نص بلا عنوان
إنني أشعر بالخجل من نقاش انفصال مدينةٍ سوريةٍ وكأنه أمرٌ طبيعي ونقاشٌ مُمكن. ولأن هذا النص يناقش تلك المسألة، رأيتُ، من فرط خجلي، أن أتركه كما ينبغي أن يكون: نصٌ بلا عنوان. الخجلُ من العنوان، هو خجلٌ من أطفالنا السوريين عندما يكبرون، هذا إنَّ تركناهم يكبرون بسلام، وقد يقع بعضهم مصادفةً على نصٍ مثل هذا.
وفي الوقت الذي أدرك شخصياً أنّه لا يحق لي الكلام باسم السوريين، ولا باسم أي فردٍ، أو جماعةٍ منهم؛ فإنِّي أمنح نفسي حقَّ الخجل باسمهم جميعاً، لأننا كلنا مسؤولون عن الوصول إلى هذه النقطة، وهو خجلٌ أُعبِّر عنه بتغييب العنوان، نتيجة قلِّة حيلتنا وضعف قدراتنا على تغيير الموضوع. ويدل الضمير المتصل “نا” هنا، وفي هذا النص كله على الجماعة السورية، حيثما ورد.
السويداء سوريَّةٌ بالبداهة، لكن، على أيَّة حال، لا ضير في نقاش تلك البداهة في هذه الأيام الغريبة والعجيبة. ويفرض سياق الغرابة والعجب قولٌ تمهيديٌ ثانٍ، قبل البدء بالنقاش، على النحو الآتي: القول بأن السويداء سورية لا يعني، في أي حالٍ من الأحوال، إنكار أنها قد تعرضت لمجزرة، وسلوكيات قتلٍ وتنكيلٍ طائفي أقل ما يقال فيها أنَّها مشبعة بالحقد، ولا يمكن للإنسان المتوازن سياسياً وإنسانياً أن يتجاهلها، ولا أن يسوِّغ حدوثها، أو يلتمس الأعذار لمرتكبيها؛ فهي فعلُ شرٍّ مطلق، لا يدافع عنه إلا شرير، غير أن العقل يمكن أن يقول أنا لن أكون مع المجزرة، ولا مع السلطة، ولكنّي لست مع “الدرزية السياسية”، ولا مع التعامل مع إسرائيل، ولا مع قتل البدو الأبرياء أو تهجيرهم؛ فالقاعدة الأصيلة تقول: إن الشرَّ لا ينتصر على الخير إلا إذا صنع منه شراً مقابلاً، والطائفي لا ينتصر على الإنسان، إلا إذا تحوَّل الأخير إلى طائفيٍّ مثله، وكذلك لا ينتصر قتلة الإنسانية في السويداء، إلا إذا ساد العنف فيها منهجاً، وغاب عنها التفكير. إن هؤلاء القتلة وقد خرجوا من مفهوم الإنسان، لا يُكفى شرّهم في حالة السويداء إلا بالعقل والإنسانية، وبالتحالف مع السوريين، الذين لا يزالون مفعمين بالعقل والإنسانية والطموح إلى حياة كريمة؛ تلك هي قوة الحق في نهاية المطاف. ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ أحداثاً، بالحجم الذي جرى في السويداء، ليست إلا صورةً للدولة في المرآة، ومن ثم للمجتمع السوري في المرآة. نحن السوريين، عندما ننظر إلى السويداء هذه الأيام، لا نكون نرى سوى ذاتنا السورية المُهمَّشة منعكسةً فيها؛ ذاتٌ لو عالجت جراحها بهدوءٍ وتفاؤل، لكان ذلك، من دون شك، أفضل من التفكير في كسر المرآة.
يقترح كثيرون بأن الانفصال سيوقف الحرب مع المركز، أو ينهي حالة العداء والقتل في المستقبل؛ غير أنَّ السياق التاريخي يثبت أنَّ معظم حالات الانفصال في التاريخ لم تفضِ إلى إنهاء الحرب، بل إلى تجددها من جديد.
مؤسفٌ أنَّ كلَّ ذلك ينتمي إلى حقبة ما بعد الأسد! وبعد هذا التقديم نبدأ النقاش.
سوريَّةُ السويداء، ووهم انفصالها، يستند إلى أسبابٍ منطقية وعقلانية يمكن تكثيفها في خمس نقاطٍ موضوعية، على النحو الآتي:
أولاً: توقيت هذا النقاش الآن غير ملائم؛ فالسويداء اليوم بيت عزاءٍ مفتوح، والحديث عن الانفصال في زمن المأتم فكرةٌ قد تكون مفتعلةً لطرح موضوعٍ لا يقبل الناس طرحه في وقتٍ آخر؛ فالمأتم ليس لقاءً ملائماً للقرارات المصيرية.
ثانياً: ثمة في العالم حالة أنموذجية لانفصالٍ ناجحٍ ومُفيد، هي تجربة انفصال النرويج عن السويد عام 1905. وتوافرت في تلك التجربة خمسة عوامل حاسمة تجعل منه نموذجاً مرجعياً لتقويم مدى واقعية أي مشروع انفصالي. سنستعرض هذه العوامل وننظر في مدى توافرها في السويداء، ثم نحكم بعدها على إمكان نجاح هذا الطرح:
1) الإطار القانوني والدستوري: تمَّ انفصال النرويج بوساطة بنية سياسية مؤسسيَّة راسخة، كان في مقدَّمها برلمانٌ نرويجي متمكِّن، وقدرة سياسية متكاملة أهلت البلاد لطرح هذا المشروع وضمان نجاحه، كما جرى الاستفتاء في وقت السلم، وباعترافٍ متبادل. أمّا في السويداء، كما في سوريا عموماً، فكل شيءٍ حاضر إلا السياسة بالمعنى المؤسسي؛ ومن ثم تغيب كلياً القدرة السياسية والمؤسساتية اللازمة لخوض غمار تحدٍّ بهذا الحجم.
2) الاكتفاء الاقتصادي: كانت النرويج آنذاك قادرة اقتصادياً على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وإدارة تجارتها بفعالية. وهذا ايضاً عامل غير متوافر في السويداء، إلا في حدودٍ عاطفيةٍ مقرونةٍ بخطابٍ يفتقر إلى الدقة العلمية والموضوعية.
3) غياب تهديد أمني مباشر: أنجزت النرويج انفصالها في مناخٍ سلمي، إذ لم يكن ثمة خطر قمعٍ دموي من جانب السويد، بل على العكس، أبدت السويد استعداداً لقبول هذا الخيار بروحٍ سلمية، وهي التي طالبت بالاستفتاء، أمَّا في سورية، الأمر على النقيض تماماً؛ فخطوة كهذه ستؤدي بالضرورة إلى حربٍ مدمرة مع السويداء، تحديداً في ظل الظروف الراهنة.
4) غياب عوامل التشظي الاجتماعي بعد الانفصال: كان النسيج الاجتماعي النرويجي قائماً على روابط مدينية وفردانية، كوّنت معاً رأس المال الاجتماعي للجماعة، فوفَّرت ضمانةً للاستقرار بعد الانفصال.
وأما عندما تكون الروابط الاجتماعية قبلية، وطائفية، وعائلية؛ فإنَّ الجماعة المنفصلة تصبح عرضةً بالضرورة لصراعاتٍ داخلية دموية، هذا ما حصل في انفصال باكستان عن الهند مثلاً عام 1947، حيث غاب عنها هذا الشرط النرويجي كلياً، ولم تراكم باكستان رأس مال اجتماعي مديني، بل كانت الروابط الدينية هي الأساس في تخيل الجماعة الجديدة.
5) الاعتراف الدولي السريع: لم تُعارض الدول انفصال النرويج، بل سُجِّل الاعتراف به سريعاً. وهذا أمرٌ غير متصوّرٍ في حالة السويداء إلا ضمن نطاق تفكيرٍ متسرِّع، أو في حدود هذيانٍ هويَّاتي يمكن تفهمه نفسياً بعد مجزرة مروعة، ولكنَّه لا يصلح ليُقدَّم بوصفه طرحاً سياسياً واقعياً قابلاً للتحقيق.
إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي يمتلك ما يكفي من قوة الشر، ومن سياسة الشر، لفرض الترويج لهذا الانفصال، وهي أكثر الرابحين منه.
إذاً، لا يتوافر في السويداء أيٌ من شروط الانفصال المُفيد، المستخلصة من الحالة الأنموذجية النرويجية.
ثالثاً: الانفصال يخلق بالضرورة بيئة عدائية، وهذا يعني أن الموارد الشحيحة أصلاً ستصرف كلّها على مسائل الدفاع والأمن، ولن يتبقَّى دولارٌ واحد يخصَّص لمدرسةٍ أو مستشفى، وعندها تبدأ دوامة الفقر والجهل والإنهاك الاجتماعي، وستظل السويداء عرضةً للتدخلات الخارجية التي تمنع الاستقرار.
ويقترح كثيرون بأن الانفصال سيوقف الحرب مع المركز، أو ينهي حالة العداء والقتل في المستقبل؛ غير أنَّ السياق التاريخي يثبت أنَّ معظم حالات الانفصال في التاريخ لم تفضِ إلى إنهاء الحرب، بل إلى تجددها من جديد كما في يوغسلافيا السابقة، وباكستان مع الهند. أمّا الحالات النادرة التي حلَّ فيها الانفصال مشكلة العنف، فلها شروطٌ معينة جداً، ومنها مثلاً استقلال بنغلاديش عن باكستان (1971)، وتيمور الشرقية عن أندونيسيا (2002)، وجنوب السودان عن السودان (2011)، في حالة باكستان وبنغلاديش لم يكن بينهما حدود برية، وكانتا متباعدتين جغرافياً، وتفصل بينهما الهند الواسعة، الأمر الذي جعل حرب بعد الانفصال غير ممكنة، وفي حالة تيمور الشرقية فقد وافقت الأمم المتحدة في استثناءٍ نادرٍ جداً على الاستفتاء في تيمور الشرقية استناداً إلى اساسٍ قانوني هو أن أندونيسيا ضمَّتها إليها بالقوة عام 1976 بعد الاستعمار البرتغالي، وهذا غير متوافر في حالة السويداء أيضاً. وفي حالة جنوب السودان وافقت الدولة الأم، وتمَّ توقيع اتفاقية نيفاشا بشكلٍ مشترك منعَ استمرار الحرب، وهذا غير متوافر في حالتنا أيضاً.
رابعاً: ثمة خطورة حقيقة، لا مجازية، في أيِّ انفصال يستند إلى أساس هوية فرعية؛ إذ إنَّ هذا الفعل يقطع السردية التاريخية المشتركة، ويحوِّل الاختلاف الديني والثقافي إلى حدودٍ هشة أمنياً، لا تنتج سوى تسييس
الهوية وترسيخ الانغلاق الهوياتي. ولم تنجح دولة واحدة في العالم في تحقيق الانفصال في أثناء العنف، وتحت تأثير الهوية المحلية الضيقة، وإن نجحت شكلياً، فإنّها عانت لاحقاً من تفتّت داخلي مُميت.
خامساً: النقاش الداخلي السائد في السويداء الآن ينفي الأساس النظري الذي يستند إليه دعاة الانفصال، فالعناوين العريضة التي يقدمونها، مثل الديمقراطية، والعلمانية، والحداثة، والتنمية، والخلاص من مشكلات سورية، لا تجد ما يقابلها في سلوكهم العملي، إذ سرعان ما يظهر التناقض بين الشعار والممارسة؛ فهم لا يحتملون اليوم أيَّ نقدٍ موجّهٍ إلى أفكارهم أو إلى قادتهم، وقد طوَّرا تهمة جاهزة يرمون بها أي مخالف وهي “أنت مع الشرع الذي قتلنا”! لو كان المشروع الديمقراطي في السويداء مُبشراً بحق لما تمت ممارسة العنف الرمزي ضد أبناء السويداء من الرافضين للانفصال وللتعاون مع إسرائيل. إن هذا السلوك منذ بدايته لا يبشر بالخير، بل باستبدادٍ أيضاً.
أخيراً، إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي يمتلك ما يكفي من قوة الشر، ومن سياسة الشر، لفرض الترويج لهذا الانفصال، وهي أكثر الرابحين منه، غير أنها لن تسمح بحدوثه لأنه سيغذي نزعات انفصالية داخل إسرائيل نفسها مثل بدو النقب وغيرهم، ويظل الخاسر الأكبر في هذا الترويج هم أهالي السويداء جميعاً، من دون استثناء.
المصدر: تلفزيون سوريا