تحليل لجريمة «كنيسة مار إلياس» في منطقة الدويلعة بدمشق
تُعدّ الجريمة المروّعة التي استهدفت أهلنا في كنيسة مار إلياس بدمشق واحدة من أكثر الجرائم بشاعةً، حيث أودت بحياة عشرات الشهداء وتسبّبت في إصابة عدد كبير من الجرحى، جميعهم من أبناء الوطن السوري، ومكوّن أساسي من مكوّناته.
إن هذه الجريمة ليست مجرّد حدث عابر، بل تأتي في سياق خطير من التحريض الطائفي وخطابات الكراهية، التي تهدف إلى ضرب السلم الأهلي، وزعزعة الاستقرار، وتمزيق ما تبقّى من النسيج الوطني السوري.
ونتقدّم بأصدق التعازي وأعمق المواساة إلى عائلات الشهداء وإلى الشعب السوري بأكمله، ونؤكّد أن الجرح واحد، والألم واحد.
ومن أجل تفكيك هذه الجريمة وفهم خلفياتها، لابدّ من التوقف عند بعض المفاهيم الأساسية في علم الإجرام، والتي يستعين بها المحقّقون والخبراء القانونيون عادةً في تحليل الجرائم والكشف عن مرتكبيها. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى إعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن الجريمة، وفق ما ذكرته وزارة الداخلية السورية.
ويطرح الباحث الجنائي تساؤلات هامة لتوضيح ملابسات الجريمة:
- من هي الجهة التي لها مصلحة مباشرة في ارتكاب هذا العمل الإرهابي؟
- من هي الجهة المستفيدة من نتائجه؟
- من هو المخطّط الرئيسي للجريمة؟
- من هو المنفّذ الفعلي للعملية؟
- من هو المُحرّض المباشر أو غير المباشر؟
- ما هي الدوافع الحقيقية وراء الجريمة؟
- من يقف خلف المنفّذين ويدير المشهد العام؟
- هل تم تحديد هوية الفاعل؟
- ما هي الأدلة المتوفرة ونتائج التحقيقات الأولية؟
هذه التساؤلات تشكّل الإطار البحثي لفهم الجريمة وتتطلب وقتاً كافياً للوصول إلى نتائج دقيقة ومُحكمة، كما حصل سابقاً في محاكمات مرتكبي الانتهاكات في سوريا أمام القضاء الألماني، حيث استغرقت بعض الحالات أكثر من ثلاث سنوات لتقديم الأدلة الكافية.
أما التحليل السياسي، فهو لا يسعى لكشف هوية الفاعلين بقدر ما يهتمّ بقراءة أبعاد الجريمة وآثارها على السلم الأهلي، واقتراح رؤى وتوصيات لمنع تكرارها وترسيخ أسس بناء وطني جديد.
من هذا المنظور، ليس الهدف الحقيقي من هذه الجريمة استهداف مكوّن بعينه، بل ضرب النسيج السوري المشترك وإبقاء البلاد في حالة صراع داخلي مستمر، مما يخدم مصالح أطراف داخلية وخارجية تسعى إلى تفكيك سوريا ومنع نهوضها كدولة قائمة على المؤسسات والقانون.
في سياق التاريخ السياسي لهذه الجريمة:
تُذكّرنا هذه الجريمة بحادثة اغتيال الشهيد كمال جنبلاط، التي ارتكبها نظام الأسد الأب عبر وحدة خاصة تُعرف باسم “الفوج 45” بقيادة العميد علي حيدر، وتنفيذ إبراهيم حويجة. استُهدف جنبلاط حينها في منطقة المتن المسيحية، ثم أعلن النظام سريعاً بيان تعزية زائف واتّهم المسيحيين زوراً بالجريمة، ما أدى إلى اندلاع مجازر طائفية دامية بين الدروز والمسيحيين في لبنان، مُمهّدةً لتدخل سوري تم شرعنته لاحقاً عربياً ودولياً.
كما لا يمكن تجاهل الارتباط الواضح بين حادثة كنيسة مار إلياس وما شهدته مناطق الساحل والسويداء وجرمانا، إذ نوجّه أصابع الاتهام إلى فلول النظام وإيران، معتبرين أن الهدف من هذه العمليات هو تأجيل المواجهة بين إيران والغرب، بهدف الحصول على وقت إضافي لاستكمال برنامجها النووي.
ورغم هول المجزرة والآلام العميقة التي خلّفتها، فإن توحيد الموقف الشعبي السوري، بكل مكوّناته وأطيافه، والتضامن مع الضحايا يُمثّل بادرة أمل على طريق المصالحة والتعافي، ودليلاً على بدء السوريين في رسم مسارهم نحو السلم الأهلي والبناء.
ولتجنب تكرار مثل هذه الجرائم التي يرتكبها متطرّفون، علينا أن ندرك أن سوريا لم تستقر بعد على المستويين الدولتي والمجتمعي، وأننا ما زلنا في بداية مسار بناء الدولة الحديثة. إن النظام السابق ترك إرثاً ثقيلاً من الانقسامات والاستبداد، وزرع الحقد والكراهية. لذلك، تقع على عاتق السلطات الحالية مسؤولية حماية المواطنين، وتقديم نموذج وطني سلمي، يرتكز على العدالة والمواطنة والمؤسسات والحريات.
أخيراً، الثورة هي ملك لكل السوريين، ومن واجبنا اليوم ألا نكون ضد الدولة، بل أن نكون في صفّ بنائها. إن نقد السلطة بهدف تصحيح الأخطاء هو واجب وطني، فالطريق إلى سوريا الجديدة يمرّ عبر المحاسبة والاستفادة من دروس الماضي، وتحصين الوضع الداخلي عبر تجاوز العقلية الإيديولوجية وتكريس سيادة القانون، واتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية تعالج حالات التطرّف، وتؤسّس لسلم أهلي قائم على المصالحة والمسامحة والمحاسبة.