهوية السورية بقدر ما تعمّقت وتلقت شحنة عاطفية قوية من الوطنية ساهمت فيما بعد في إشعال الثورات السورية.
ولدت الهوية السورية في العهد الفيصلي لأول مرة، واستمرت تتصاعد في عهد الانتداب الفرنسي، ولم يكن يخطر ببال أحد أن تلك الهوية ستتعرّض لامتحان كهذا الذي تتعرض له اليوم بعد أكثر من مئة عام.