المأزق الجديد للنخب العربية أمام الظاهرة السورية
على امتداد الأعوام الأربعة والخمسين الماضية تشكلت في العالم العربي نخب سياسية وإعلامية لعبت أدواراً مركزية في صياغة الوعي العام وتحديد مسارات النقاش السياسي. هذه النخب، التي كان لمصر النصيب الأكبر في إنتاجها، بنت سرديتها الكبرى على أساس ثابت لم يتزعزع: العداء لكل منتج ثقافي أو سياسي ذي خلفية إسلامية. لقد أداروا معركتهم مع الإسلاميين بمزيج من الخطاب الناعم والخطاب الصدامي، فتارة يصورونهم بأنهم غير مؤهلين للحكم، وتارة يربطونهم بالفوضى والدماء والإرهاب. ومع مرور الوقت، تحول هذا الخطاب إلى عقيدة سياسية وإعلامية تكاد تكون مطلقة، تُقدَّم للجمهور على أنها حقيقة لا يطالها الشك.
ولم يكن فشل تجربة الإخوان المسلمين في مصر إلا وقوداً إضافياً يعزز تلك السردية. ففي فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي بدا المشهد مرتبكاً ومليئاً بالتعثر، فانقسم المجتمع على نحو حاد، واستغل خصوم الإسلاميين هذا الفشل ليقدموه بوصفه برهاناً دامغاً على أن الإسلاميين غير قادرين على إدارة الدولة، وأنهم مشروع فوضى وإرهاب. ومنذ تلك اللحظة، استقرت سردية النخب المعادية للإسلاميين على صورة واحدة: إنهم عاجزون، فاشلون، وخطر وجودي على استقرار الدولة والمجتمع.
لكن التاريخ لا يسير وفق ما تشتهيه سرديات جاهزة، فالأحداث الكبرى قادرة دائماً على كسر القواعد وإعادة رسم المشهد من جديد. واليوم يشهد العالم العربي حدثاً استثنائياً لم يكن في حسبان تلك النخب: سوريا، البلد الذي كان طوال سنوات الحرب الأهلية رمزاً للفوضى والانقسام والتدخلات الخارجية، يشهد صعود شخصية من خلفية إسلامية متشددة، أحمد الشرع، الذي كان جزءاً من تيارات القاعدة والنصرة وهيئة تحرير الشام، ليجلس في قصر الشعب في دمشق بعد إسقاط نظام الأسد بكل ثقله الأمني والعسكري والدولي.
المفاجأة لم تكن محصورة داخل سوريا. لقد تحولت إلى حدث إقليمي وعالمي فارق. رئيس أقوى دولة في العالم استقبل الرجل وأثنى عليه علناً، دول الخليج التي طالما ارتبط اسمها بالحذر الشديد من الحركات الإسلامية فتحت أبوابها وبنوكها مرحبة، واستقبله قادتها استقبال الفاتحين. أوروبا لحقت بركب الولايات المتحدة ورفعت العقوبات، معلنة بداية مرحلة جديدة من العلاقات مع دمشق. فجأة وجد العالم نفسه يتعامل مع واقع سياسي جديد، ومع شخصية كانت حتى الأمس القريب تُصنّف على أنها جزء من أكثر التيارات الإسلامية تشدداً.
هنا، وفي هذه اللحظة المفصلية، ظهرت الأزمة الكبرى للنخب العربية التي بنت مشروعها الفكري والإعلامي طوال نصف قرن على نفي إمكانية نجاح أي تجربة إسلامية. فإذا بالواقع يفرض نفسه بصورة معاكسة تماماً. لم يعد في وسعهم أن يكرروا مقولاتهم السابقة من دون أن يظهروا في صورة من يصارع أوهاماً انتهى زمنها. لقد أُجبروا على مواجهة السؤال الصعب: كيف سيتعاملون مع تجربة سورية جديدة تنقض كل ما بنوه من سرديات لعقود طويلة؟
إن المشكلة الأساسية التي وقعت فيها تلك النخب أنها تعاملت مع الإسلاميين باعتبارهم “كتلة صماء”، لا فروق بينها ولا اختلاف في سياقاتها. لقد حوّلوهم إلى قصة واحدة مغلقة: إما إرهاب، أو فشل سياسي، أو مشروع دموي يهدد الدولة. لكن الواقع أعمق وأكثر تعقيداً. فالإسلاميون ليسوا جماعة واحدة، بل هم أطياف وتيارات وتجارب متباينة، تتشكل بحسب السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تعمل داخلها. تجربة الإخوان في مصر ليست هي تجربة النهضة في تونس، وهذه ليست هي تجربة الإسلاميين في المغرب أو في السودان، فما بالك بما يجري اليوم في سوريا. إن الظروف التي تحكم كل تجربة، والتحالفات التي تصنعها، والضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها، كلها عوامل تجعل من المستحيل أن تُحشر هذه التجارب في خانة واحدة أو أن تُختزل في قصة جاهزة تُعاد روايتها بلا تفكير.
بل يمكن القول إن الفكرة نفسها – أن هناك “قصة ثابتة” عن الإسلاميين – فكرة كسولة فكرياً، لأنها تعفي أصحابها من عناء التحليل وفهم الواقع المتغير. ما حدث في سوريا اليوم دليل صارخ على أن الواقع لا يقبل القوالب الجاهزة، وأن أي سردية تحاول فرض صورة واحدة على كل التجارب سرعان ما تصطدم بجدار الحقيقة. إن صعود أحمد الشرع، بكل خلفيته المثيرة للجدل، لم يكن نسخة مكررة من تجربة مرسي في مصر، ولا من تجربة الغنوشي في تونس، بل كان وليداً لسياق سوري خاص، ولتحولات إقليمية ودولية فريدة، جعلت منه حدثاً لا يشبه سواه.
بعضهم قد يواصل الخطاب القديم، مصرّاً على أن ما يجري في سوريا مجرد وهم مؤقت، أو أنه سينتهي إلى الفشل كما انتهت تجارب أخرى. ولكن هذا الخيار يبدو أشبه بمحاولة لمقاومة إعصار بخطاب ورقي، إذ إن الحقائق على الأرض تُظهر مشهداً مختلفاً، والعالم كله يتعامل معه بجدية. آخرون قد يلجؤون إلى إعادة التموضع، فيتخلون تدريجياً عن خطاب العداء المباشر، ويستعيضون عنه بلغة أكثر مرونة، يقولون فيها إن المهم هو الاستقرار وإن ما يهم هو خيارات الشعوب. وهذا الموقف قد يحفظ ماء الوجه لكنه يفرغ سرديتهم السابقة من مضمونها ويكشف هشاشتها.
وربما تختار قلة قليلة أن تذهب إلى المراجعة الصريحة، وأن تعترف بأن ما بنته من سرديات كان مبالغاً فيه أو مبنياً على تجربة بعينها لا يمكن تعميمها على الجميع، وأن الإسلاميين ليسوا كتلة واحدة، وأن الظروف والسياقات تصنع الفارق بين تجربة وأخرى. مثل هذا الخيار قد يمنحهم مصداقية جديدة، لكنه يتطلب شجاعة فكرية وسياسية لا تبدو متاحة عند أغلبهم. وهناك خيار أخير قد يلجأ إليه بعضهم وهو الصمت، أي الانسحاب من النقاش، والامتناع عن الخوض في تفاصيل التجربة السورية، انتظاراً لانكشاف الأمور. لكنه صمت يُخرجهم تدريجياً من دائرة التأثير ويحوّلهم إلى أصوات هامشية لا وزن لها في النقاش العام.
إن ما يحدث في سوريا اليوم ليس مجرد تحول في السلطة، بل هو زلزال سياسي وفكري يضرب في العمق سرديات استقرت لعقود طويلة. هذا الزلزال لا يقف عند حدود تغيير نظام أو انتقال الحكم من يد إلى يد، بل يتجاوز ذلك ليهز البنية العميقة للتصورات المسبقة التي فرضتها النخب العربية طوال نصف قرن على الرأي العام. فهذه النخب التي أقنعت نفسها وأقنعت جماهيرها أن الإسلاميين لا يمكن أن يكونوا سوى مشروع فوضى، تجد نفسها الآن أمام واقع يناقض كل ما روجت له.
إنه زلزال لأنه يفتح الباب واسعاً أمام إعادة النظر في مقولة “القصة الثابتة” عن الإسلاميين. فلا وجود لقصة واحدة تحكم كل التجارب، ولا توجد نهاية واحدة حتمية لها. ما حدث في مصر لا يمكن نسخه على تونس، وما حدث في تونس لا يمكن إسقاطه على المغرب، وما جرى هناك لا يمكن مقارنته بما يجري اليوم في سوريا. لكل بلد ظروفه وسياقاته وتحالفاته وضغوطه الداخلية والخارجية، ولكل تجربة نتائجها التي تنبع من واقعها الخاص. الزلزال السوري جاء ليذكر الجميع بأن القوالب الجامدة تنهار دائماً أمام قوة الواقع، وأن التاريخ لا يُكتب بخط مستقيم بل بأحداث متعرجة تفاجئ الجميع.
ولأنه زلزال فكري أيضاً، فهو لا يكتفي بإعادة صياغة الموقف من الإسلاميين، بل يعيد طرح سؤال أعمق: كيف نصوغ سردياتنا السياسية في العالم العربي؟ هل نبنيها على تصورات مسبقة ونغلق الأبواب أمام أي احتمال آخر؟ أم نتعامل مع السياسة كتجربة مفتوحة تتغير بتغير الظروف؟ إن التجربة السورية تعلن بصوت عالٍ أن العالم لم يعد يقبل السرديات المغلقة، وأن الحقيقة أغنى وأعقد من أن تختزل في شعار واحد أو معادلة بسيطة.