الدولة القومية والحرية، والرأسمالية الرقمية النيوليبرالية

img

شكَّلت مسألة الدولة وسلطاتها الثلاث ومؤسساتها السياسية، والحريات، واحداً من أهم الموضوعات الفلسفية والسياسية والقانونية والسوسيولوجية في تاريخ الفكر الإنساني، ودارت حولها العديد من الفلسفات قبل الحداثة، وما بعد بعدها، وحتى لحظة التحول الكبرى التي تقف الإنسانية أمامها في قلق وخوف وتمزق في أنسجتها الحداثية، وخطر داهم؛ في ظل النيوليبرالية وهيمنة الشركات الرأسمالية الكونية على عالمنا، ومعها مختبراتها حول تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعالم الروبوتات، وتطوراته فائقة السرعة، على نحو بات يمثل تهديداً للوجود الإنساني مستقبلاً، ومعه الشركات التي تؤثر على الدول، والنظم السياسية الليبرالية، ومؤسساتها السياسية، والنخبة الحاكمة، وبيروقراطيات الدول الأكثر تقدماً، والتي قد يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي فائق السرعة إلى توظيف بعض هذه الشركات الكونية الرقمية لإنتاجها في هذا المجال فائق التطور والسرعة في السيطرة الفعلية على عالمنا، وعلى الإنسان.

مع هذه الأنماط الجديدة من الهيمنة، وحلول الروبوتات، والذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة المختلفة، لن تكون السيطرة الرقمية والروبوتية على المجتمعات الأكثر تقدماً تحت سيطرة الدول ونخبها السياسية الحاكمة، ومن ثم، كل ما يعرفه عالمنا من ميراث فلسفات، وإيديولوجيا، وسرديات سياسية وفلسفية، لن يكون صالحاً لإعادة الضبط والسيطرة على ما يحدث من هذه التطورات، ولا يمكن، وفق بعض كبار الخبراء في الذكاء الاصطناعي. في هذا الصدد ذهب جيفري هينتون البريطاني الكندي، أستاذ الفيزياء في جامعة تورنتو، والحاصل على جائزة نوبل، والذي يعد الأب الروحي للذكاء الاصطناعي، وساهمت أبحاثه في الشبكات العصبية والتعلم العميق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما فيها نماذج اللغات الكبيرة مثل ChatGPT، إلى القول: «إنني مذهول، وأخشى أن النتيجة الإجمالية لكل هذا ستكون أكثر ذكاءً منا، وينتهي المطاف بالسيطرة علينا»، وقال بعد ساعة من حصوله على نوبل إن التكنولوجيا التي ساعد في خلقها «قد تؤدي إلى استعباد البشرية».

ثمة خوف وخطر محلق في الآفاق يتمثل في إمكانية خروج الذكاء الاصطناعي والروبوتات عن السيطرة، حتى في حال وضع الضوابط القانونية أو المواثيق الأخلاقية على هذه الشركات الرقمية العملاقة كونياً! لأن مجال البحث لن يكون قاصراً فقط عليها، وإنما سيتاح المجال لبعض من الأجيال الشابة ما بعد جيلي Z وألفا لإمكانية اختراق هذا العالم الرقمي والروبوتي، والعمل من داخله، والإبداع خارج الأطر القانونية والأخلاقية، ومن ثم سيؤثر ذلك على الشرط الوجودي الإنساني، وعلى العمل كمفهوم وكفعل إنساني، وعلى مفهوم الحرية الإنسانية، وسيدفع شرائح جيلية متعددة إلى الخروج من أسواق العمل إلى البطالة، ومن ثم إلى الاغتراب الإنساني، وإلى الحياة في عالم هامشي، لا علاقة لهم بمجرياته سوى محض الحياة على الحافة، للأكل، والشرب، والفراغ، بينما الأجيال الأصغر سنّاً هي التي تعمل، وتفكر، في ظل هيمنة الروبوتات والعقل الروبوتي الذي يتجاوز العقل الإنساني، ويوجهه وفق أهدافه –التي لا نعلمها حتى الآن– ويعتمد العقل الإنساني على العقل الروبوتي.

من هنا ستغدو مسألة الحرية الفردية، وحرية الفعل والإرادة الإنسانية، تحت الرقابة والضبط الروبوتي وعقل الذكاء الاصطناعي التوليدي المتطور.

السيطرة الروبوتية على عالمنا، بتوجيه من الشركات الرقمية الكونية، ستعيد هندسة العالم، وأنماط الحياة في كل المجتمعات الإنسانية، ومن ثم فإن مفهوم الدولة القومية وسلطاتها ومؤسساتها، وما بعدها، سيتغير، ومعه السيادة، وأدوار النخب السياسية الحاكمة، والبيروقراطية، لأن السياسات الروبوتية، التي يسيطر على بعضها في هذه المرحلة العقل الإنساني والشركات ومختبراتها، ستحل تدريجياً في كافة مجالات الحياة –مع بعض الأعطاب– حيث دخلت في مجال الطب والعمل، بل في السلطة القضائية والمحاماة، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في بحث القضايا المدنية والإدارية والتجارية والجنائية، وفي تحليل وقائع هذه الأنماط من القضايا، بل والمساهمة في تحديد المسؤولية القانونية، وترجيح أي خطاب قانوني دفاعي هو الأولى بالاستناد إليه في الحكم، مع بعض الأخطاء التي سيتجاوزها الذكاء الاصطناعي مستقبلاً مع تطوراته المتسارعة.

لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على القضاة أو المحلفين والقضاة في نظام المحلفين –في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، في القضايا الجنائية–، وإنما بات يستخدمه المحامون وشركاؤهم في بحث وتحليل القضايا المختلفة، وفي إعداد صحف الدعاوى، وفي مذكرات دفاعهم المكتوبة، أو مرافعاتهم الشفاهية أمام المحاكم.

ومن الشيق ملاحظة أن الوظيفة التحليلية والدفاعية والادعائية للمحامين تمتد إلى النيابة العامة – أياً كانت مسمياتها في كل دولة – واستخدامها للذكاء الاصطناعي في إعداد الأسئلة الموجهة إلى المتهمين، أو تحليل دعاوى الادعاء المباشر، وإعداد مذكرات أو صحف الاتهام المقدمة للمحاكم.

وسيلجأ المتهمون في القضايا الجنائية إلى الذكاء الاصطناعي لإعداد دفاعهم عن أنفسهم في مختلف القضايا الجنائية.

عندما يتمدد دور ووظيفة الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي، سيؤدي إلى تهميش وتنميط العقل القانوني والقضائي والدفاعي لدى جماعات المحامين، والأخطر جموده لصالح العقل الاصطناعي التوليدي.

في مجال التشريع، سيلجأ المشرعون إلى الذكاء الاصطناعي في إعداد مشروعات القوانين، وإلى استنباط النصوص الجديدة، من خلال مراجعات وتنقيح وتعديل النصوص القانونية السابقة على التعديلات والمشروعات بقوانين الجديدة.

من هنا، سيستصحب المشرعون في البرلمانات الكبرى بعض مصالح القوى الاجتماعية التي يمثلونها، ويعبرون عنها في تمثيلهم البرلماني، من خلال استصحاب الذكاء الاصطناعي، الذي يرجح في مقترحاته أفضل وأنسب الصيغ القانونية للنصوص المقترحة.

في ظل الذكاء الاصطناعي، ستلجأ الحكومات ومستشاروها القانونيون إلى الذكاء الاصطناعي كآلية هامة في إعداد مشروعات القوانين المقدمة للبرلمانات، وفي إعداد السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية، بل وفي تحليل السياسات الخارجية. دخل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمسيرات، وصناعة الطائرات، والصواريخ، والدبابات، والعربات المفخخة، وعمليات التجسس، في إعداد عالم الجيوش، والتسليح، والخطط العسكرية، والمعلومات، وتحليلها، وبناء السيناريوهات المختلفة.

لم يعد الأمر قاصراً على سلطات الدولة الديمقراطية الليبرالية، بل تدخل في كافة المجالات، في الأمن الداخلي والقومي، في مواجهة عمليات التجسس، وأيضاً في مواجهة الجرائم والمجرمين، وفي أنظمة الرقابات على المواطنين، من خلال متابعات الهواتف المحمولة والثابتة، وعلى الحياة الرقمية، وفق أنظمة رقابية تتطور برامجها على نحو فائق السرعة.

يعتمد بعض السياسيين ورؤساء الحكومات على الذكاء الاصطناعي، مثل رئيس الوزراء السويدي أولف كريستوسون الذي اعترف باستخدامه الذكاء الاصطناعي بانتظام للحصول على رأي ثانٍ في قراراته، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان، وأثار ضجة سياسية في بلاده.

الأمر لم يعد قاصراً على الدولة الديمقراطية الليبرالية، والدول الاستبدادية، والتسلطية في جنوب العالم فقط، وإنما بات الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءاً من حياة الأفراد، والجماعات، والأحزاب المعارضة، ومن ثم إمكانية توظيفه على نحو مضاد ومختلف عن التوظيفات الأمنية لأجهزة الدولة المختصة المنوط بها الأمن. بات بإمكان الأفراد، وخاصة الأجيال الأصغر سنّاً، بعد جيلي Z وألفا، أن يخترقوا هذه الأنظمة، والرقابة المضادة عليها، بل وإحداث اختراقات لها، والتلاعب بمعلوماتها!

عالم يبدو وكأنه لا يزال تحت السيطرة، إلا أن إمعان النظر يشير إلى أنه بات قريباً خارج السيطرة من الدولة. في مجال الاقتصاد والشركات الكونية الضخمة من الرأسمالية الرقمية، إلى الشركات الكبرى المختصة في إنتاج السلع والخدمات المختلفة، بات الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والروبوتات، جزءاً أساسياً من توظيفاتها وسياساتها الإنتاجية والخدمية، وقدرتها عبر الرقمنة والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل السلوك الاجتماعي والاستهلاكي للإنسان، الفرد، والمجتمعات، ومعرفة الدوافع والرغبات والسلوك، وإعادة تشكيلهم، وفق سياسات الإنتاج والخدمات، بل وتشكيل الحواس والرغبات الحسية لدى الإنسان!

الشركات الرأسمالية الرقمية الكونية، وغيرها، باتت مؤثرة وضاغطة على الدول والحكومات، وسياساتها وقراراتها، وأيضاً على سلطاتها الثلاث، ومؤسساتها السياسية، ومن ثم لم نعد أمام الدولة القومية التي عرفناها منذ نشأتها، وتطوراتها مع الرأسمالية، والثورات الصناعية السابقة.

على صعيد الأنظمة الاجتماعية في الدول الأكثر تقدماً، لم يعد النظام الاجتماعي كما كان، حيث تمزقت وتفككت الروابط والعلاقات الاجتماعية، ومؤسسة الأسرة، وأنظمة التنشئة الاجتماعية والسياسية، وأيضاً الروابط الأخلاقية والصداقة، والرفقة، وعلاقات المرأة بالرجل، بل الهوية الجنسية للفرد، مع التحول الجنسي، والمثلية الجنسية. باتت الفردنة قرينة العزلة نسبياً، ومن ثم تحولت الحرية إلى الاستهلاك، وتمركزت حول ثورته السلعية والخدمية الشيئية المفرطة. إن عديد العواطف الإنسانية، كالحب، باتت مسلَّعة، ومتجسدة في العلاقات الحواسية والجنسية، وأصبحت حالة متغيرة ومتحولة في مسار حياة الفرد في المجتمعات الأكثر تطوراً.

تراجعت نسبياً الأنظمة الأخلاقية لصالح الانتماءات العرقية واللونية تجاه الأعراق غير الأوروبية، وخاصة مع كراهية الأجانب والمهاجرين، وصعود هوياتهم الدينية والعرقية والثقافية، وفشل سياسة الاندماج الاجتماعي، وتدفقات موجات الهجرة القسرية وغير الشرعية في البلدان الأوروبية.

لم تعد النخب السياسية ما بعد الحرب الباردة تمتلك من الرأسمال السياسي الخبراتي، والملكات السياسية، ما يسمح لها بالحضور الفعّال في الحياة السياسية، والقدرة على التأثير على قواعدهم الاجتماعية والسياسية، وتراجعت أدوار الأحزاب السياسية التاريخية والجديدة في التعبير عن قواعدها الاجتماعية، ومن ثم اتسعت الفجوات بين النخب السياسية، والطبقات والشرائح الاجتماعية، والأفراد.

من هنا، نحن أمام تحولات فائقة السرعة تشمل الدول، والمجتمعات، ومفاهيم الحرية، والليبرالية التمثيلية، ونماذجها البرلمانية، والبرلمانية/ شبه الرئاسية، والرئاسية، في ظل فجوات ثقة بين الفرد، وبين هذه الأنظمة الدستورية والسياسية.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة