هل تكون صواريخ العدو فوق دمشق جرس إنذار لكل السوريين؟

img

يوحي خطاب الرئيس الشرع، على اختصاره، أننا أمام مرحلة جديدة تماماً؛ مرحلة تقتضي مراجعة شاملة للسياستين الداخلية والخارجية، فقد انكشف الآن، بصورة لا تقبل الجدل، أن الرؤية الإسرائيلية لسوريا لا تتفق مع سوريا موحّدة ولا مع سوريا قوية ناهضة، بل مع إنهاك سوريا وقطع الطريق عليها نحو الوحدة والنهوض، وكل ما عدا ذلك لا يعدو أن يكون ذرّاً للرماد في العيون. والأخطر أن السياسة الأمريكية ليست بعيدة عن هذه الرؤية، وأن مواقفها الأخيرة لا تعدو أن تكون مواقف تكتيكية مصممة لخدمة تمرير التطبيع مع إسرائيل قبل كل شيء، وفوق كل شيء، وبطريقة الفرض والإكراه تحت التهديد.

هذا الانكشاف، الذي أحدثته الصواريخ التي دمّرت أحد أهم رموز السيادة السورية دون مبرّر وكأننا أعلنا الحرب على إسرائيل، يُظهر كم هي مستعجلة الحكومة الإسرائيلية لجرّ سوريا نحو خيارين: إما مواجهة عسكرية غير متكافئة تنتهي بكسر الدولة السورية عسكرياً وفرض شروط المنتصر عليها، أو بإذعان النظام للإرادة الإسرائيلية وتنفيذ تفكيك سوريا بيده قبل أن يتم الاستغناء عنه.

أوضح الرئيس الشرع أننا لن نقبل بالاستسلام للخيارات الإسرائيلية، وعدم القبول بها لا يعني الانزياح نحو سياسة متهورة وغير واقعية، ولا معاداة الدول الكبرى. بالتالي، فإن بناء موقف سياسي واقعي ووطني ضمن الظروف الموضوعية التي تمرّ بها سوريا مسألة غاية في الدقة، وتحتاج إلى مهارة غير عادية ومرونة فائقة، لكنها قبل ذلك بحاجة لما هو أهم، وهو الوحدة الوطنية ورص الصفوف، وإيجاد الحلول التي تعالج عوامل الانقسام الراهنة.

سوريا بحاجة إلى الديمقراطية، بحاجة إلى الانتهاء من غلبة اللون الواحد، بحاجة إلى طمأنة جميع فئات الشعب ومكوناته، ولمشاركتها الفعلية في إدارة الدولة. لقد أصبح واضحاً أن الاعتماد على الدعم السياسي الخارجي وإرضاء الدول الكبرى ليس كافياً لبناء الدولة السورية، فسياسات الغرب، وبصورة خاصة الولايات المتحدة، تتّصف بالتقلّب، وتتأثر بالسياسة الإسرائيلية التي أصبحت الآن على درجة كافية من الوضوح، وهي في تقلباتها تلتمس الفرصة للتدخل في الشأن السوري من خلال الوضع الداخلي، وهذا يعيدنا إلى الضرورة الماسة لإغلاق الأسباب والذرائع أمام تدخلها، الذي يحمل، في كثير من الأحيان، تنفيذ مخططات التقسيم الإسرائيلية.

لا تستطيع الإدارة الحالية النهوض بإنقاذ البلاد في هذه الظروف الصعبة للغاية ما لم تستند إلى حالة شعبية داعمة ومتماسكة، وجبهة داخلية غير منقسمة، ولا تنفع في ذلك سوى الحلول التي تنطلق من الإيمان بالشعب، وتمنحه الفرصة والإمكانية لإظهار قواه الكامنة. وفي سياق مراجعة شاملة للسياسة الداخلية، فإن الانتهاء من الملفات المعلقة، مثل العدالة الانتقالية، والانتهاء من التحقيق في الجرائم التي ارتُكبت في الساحل، وتشكيل لجنة للتحقيق في الانتهاكات التي حصلت في السويداء، وتحديد موعد للانتخابات العامة بعد سنة أو سنة ونصف، والتأكيد على الصفة الانتقالية المؤقتة لمجلس الشعب المنوي تشكيله وعلى وظيفته التشريعية المحدودة، وإجراء انتخابات بلدية، وإصدار قانون الأحزاب، ورفع أية رقابة عن النقابات، والحرص على سيادة القانون؛ كل ذلك لا بد من إعادة النظر فيه بكل الجدية وروح المسؤولية الوطنية.

سوريا تعيش مرحلة خطيرة تهدد وجودها، وتستدعي تكاتف كل الوطنيين الغيورين، وتغليب مصلحة الوطن فوق كل مصلحة. فنحن لسنا قادرين على ممارسة ترف الانقسامات الإيديولوجية والفئوية، في حين أن الذئاب تدور حولنا، والمؤامرات تُحاك ضدنا، ومن يعتقد أنه قادر وحده على الخروج سالماً والحصول على حصة من جسد سوريا، فهو واهم إلى حد كبير. فإما أن ننجو جميعاً أو نغرق جميعاً – لا سمح الله.

إنها لحظة تاريخية فارقة؛ فلتكن صواريخ العدو الإسرائيلي جرس إنذار لنا جميعاً.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة