ما وراء أبواب الجحيم الشرق أوسطي

img

الحروبُ تحملُ الدمارَ للبشرِ والحجرِ، والدماءَ والقتلى، ومعها صخبُ خطاباتِ التضليلِ والمراوغةِ، والتعميةِ، والمناوراتِ السياسيةِ، وملكةُ إدارةِ الجيوشِ، والذكاءِ الاصطناعي، والثورةُ الرقميةُ في عالمِنا المتغيّر.

ما وراء الدمارِ، والإبادةِ في قطاع غزة، والحصارِ الجماعي، وتدميرِ ثلثي القدراتِ الصاروخيةِ لحزب الله، وعديدٍ من رموزِ قياداتِ الصفِّ الأول، والثاني، وبعضِ الثالث، جاء العدوانُ على المنشآتِ النوويةِ الإيرانيةِ في فوردو، ونطنز، وأصفهان، واغتيالُ أعدادٍ من علماءِ الذرة، وقادةٍ في الحرسِ الثوري، وضرباتٌ صاروخيةٌ إيرانيةٌ على بعضِ المواقعِ داخلَ إسرائيل.

وسطَ العدوانِ الأمريكي على المواقعِ النوويةِ الثلاث، تنفجرُ مع القنابلِ والصواريخِ والطائراتِ المتطورة، عديدُ الأسئلةِ الأساسية: ما خلفَ هذا الدمار؟ وما سرُّ الافتخارِ الأمريكي بالقوةِ المفرطةِ، ومعه خطاباتُ الدعمِ الأوروبي – البريطاني والفرنسي والإيطالي – لتصفيةِ البرنامجِ النوويِّ الإيراني، والسعي الكامنِ لتغييرِ طبيعةِ النظامِ الإيراني، ومساندةِ إسرائيلَ ودعمِها على كافةِ الصعد؟ وتوظيفُ مصطلحِ “الدفاع الشرعي عن النفس” دونَ مسوغاتهِ وأسبابِه في القانونِ الدولي العام، وقانونِ الحرب، والقانونِ الدولي الإنساني، واللامبالاةُ بالمحكمةِ الجنائيةِ الدولية، ومحكمةِ العدلِ الدولية وقرارِها الاستشاري بعدمِ شرعيةِ الاحتلالِ الإسرائيلي للأراضي المحتلة بعد عدوانِ الخامسِ من يونيو 1967. خطابُ القوةِ المفرطةِ العسكريةِ والذكاءِ الاصطناعيِّ والرقميِّ، يحملُ في أعطافهِ نزعةً نيوإمبرياليةً كونيةً، ونيوليبراليةً مهيمنةً على القادةِ الأمريكيينَ والأوروبيين.

السؤال: ما مرجعيةُ هذه الخطاباتِ السياسيةِ للقوةِ الكونيةِ في مواجهةِ بعضِ العالمِ العربيِّ والإسلامي؟ وما دلالتُها وانعكاساتُها على شعوبِ وثقافاتِ المنطقة؟

مع وصولِ ترامب إلى السلطة، ومعه خطابُ “أمريكا أولاً” و”لنجعلْ أمريكا عظيمةً مرةً أخرى” (MAGA)، يبدو حاملاً لنزعةٍ شعبويةٍ – وأوليغارشيةٍ واستبداديةٍ وفقَ بيرني ساندرز – في ضوءِ سلوكِه إزاءَ الكونغرس، وبعضِ الولايات، والهجرة، محمولاً على بعضِ الغرابةِ والمفاجأة، والانطباعيةِ المرسلةِ وتناقضاتِها الصاخبةِ في الخطابِ السياسيِّ الترامبي وشعارهِ – وفقَ الكاتبِ مايكل وولف: “أفعل .. لن أفعل .. لا، سأفعل” – الذي تمَّت هندستُهُ وتوظيفُهُ في إنتاجِ الارتباكِ، والاضطرابِ السياسي، وبعضٍ من الفوضى الجزئيةِ في بيئةِ العلاقاتِ الدولية، لكي تستطيعَ الإدارةُ الجمهوريةُ التفاوضَ من أجلِ تحقيقِ المصالحِ القوميةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ الأمريكية، وتحقيقِ مكاسبَ داعمةٍ للجمهوريين داخلياً حزبيّاً.

إن نظرةً على خطابِ ترامب بعد ضربِ الطائراتِ الشبحيةِ B2 للمواقعِ النوويةِ الإيرانيةِ الثلاث، ومعه وزيرُ دفاعِه بيت هيغست الذي قال: “تم استعادةُ الردعِ الأمريكي، وحينما يتحدثُ الرئيسُ يجب أن يستمعَ العالم”، وتردادُ القول بأنَّ الجيشَ الأمريكيَّ أقوى جيشٍ في العالم، تشيرُ إلى هذه النزعةِ الافتخاريةِ بالقوةِ المفرطة، بوصفِها سمتاً شعبويّاً وعرقيّاً وقوميّاً يميلُ إلى مغازلةِ الوزيرِ الأمريكيِّ لرئيسهِ، ومداعبةِ شعورهِ المتضخمِ بالعظمةِ والتفرُّد، وميلِه الاستعراضيِّ الانطباعيِّ والمدروس، وغرائبيتِه.

ثمّةَ نزعةٌ مفرطةٌ للاحتفاءِ بالقوةِ العسكريةِ والذكيةِ والاقتصاديةِ، والاستعراضِ الخطابيِّ السياسيِّ للعدوانِ على إيران، وهو ما يعكسُ مفهومَ الاستعلاءِ النيوإمبرياليِّ والنيوليبراليِّ المفرطِ المسيطرِ على عقلِ الإدارةِ الجمهوريةِ ورئيسِها، والشركاتِ الكونيةِ الكبرى في كافةِ المجالات، وخاصةً العسكرية، والرقمنة، والذكاءِ الاصطناعيِّ التوليدي.

ثمّةَ استعلاءٌ ثقافيٌّ وعرقيٌّ كامنٌ في هذا الخطاب، ونزعةٌ قوميةٌ. هذا النمطُ من الشعبويةِ الاستعلائيةِ يرمِي إلى تعبئةِ مؤيدي ترامب وغيرِهم في الولاياتِ المتحدة، وذلك تمهيداً للانتخاباتِ القادمةِ للكونغرس، وفي الوقتِ ذاته، استدعاءٌ وتنشيطٌ للنزعةِ المسيحيةِ الصهيونية.

خطابُ القوةِ قبلَ وبعدَ ضربِ المنشآتِ النوويةِ الإيرانيةِ يستهدفُ استعادةَ مفهومِ الردع، وإرسالَ رسالةٍ إلى الصينِ وروسيا في سياقِ الصراعِ الدولي.

الولعُ والشغفُ والافتخارُ الشعبويُّ بالقوةِ المفرطة، يمثلُ استعادةً وتجديداً لبعضِ من النظراتِ الكولونياليةِ والإمبرياليةِ إزاءَ الثقافاتِ الأخرى الأدنى، ومستمدٌّ أيضاً من نظرةِ الرجلِ الأبيضِ المحتلِّ لأمريكا والهنودِ الحمر من السكانِ الأصليين، والتمركزِ الثقافيِّ الأورو-أمريكيِّ حولَ الذواتِ العرقيةِ والثقافيةِ، ومفهومِ الرجلِ الأبيضِ المتقدّمِ إزاءَ “الآخر” – أياً كان عرقُه، ولغتُه، وثقافتُه – الأدنى، على نحوِ ما أظهرتهُ الكتاباتُ النقديةُ ما بعد الكولونيالية، وخاصةَ الأنثروبولوجيا الكولونيالية وما بعدها.

تُعيدُ النيوإمبريالية، ومعها النيوليبرالية، بعضاً من هذا المفهومِ الاستعلائيِّ إزاءَ المنطقةِ العربيةِ وثقافاتها، وفي دعمِها لإسرائيل في مواجهةِ الفلسطينيين، وعدوانِها على قطاعِ غزة، وسياسةِ الإبادةِ الجماعية، وأيضاً العدوانِ الأمريكيِّ – الإسرائيليِّ على إيران، بقطعِ النظر عن الطبيعةِ الأوتوقراطيةِ لنظامِ الملالي، ونزعتِه الإمبراطوريةِ مع تركيا وإسرائيل في محاولاتِ الهيمنةِ على النظامِ الشرق أوسطي.

النيوليبراليةُ ترى الإنسانَ محضَ مستهلكٍ وسلعة، وشيئاً يمكنُ تشكيلُه، وتحفيزُه، وتوليدُ دوافعِه ورغباتِه الاستهلاكية. لا شكَّ أن هذه النظرة، مع الثورةِ الرقميةِ، ونظامِ البياناتِ الضخمة، قد هيمنت على العقلِ النيوليبرالي، الذي يؤثرُ على العقلِ السياسيِّ للقادةِ الأمريكيينَ والأوروبيين ما بعد الحربِ الباردة.

هذه النظرةُ الدالةُ على استعلاءِ الطبقةِ النيوليبراليةِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ واليابانيةِ تمتدُّ إلى نظرتِها إلى الإنسانِ في الثقافاتِ الأخرى على أنهُ مادةٌ وشيء، يمكنُ تشكيلُه كجزءٍ من الجموعِ الرقميةِ الغفيرة، ومن ثم هو محضُ رقمٍ ضمنَ البياناتِ الضخمة، خاصةً في جنوبِ العالم، والدولِ الفقيرةِ والمتوسطةِ، وفي العالمِ العربيِّ وإيران، حيثُ الاستعلاءُ لهُ جذورٌ تاريخيةٌ كولونياليةٌ وعرقيةٌ ودينية، وتخلّفٌ تاريخيٌّ مركبٌ ومستمر.

نظرةٌ استعلائيةٌ ذاتُ جذورٍ في الاختلافِ الثقافيِّ والدينيِّ والمذهبي، وهيمنةِ الاستبداد، والتسلطِ السياسيِّ الشعبويِّ ما بعدَ الاستقلال، وإعادةِ إنتاجِ التخلفِ السياسيِّ والاجتماعي.

تزايدتِ النزعةُ الأمريكية/الأوروبيةُ الاستعلائيةُ بعد فشلِ الفوضى الخلاقة، وما أُطلق عليهِ مجازاً “الربيعُ العربي”، استمداداً من “الربيعِ الأوروبيِّ” 1848، و”ربيعِ براغ”.

غرورُ القوةِ الرقميةِ، والذكاءِ الاصطناعيِّ التوليدي، وَلَّد ونشّط حوافزَ الشعورِ لدى القادةِ في أمريكا – الحزبِ الجمهوريِّ وغيرِهم – بالقوةِ الذكيةِ المفرطةِ إزاءَ المنطقةِ العربية، واستغلالِ القوةِ الماليةِ لدولِ اليسر، في ظلِّ رهابِ الخوفِ من التمددِ الإيراني، والقوى المساندةِ له في الإقليم: حزبِ الله، والفصائلِ الشيعيةِ المسلحةِ في العراق، وحماسَ والمقاومةِ، والحوثيين في اليمن.

مفهومُ القوةِ المفرطة، والردع، حاولتْ أمريكا تكريسَهُ بضربِ إيران، والمقاومة، وحزبِ الله، وهو ما يشيرُ إلى أنَّ مفهومَ القوةِ الأمريكي/الإسرائيلي/الأوروبيِّ فوقَ التنظيمِ الدولي، والشرعيةِ الدولية، وهو ما تكرَّسَ في لامبالاةِ القادةِ الأمريكيين، من جورج بوش الابن، إلى بايدن وترامب، في سياساتِهم إزاءَ القانونِ الدوليِّ العام، وقانونِ الحرب، والقانونِ الدوليِّ الإنساني، من غزوِ العراق، إلى القضيةِ الفلسطينية، وحربِ الإبادةِ في غزة، والعدوانِ على إيران.

إنَّ غرورَ القوةِ العسكريةِ والذكيةِ النيوليبراليةِ والنيوإمبرياليةِ يتمثلُ في التلاعبِ وإزاحةِ مفهومِ “السلامِ العالمي” لصالحِ “القوةِ المفرطة – والعدوان – التي تُنتجُ السلام”، وفقَ رؤيةِ اليمينِ الإسرائيلي، واليمينِ التوراتيِّ الأسطوريِّ المتطرف، وهو ما بدا منذ اتفاقياتِ إبراهام في ولايةِ ترامب الأولى، والعدوانِ على غزة، وإيران، وضربِ الأذرعِ الإيرانيةِ في لبنان، واليمن، والعراق بين الحينِ والآخر.

غرورُ القوةِ المفرطةِ العسكريةِ والذكيةِ أدّى إلى نزعِ الأقنعةِ الأخلاقيةِ عن توظيفِ القيمِ الليبراليةِ السياسيةِ والإنسانيةِ في مواجهةِ الإمبراطوريةِ السوفيتيةِ الشيوعية، وإزاءَ الشعبوياتِ السياسيةِ ما بعدَ الاستقلال في المنطقةِ العربية، ودولِ جنوبِ العالم.

نهايةُ قناعِ الليبراليةِ السياسيةِ – الديمقراطيةِ – والحرياتِ، وحقوقِ الإنسان، لصالحِ النيوليبرالية، أدّت إلى دعمِ النظمِ الاستبداديةِ والتسلطيةِ في المنطقة، ومن ثم إلى إضعافِ منظومةِ وأجيالِ حركةِ حقوقِ الإنسانِ عالميّاً، ومعها المنظماتُ الأهليةُ الحقوقية.

من ثم أدّت السياساتُ النيوليبراليةُ والنيوإمبرياليةُ إلى تجديدِ وإعادةِ إنتاجِ شبكاتِ التبعيةِ الاقتصاديةِ، من خلالِ الشركاتِ النيو-رأسماليةِ الكونية، وهيمنةِ سياساتِ مؤسساتِ التمويلِ الدوليةِ على السياساتِ الاقتصادية، وخاصةً في دولِ العُسرِ العربيةِ وجنوبِ العالم.

أدّت هذه السياساتُ إلى تفكيكِ النظامِ العربي، ومحاولةِ إعادةِ بناءِ مواقعِ القوةِ الجيوسياسيةِ في المنطقة، على نحوِ ما تسعى إليهِ إسرائيلُ والولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، ودعمِ السياسةِ الإسرائيليةِ في تصفيةِ المسألةِ الفلسطينية، وحلِّ الدولتين، وتوسيعِ اتفاقاتِ إبراهام.

لا شكَّ أن العدوانَ على إيران، وقبلَهُ على أذرُعِها الإقليمية، سيؤدي إلى عديدٍ من التغيراتِ في الشرقِ الأوسط، وموازينِ القوى الإقليمية، إلا أن ذلك لا يعني تحققَ كلِّ أهدافِ أمريكا وإسرائيل، في منطقةٍ معقّدة، وقد يفتحُ ذلك المجالَ أمامَ عودةِ الجماعاتِ الإسلاميةِ السياسيةِ الراديكالية، وظاهرةِ الذئابِ المنفردةِ في أوروبا وأمريكا، وهو ما يُشكّلُ بعضاً من أبوابِ الجحيم في الشرقِ الأوسط.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة