التجييش الطائفي وخطاب الكراهية في سوريا.. تهديد للوحدة ومأزق أمام الحل الوطني

img

رضوان الأطرش – تلفزيون سوريا

في ظل ما تشهده سوريا من أزمات متفاقمة، وآخرها التوترات المتصاعدة في محافظة السويداء، تبرز ظاهرة التجييش الطائفي وخطاب الكراهية كأخطر ما يهدد النسيج الاجتماعي السوري، ويعرقل كل مسار نحو حل وطني جامع. فبدلاً من أن تتحول هذه المرحلة الحساسة إلى فرصة لبناء هوية سورية جامعة تتجاوز الجراح والانقسامات، تتصاعد لغة التخوين والتحريض، وتتكرّس الفجوات الطائفية التي رسمتها سنوات الحرب وسوّقتها منظومات إعلامية ومخابراتية محلية وخارجية.

إن البديل لا يمكن أن يأتي من السلطة، ولا من أطراف المعارضة التي تفتقر إلى خطاب وطني جامع.

التجييش الطائفي: أداة سلطة أم عرض أزمة؟

لم يكن خطاب الكراهية في سوريا وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمي لعقود من الاستبداد السياسي والاجتماعي، وتغذية ممنهجة للهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، استغل النظام وحلفاؤه هذا الضعف البنيوي، فزرعوا الشك بين مكونات الشعب، وقدّموا الصراع على أنه “حرب أقليات”، وليس انتفاضة شعبية ضد الطغيان.

اليوم، تتكرر المشاهد في السويداء، كما تكررت من قبل في حمص وحلب ودير الزور ودرعا. تحريض طائفي إعلامي، واتهامات متبادلة بين مكونات اجتماعية كان يجمعها الجوار والتاريخ المشترك، وإذا بها تُقسّم باسم “الخصوصية” و”الخطر الوجودي”، وكأن السوري لم يعد يرى في جاره مواطناً، بل خصماً وجودياً.

أثر ذلك على المناخ الشعبي

يُنتج التجييش الطائفي مناخاً من الريبة والخوف، ويمنع تشكل أي رأي عام وطني مشترك، فكل طائفة تصبح ساحة مغلقة، وكل محاولة للتواصل تُفسّر كخيانة. ويتحول خطاب الكراهية إلى حالة نفسية جمعية، تُفرّغ السياسة من معناها، وتحلّ محلها “الغرائز”، وتُصبح مطالب العيش والكرامة مؤجلة أمام “ضرورات الوجود الطائفي”.

في السويداء مثلاً، أدى تصاعد الخطاب المذهبي إلى انكفاء داخلي، وتحول النقاش من “مطالب محقة” إلى “دفاع طائفي”، وهذا يضعف أي حراك شعبي ويمنع تضامن باقي السوريين، بل ويفتح الباب لتدخلات خارجية تزعم “حماية الأقليات” بينما تسعى في العمق لتفتيت سوريا أكثر.

يجب أن يدرك الجميع بأنه لن يُبنى مستقبل سوريا على ركام الكراهية والتحريض الطائفي، بل على الاعتراف المتبادل والبحث عن مشتركات جامعة.

ما هو البديل الوطني؟

 يجب التيقن أن البديل لا يمكن أن يأتي من السلطة، ولا من أطراف المعارضة التي تفتقر إلى خطاب وطني جامع. قوى مدنية ومجتمعية داخلية، قادرة على طرح مشروع وطني يقوم على:

1. الاعتراف بالجرح السوري دون تطييفه: أي أن نُعيد تعريف معاناتنا كشعب، لا كطوائف. ما جرى في السويداء هو جزء من مأساة سورية عامة، لا خصوصية مغلقة.

2. إعادة الاعتبار للمواطنة: الحقوق لا تُمنح بحسب الطائفة، بل بحسب الإنسان، وهذا يتطلب إعادة بناء خطاب إعلامي وثقافي لا يُعيد إنتاج القوالب الطائفية.

3. فتح قنوات الحوار المجتمعي: من خلال منصات مدنية وأهلية، على غرار منتديات الحوار الوطني، التي يمكن أن تخلق لغة مشتركة وتعيد بناء الثقة بين السوريين.

4. تفكيك رواية “الخوف الوجودي”: الطوائف ليست في خطر، بل الوطن كله في خطر. ومن دون دولة عادلة، سيبقى الجميع مهدداً.

وأخيراً يجب أن يدرك الجميع بأنه لن يُبنى مستقبل سوريا على ركام الكراهية والتحريض الطائفي، بل على الاعتراف المتبادل والبحث عن مشتركات جامعة. ما يجري اليوم في السويداء، كما في غيرها، هو إنذار أخير بأن البديل عن المشروع الوطني الجامع هو الانهيار التام. فإما أن نُعيد تعريف أنفسنا كسوريين أولاً، أو نُسلّم مصيرنا لعنف متجدد لا يرحم.


الكاتب هيئة التحرير

هيئة التحرير

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة