نخبة الرأسمالية الرقمية العليا والدولة والليبرالية السياسية
عالم جديد ومختلف يتشكّل أمامنا، ونجد صعوبة في فهم تغيراته فائقة السرعة ومآلاته، وتبدو هذه الصعوبة في استخدام المناهج والنظريات والمفاهيم الموروثة من الحداثة وما بعدها في تحليل ظواهره، وتشكلاته الجديدة، وتطوراته التي تبدو ومضاتية.
قد نبدو في مرحلة “الما بعديات”، إلا أن إمعان النظر فيما يحدث يصطدم بحالة من الاضطراب، وبعض السيولة، والشعبوية، والقومية، والعرقية، في مواجهة بعض الطبقات السياسية والأحزاب في العالم الأكثر تطوراً. إن النظرة المدققة نسبياً في عمق هذه الظواهر تشير إلى أننا إزاء ردود أفعال على تطورات تبدو خارج السيطرة، من الدول والسلطات السياسية، والمجتمعات التي يتفكك بعضها وتتذرّى، وما يجمعها ليس الجغرافيا السياسية، ولا السيادة التي تبدو كمفهوم من الماضي، في أعقاب نهاية الحرب الباردة، حيث توجد فواعل جديدة، كبعض المؤسسات الدولية الاقتصادية النيوليبرالية، وبعض منظمات المجتمع المدني الكوني، وفواعل ما دون الدولة، وخاصة المنظمات المسلحة كما في منطقة الشرق الأوسط.
سيبدو العالم غريباً من منظور بعض السياسيين والكتّاب في جنوب العالم، على نحو تتحوّل معه الغرابة لدى بعضهم إلى ستارٍ يُخفي ما يجري في عالمنا، ويصعب فهمه، وتتحول الغرابة إلى حجابٍ حاجز يحول دون فحص وتحليل عمليات التحول فائق السرعة.
عالم جديد مختلف في كل تفاصيل الحياة، يندثر بعضُها، وينزوي بعضُها الآخر، وبعض بقايا الحداثة وما بعدها، أو عالم “الحداثة الفائقة” وفق هابرماس، أو “مجتمعات السيولة” وفق زيجمونت باومان، إلى عالم الإناسة الروبوتية وتغيراته، حيث تجري عمليات التحول التقني والاجتماعي والعلمي والثقافي نحو عالم مختلف تماماً، هو عالم ما بعد الإنسان.
كل الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية تحمل بشائر هذا التحول، الذي يتجلى في تطبيقه على كافة المجالات، ويختلف عن مألوف ما عرفته الإنسانية من تحولات وقطائع سابقة في السياسة والاقتصاد والفلسفة والسوسيولوجيا والقانون، والنظم السياسية، من الشمولية الماركسية والحزب الواحد الذي انهار مع الإمبراطورية السوفيتية – ولا تزال بعضُ مظاهره في الصين وكوريا الشمالية – إلى النظم الليبرالية، والنيوليبرالية، والنيورأسمالية.
ما هي حالة عالمنا الآن؟
يبدو عالمنا المختلف في طور بناء تشكّلات جديدة سياسياً، من حيث الدولة القومية التي تأثرت كثيراً بالتحولات إلى النيوليبرالية، والعولمة، وسيطرة الشركات الكونية الضخمة العابرة للحدود، والتي تجاوزت شبكاتها القانونية مفاهيم السيادة، ومفاهيم سيادة القانون، حيث باتت قوة مؤثرة على السلطات التشريعية في دول العالم، في منح التسهيلات والمزايا لهذه الشركات، وحل نزاعاتها من خلال أنظمة التحكيم الدولية والوطنية، وذلك لتجاوز السياجات القانونية الوطنية، وتعقيدات بطء التقاضي، أو الثقافة القانونية داخل غالب دول العالم، لا سيما في الجنوب.
الأهم هو فرض التصورات القانونية للشركات الكونية الضخمة، التي تتجاوز المنظومات القانونية الوطنية، من خلال القوة الاقتصادية التي تحوّلت إلى قوة سياسية بامتياز، تؤثر على السلطات الحاكمة، والأحزاب السياسية، في الدول الأكثر تقدماً، وأيضاً المتوسطة والفقيرة المعسورة التي تهاوت سيادتها مع تراجع وفشل نماذج التنمية المستقلة، وتبعية نخبها الحاكمة للمراكز الغربية ومؤسساتها الاقتصادية الدولية.
على صعيد القادة والزعماء السياسيين، ومنذ نهاية الحرب الباردة، نشهد تراجعاً في مستوياتهم المعرفية والخبراتية، ونسبيا في ملكاتهم السياسية، في مجال السياسات الداخلية والاجتماعية، مع هيمنة السياسات النيوليبرالية، وتأثير الشركات الكونية على السياسات والقرارات الاقتصادية في عديد البلدان المتقدمة وفائقة التطور، التي باتت تؤثر على السياسات التشريعية، لا سيما القوانين واللوائح والقرارات المنظمة للاقتصادات الغربية وغيرها من البلدان الأخرى.
من ثم أصبحت السياسات الداخلية واقعة تحت تأثير النخبة الكونية الجديدة التي تمثّل القوة المهيمنة على العالم. ومن ثم، باتت الدولة القومية تتحكم فيها الأسواق، لا المواطنون والجماعات الناخبة.
ومن الشيق ملاحظة أن قادة الدول الأوروبية والولايات المتحدة يلعبون دور المروجين للشركات الكبرى في دولهم، ومن ثم باتوا، في جزء أساس من عملهم، مروّجي صفقات اقتصادية مع الدول الأخرى، وخاصة مع الدول الميسورة وذات القوة المالية الريعية، مثل السعودية والخليج العربي، على نحو ما استطاع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إبرامه من صفقات بترليونات الدولارات في زيارته للمنطقة.
زعماء العالم الأكثر تطوراً هم جزء مما أسماه ديفيد روثكوبف (David Rothkopf) الكاتب والمحلل السياسي الأميركي “بالطبقة العليا عالمياً”، والتي تتكوّن من نحو 6000 شخص حول العالم، تتحكم في السياسة، والاقتصاد، والإعلام، ومن ثم القرارات الكبرى المؤثرة على حياة الإنسان في عالمنا.
وتتشكل هذه الطبقة من رجال أعمال، ومصرفيين كبار، وإعلاميين بارزين، ومؤثرين ثقافيين، ورؤساء دول وحكومات.
إن إمعان النظر في الطبقة العليا الحاكمة للعالم – دونما انتخابات أو تفويض – يُظهر أن ثمة تحولاً كبيراً في تكوينها مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما يصفه ريجيس دوبريه بـ”السلطة الجديدة”، وهي سلطة رقمية كونية، من وجهة نظرنا، عابرة للدول والقوميات والأديان والمذاهب والثقافات، ومؤثرة على صياغة عقول وحيوات مليارات البشر في عالمنا، تُحوّلهم إلى محض بيانات ضخمة وأرقام، يشكلون عبر الحياة الرقمية حياة العالم الفعلية أيضاً.
ويذهب دوبريه إلى أن “الفرسان الحمر الخاصين بهذا الجيل – أجيال الرقمنة: بيل غيتس (Bill Gates)، وستيف جوبز (Steve Jobs) مؤسس أبل (Apple)، ومارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg) مؤسس فيسبوك، وزملاؤهم – ألاّ ترى في رُسل التقنية العالية (High tech) هؤلاء سوى أنهم تجار المعبد الذين كبروا بسرعة سيكون سخيفاً، وإن كان فيه عزاء للنفس (وهما غالباً ما يتماشيان معاً). إن هؤلاء الخيرين الموشحين بالذهب لا يفعلون أقل من الاضطلاع بالخلاص المستقبلي للبشرية مصمَّماً وفق معايير الحاضر” (السلطة الجديدة، الطبعة العربية، ص 43-44).
ويُضاف إلى الأسماء السابقة الملياردير الأميركي إيلون ماسك، ودوره في الانتخابات الأميركية، وانحيازاته وخلافاته مع ترامب والإدارة الجمهورية.
إن هيمنة قادة الشركات الرقمية الكونية على الأسواق، في ظل تحول الحياة الرقمية إلى فضاءات واسعة لقيام الجموع الرقمية الغفيرة بأشكال التعبير عن ذواتها، عبر المنشورات والتغريدات، والصور، والفيديوهات، وتعري الذوات بحثاً عن اعتراف الآخرين بهم وبوجودهم.
تُوظّف الشركات الرقمية الكونية هذا التوق العارم للجماهير الرقمية/الفعلية الغفيرة إلى الظهور والاستعراض، وتقوم بجمع وتصنيف وتحليل هذه الرغبات والاستعراضات والولع والاستهلاك الرقمي المفرط، وبيعه إلى الشركات الضخمة كونياً، وفي كل إقليم من أقاليم عالمنا.
بات أصحاب الشركات الرقمية هم الطبقة الكونية الأعلى والمسيطرة، والمؤثرة على حياة الدول، والأسواق، والجماهير الغفيرة الرقمية والفعلية، التي تحوّلت إلى محض مادة لإعادة تشكيل رغباتها ودوافعها الاستهلاكية المتغيرة، وفق سياسات شركات الإنتاج والخدمات الضخمة.
إن الجماهير الرقمية الغفيرة غير منظّمة، وهو ما كان يُطلق عليه سابقاً فرنسوا بيرو (François Perroux) في كتابه (Masses et Classes) “الجماهير الغفيرة غير المنظمة في مواجهة الطبقة”، وهي الطبقة المتبلورة اجتماعياً من حيث تشكّلها، ومصالحها، ووعيها الاجتماعي. وتبدو الجماهير الغفيرة غير المنظمة خاضعة لتأثير القوى الاقتصادية، والشركات الرقمية الكونية، وغيرها من شركات الإنتاج والخدمات، وخاصة في ظل حالة التشتت، والتوهان الرقمي، وعدم وجود أطر تنظيمية سياسية تعبّئ هذه الجموع إلى جماعات سياسية، أو ذات برامج سياسية، في عالم ما بعد الأيديولوجيا والسرديات الكبرى.
والأهم هو ضعف وهشاشة غالبية الأحزاب السياسية في الدول الأكثر تقدماً، والمتوسطة، وغيرها، والتي لم تعد قادرة على التعبئة، وتمثيل المصالح، والتأثير في توجهات الجماهير الفعلية أو الرقمية الغفيرة، ومن ثم باتت قابلية المحكومين للانخراط في الأحزاب السياسية والمؤسسات السياسية تتسم بالمحدودية، والهزال السياسي.
ومن ثم انفصال القيادات الحزبية عن قواعدها الاجتماعية، وتزايد الفجوات بين الطبقة السياسية الحاكمة، وبين الجماهير الرقمية والفعلية الغفيرة، وعدم تعبيرهم نسبياً عن بعض مصالحها الاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، تتفاقم أزمات الليبرالية السياسية، وتتراجع قوتها وحيويتها السياسية، وخاصة في ظل النيورأسمالية، وشركاتها الكونية المؤثرة على سياسات الدول والسلطات السياسية الحاكمة، وتزايد أدوار الروبوتات في العمل، والإنتاج، والخدمات، وسيؤدي ذلك إلى تزايد نسب البطالة، وعدم قدرة العاطلين على إعادة التأهيل في وظائف جديدة، والأرقام تفوق 50 مليوناً في 2030، وفق أرقام قد تتزايد.
من هنا، تبدو علامات التغيير في عالمنا ساطعة: في الدولة، والنظم السياسية، وفي أنماط الحياة الجديدة، لا سيما الرقمية.
إنه عالم جدّ مختلف.
المصدر: الأهرام