البيروقراطيات العربية، وأزمات الدولة ما بعد الاستقلال

img

تمثل البيروقراطية أحد السمات الرئيسة للدولة الأمة في التجارب الأوروبية والغربية، وساهمت في رسوخ وتطور الرأسمالية، وعلامة على التحديث، وذاكرة الدولة والنظم السياسية في عديد المجالات.

أثرت البيروقراطية في النظام الرأسمالي وتطوراته، وتأثرت بها، وبالتحولات في سياقات الثورات الصناعية المختلفة. مع الليبرالية الديمقراطية التمثيلية في أوروبا وأمريكا الشمالية، شكّلت أحد أسس استقرار النظم الديمقراطية التمثيلية من خلال أجهزتها وتقاليدها وإجراءاتها وملفاتها في عديد المجالات، ورفد سلطات الدولة الثلاث بما تطلبه من مخزون معلوماتها وخبراتها. ظلّ التغير السياسي مستمرًّا ومتغيرًا عبر الآليات الانتخابية، وظلت البيروقراطية راسخة، وتمتلك بعضًا من القوة والتماسك الداخلي والقدرة على التأثير في مسارات التغير السياسي والاجتماعي.

مع التحول إلى الرأسمالية النيوليبرالية، والرقمنة، والثورة الصناعية الرابعة، وازدياد قوة الشركات الرأسمالية الرقمية الكونية، ونظائرها في مجالات الإنتاج والخدمات، استطاعت التأثير على الدول، والطبقات السياسية الحاكمة، وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم بدا بعضُ الوهن في قوة أجهزة الدولة الليبرالية التمثيلية البيروقراطية والمؤسسات السياسية، وفي قدراتها على ضبط هذه التدخلات في سياسات الدول والحكومات، وبدا بعضها في حاجة إلى تطوير قدراتها والتكيف مع الذكاء الاصطناعي وعالم الروبوتات، الذي سيغيّر من مفهوم ووظائف البيروقراطية التي عهدناها تاريخيًا في الدول الأكثر تطورًا في الغرب وشمال العالم. ستشهد الأجهزة البيروقراطية إزاحة عديد من الأجهزة والإدارات والموظفين العموميين مع تمدد عالم الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وتطوراتهم المتلاحقة، وفائقة السرعة في المعلومات، والتحليل، والسيناريوهات، وإبداء الآراء العلمية.

العالم الذي يتغير، وخاصة في الأجهزة البيروقراطية للدول الأكثر تقدمًا، يختلف جذريًا عن حالة الجنوب المتخلف، وخاصة في عالمنا العربي، الذي يواجه مشاكل تضخم، وتخلّف، وفساد البيروقراطية، وعسر تكيفها مع عديد المتغيرات والتحولات التقنية منذ ما بعد الاستقلال وإلى الآن، ويبدو مستقبلًا كذلك.

أحد أكبر المشاكل التي واجهت قادة ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية بناء أجهزتها البيروقراطية الوطنية من حيث تكوينها، ونظم التجنيد للموظفين داخلها، وإعداد كوادرها. بعض الدول العربية التي تشكلت أجهزتها البيروقراطية مع بناء الدولة الحديثة، مثل مصر مع محمد علي وإسماعيل باشا، والنظام شبه الليبرالي، والمغرب مع دولة المخزن، لم تواجه المشاكل التي واجهتها دول ما بعد الاستقلال العربية، وخاصة في المجتمعات الانقسامية. غالب الدول العربية ما بعد الاستعمار، ورثت الأجهزة الإدارية التي تشكلت أثناء خضوعها للاستعمار الغربي: الفرنسي، والإيطالي، والبريطاني.

قام الاستعمار الفرنسي بتطبيق نظام الإدارة المباشرة في الجزائر، وتونس، وسوريا، ولبنان. كانت الأجهزة الإدارية التي تدير شؤون الأهالي في هذه الدول فرنسية، واستعانت ببعض الموظفين من العائلات الكبرى الموالية، أو المتفرنسة لغة، وثقافة هجينة لدى بعضهم، وامتدت إلى بعض المتعلمين المتفرنسين تحت القيادة الفرنسية المباشرة، ومن ثم تم نقل بعض التقاليد البيروقراطية والإدارية الفرنسية في بعض المجالات.

في نظام الإدارة غير المباشرة للاستعمار البريطاني –في مصر والعراق والسودان– كان الوضع البيروقراطي المصري مختلفًا عن الحالات الأخرى، لأن النظام البيروقراطي تشكّل مع محمد علي، وإسماعيل باشا، وحركة البعثات الأجنبية، وتنظيم الأجهزة الإدارية في عديد المجالات، وخاصة مع التعليم المدني، ومن ثم تم تطبيق هذا النظام بيسر، لأن التقاليد البيروقراطية وكوادر الأجهزة الإدارية استقرت نسبيًا قبل الاحتلال. كان بعض الإشراف البريطاني المحتل من أعلى حاضرًا، مع إنشاء بعض الأجهزة الجديدة في الأمن السياسي، وقسم مكافحة المخدرات على سبيل المثال.

كان الوضع في العراق أكثر تفككًا مع التركيبة العشائرية، والدينية، والمذهبية لمكونات المجتمع العراقي الانقسامي، وتمت الاستعانة ببعض المتعلمين في بناء الجهاز الإداري، والبيروقراطي، في إدارة شؤون القبائل والعشائر، والمكونات المختلفة، بما فيهم المكون الكردي البارز.

في الدول العربية النفطية بعد الاستقلال، كانت مشكلة نقص بعض الكوادر المتعلمة والمتخصصة قائمة، ومن ثم تمّت الاستعانة ببعض الكوادر المصرية أساسًا، والسورية، والعراقية، واللبنانية، في بناء أجهزتها الإدارية، ووضع بعض الفقهاء المصريين الأنظمة القانونية، والنظم التعليمية والإدارية. ثم مع تطور التعليم نسبيًا تزايدت أعداد الموظفين في أجهزة الدولة على اختلافها، مع بعض الوافدين من المصريين، والفلسطينيين، واللبنانيين، والسوريين، والعراقيين، والسودانيين، إلا أن تزايد المتعلمين في السعودية أدى إلى تشكل بيروقراطية الدولة السعودية، ودولة البحرين، ثم الكويت.

مع تشكّل دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر –والتركيبة السكانية صغيرة العدد– كانت الأجهزة الإدارية تتشكل من بعض أبناء هذه الدول وبعض الوافدين من مصر، والسودان، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، والعراق.

مع ثورة عوائد النفط، وتطور الأنظمة التعليمية، وبعض البعثات الخارجية، والاستعانة بالخبرات الغربية الأوروبية والأمريكية، تطورت هذه الأجهزة الإدارية، ووظّف بعضها الرقمنة في أجهزتها الأمنية والإدارية. في ظل مجانية التعليم اتسعت قاعدة التعليم العام والجامعي، والمعاهد العليا في البلدان العربية، ومن ثم توسعت نسبيًا مجالات الأجهزة الإدارية في مصر، والمغرب، والعراق، وسوريا، وفي الجزائر، وتونس، ودول الخليج، ولبنان، وتضخمت مخرجات النظم التعليمية العربية ومعها الأجهزة البيروقراطية، في ظل التزام الحكومات بالسياسات الاجتماعية، ومنها الحق في العمل، ومن ثم انخراط أعداد كبيرة من الخريجين في أجهزة الدولة البيروقراطية، خاصة في النظم الرأسمالية الوطنية وسياساتها التدخلية، وهو ما شكّل أزمات لبيروقراطية الدولة.

من مشكلات تشكيل النظم البيروقراطية العربية في المجتمعات الانقسامية –المشرق العربي، والسودان، وليبيا، وتونس، والجزائر، والسعودية، ودول الخليج النفطية– أن السلطات السياسية الحاكمة ما بعد الاستقلال وسياساتها أدت إلى انعكاس انتماءات قادتها وعائلاتها الحاكمة وتأثيرها على اختيارات قيادات الأجهزة البيروقراطية من بعض المكونات القبلية والعشائرية، والعرقية، والمناطقية، ومن الموالين دون بعض المكونات الأخرى، وهو ما أدى إلى تمييز بين مكونات المجتمع الانقسامي. هذه المكونات في تشكيل أجهزة الدولة البيروقراطية، وقادتها الموالين التابعين للسلطة الحاكمة –من ذات المكون أو الموالين–، هدف إلى انصياع الأجهزة البيروقراطية وأعمالها للسياسات والقرارات السياسية للسلطة الحاكمة. ومن ثم أدت هذه السياسة التمييزية إلى إقصاءات لبعض من المكونات الأساسية للدولة، لصالح مكونات تابعة وموالية. ومن ثم أثرت سياسة التمييز على بناء هياكل الدولة في طور التشكيل، خاصة أن مفهوم الوطنية كان في طور النسيج والتشكل نسبيًا، ولا يزال بعض الوطنيات يتسم بالهشاشة، وعسر النمو، والتبلور.

أدى تضخم الأجهزة البيروقراطية، ومحمولاتها الدينية، والمذهبية، والطائفية، والعشائرية في المشرق العربي، والتركيبة الطبقية السلطوية المسيطرة –وخاصة في دول نفطية كالعراق ما بعد صدام حسين– إلى تمدد أنماط من الفساد الهيكلي والوظيفي، ومن ثم إلى خرق وتجاوز قوانين الدولة، وترهل الأجهزة الإدارية وكسلها على نحو أثر على تقديم الخدمات العامة إلى المواطنين.

أدت الحروب الأهلية في اليمن، والسودان، وليبيا إلى هجرة بعض الموظفين إلى خارج البلاد، ودول الجوار الجغرافي –السعودية، ومصر، وتونس–، ومن ثم يتطلب إعادة بناء الجهاز البيروقراطي وترميمه بعض الوقت في حال نهاية الحرب الأهلية في هذه الدول، وكذلك الأوضاع في سوريا المنقسمة في ظل النظام الانتقالي الحالي واضطراباته.

لا شك أن الطابع الهيراركي/الهرمي للأجهزة البيروقراطية يتأثر ويؤثر من خلال طبيعة الدولة، ومركزيّتها أو لامركزيّتها، ورسوخها، إلا أن دولة ما بعد الاستقلال وهشاشتها تأثرت بالطابع الاستبدادي والسلطوي للنظام والسلطة السياسية، وتكوينها الطائفي، والقبلي، والعشائري، والعرقي –كالسودان– والمناطقي، والديني، والمذهبي. لا شك أن الاستبداد والتسلطية السياسية، وسمت الجهاز البيروقراطي بهذا الطابع في قيادته الهرمية التابعة للسلطة الحاكمة، ومن ثم أدى ذلك إلى سياسة التمييز داخلها، وفي سياسة تقديم الخدمات العامة للمواطنين، ومن ثم باتت بيروقراطية مستبدة وطاردة للكفاءات البيروقراطية، ومضادة لأي تطوير أو سياسة للحوكمة والرقمنة، على نحو أدى إلى تخلفها الوظيفي، وأثر ذلك على سلوكها وأدائها، ومن ثم باتت تشكّل مجموعة إعاقات ومشكلات هيكلية للدولة وللنظام السياسي، لاسيما في ظل قوة البيروقراطية في الدول الهشة والمعسورة اقتصاديًا، وفسادها، وبيع الخدمات العامة للجمهور في عديد المجالات.

في ظل النيوليبرالية الرأسمالية، تميل البيروقراطية إلى فرض شروطها على السلطة المستبدة، وتجعلها تصدر تشريعات تفرض رسومًا وأسعارًا عالية على الخدمات العامة، وذلك لتمويل ميزانياتها، ويتحوّل بعض هذه الرسوم إلى مكافآت للموظفين في هذه الأجهزة.

بعض أجهزة الدولة البيروقراطية، مع التحديث الرقمي لأجهزتها، تميل إلى التمييز بين الجمهور في تقديم الخدمات عبر الرقمنة أو الخدمات العادية، بين بعض من يستطيعون، وبين المعسورين من المواطنين، وذلك من خلال رفع الرسوم على الخدمات المقدمة رقميًا.

أدت الثورة الرقمية إلى نمط جديد من الرقابة على أداء بعض أجهزة الدولة وموظفيها، من خلال رصد الجمهور لسلوك وأداء الموظفين العموميين من خلال كاميرات الهواتف المحمولة، وبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعبئة بعض الأفراد والجماعات الرقمية ضد هذا السلوك أو ذاك، والمطالبة بمحاسبة فاعليه. ثمة أيضًا خطابات نقدية وساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي للبيروقراطيات العربية، وفسادها، وبطء أدائها، وفشلها في تقديم الخدمات العامة.

البيروقراطيات العربية باتت تشكّل أحد مشاكل ضعف وهشاشة الدولة العربية ما بعد الاستقلال، وعلامة على عدم تطورها كدول وأنظمة سياسية سلطوية، وضعف القدرة على تحديثها مع تطور الحوكمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما سيؤدي إلى إعاقة تطور الدولة والمجتمع في هذه الدول التي لا تزال تواجه عقبات عديدة تحول دون تطورها ومقرطتها وتنميتها، وتأسيس المواطنية وحقوقها لشعوبها.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة