حول الاستبداد وصناعة المستبدين (3)
قلت في منشور سابق (18 شباط 25): “ما أخشاه حقيقةً، وأراه واقعاً يتشكل يوماً بعد يوم، هو وقوع البلاد في قبضة حكم متسلط مستبد من لون جديد.. وليس من وقوع البلاد في قبضة حكم ديني متشدد..”.
واليوم، وبعد انقضاء خمسة أشهر على قيام العهد الجديد، يمكنني القول بشيء من الثقة، إنَّنا بالفعل أمام استبداد جديد يتخلّق ويتمكّن أمام أعيننا، مستفيداً من عوامل وشروط موضوعية وبيئة مواتية.. فإذا كُتب له النجاح فعلينا دفن أحلامنا مرة أخرى لنصف قرن آخر.
والشرطان اللازمان لتخّلق الاستبداد واشتداد عوده متوفران بقوة: نزعة استبدادية لدى من يمسك بالسلطة، وتأييد شعبي واسع وأعمى..
نترك مساعي السلطة الجديدة نحو الاستبداد، فهذه واضحة في كل إجراء وكل قرار وكل لجنة وكل خطوة، ولم يحصل في الأشهر الخمسة السابقة ما يخرج عن هذا الخط.. ونركز على دورنا كسوريين في إنجاح هذه المساعي..
ليس غريباً أن يسعى شخص أو جماعة إلى الاستئثار بالسلطة، فهذا من طبيعة البشر، لكن الغريب أن يسمح شعب ذاق ويلات أسوأ استبداد في التاريخ، بتخلُّق استبداد جديد أمام عينيه، بل بمباركته ودعمه.. رغم أنه يقرأ ويسمع التحذيرات والانتقادات آناء الليل وأطراف النهار..
أما الشيء الوحيد الأوحد الذي يمكنه جعل هذا الغريب أمراً طبيعياً وممكناً، فهو هذا الحضور القوي للدين والعاطفة الدينية واللعبة الطائفية، ومع حضور هذه العناصر يستقيل العقل، ويصبح النخاع الشوكي هو الموجِّه: فهذا الحاكم من ديننا وطائفتنا، وهو من خلَّصنا من حكم (علوي) همَّشنا ودمَّرنا وشردنا وقتل أبناءنا، وثمة أخطار محدقة تهدد بضياع الحكم من بين أيدينا، والأقليات لا تريدنا أن نحكم، وتستعين بالغريب علينا.. وفي هذا المناخ، ومع هذه السرديات، تصبح شبهة الاستبداد أمراً ثانوياً، وتُصبح نُصرة (جماعتنا) مقدّمةٌ على كل ما عداها.
يدرك الحكام الجدد هذا الأمر جيداً، ويستثمرون فيه أفضل استثمار..
المسألة الأكثر خطورة، كما أراها، هي هذا الربط والتماهي الذي يقوم في أذهان جزء وازن من أبناء السنَّة بين الحاكم والدين والطائفة.. حيث يصبح أي نقد للسلطة هو نقد للدين، وهو في نفس الوقت رفض لأحقية الطائفة في الحكم.. فيتم فتح النار آلياً على كل منتقد، مهما كان نقده متوازناً وإيجابياً، ومهما كانت نواياه طيبة ودوافعه وطنية، ومهما كان تاريخه مشرِّفاً. أما النيران التي تُفتح على المنتقدين، فلا تختلف كثيراً عن تلك التي عرفناها في العهد السابق، إهانة وتجريح وطعن بالوطنية وعمالة للخارج.. وببساطة عجيبة، وبمجرد كتابة سطرين نقديين للأمر القائم، يتحول من بذل حياته في مقارعة نظام الأسد، إلى واحد من أيتام الأسد..
إذن نحن أمام جيش جرار من (المنحبكجية) الجدد، المبررين لكل شيء، المدافعين بدون تحفظ، المعادين لكل مختلف، المعبدين لطريق الاستبداد.. وبمعيتهم، ومع علو أصواتهم، أصبحنا أمام معايير جديدة للوطنية والشرف، فإما أن نؤيد الحاكم دون شروط، فنحن إذن وطنيون شرفاء، حتى لو كنَّا لصوصاً قبل يومين. أو نقف ضد الحاكم، أو تنتقده، فنحن إذن عملاء أو فلول وضد الدولة ومع التقسيم.. حتى لو كنا مسلمين أتقياء، وحتى لو كان تاريخنا بالكامل قصة نضال من أجل الحرية والكرامة.
كيف نقول لهؤلاء الناس:
– إنكم تعبِّدون طريق الاستبداد، وتساهمون في صناعته بغفلة وطيب خاطر.
– وإنكم تضيعون على بلادكم فرصة نادرة للخلاص والنهوض، وعلى أولادكم وأحفادكم فرصة حياة كريمة ومستقبل أفضل.
– وإن الاستبداد لا دين له ولا طائفة، وما الدين والطائفية إلا أدوات يستخدمها المستبد للتضليل والتحشيد وشد العصبية.
– وإنكم، بدعمكم الأعمى، إنما تضرون برئيسكم أيما إضرار، حيث تتورم لديه عقدة الأنا، والشعور بالقوة والكمال والقدرة، فيتصلب في مواقفه تجاه شركائه في الوطن وتجاه الخارج، ما يجر الكوارث عليه وعلى الوطن وعلى أبناء الوطن..
– وإن النقد الإيجابي والحريص والمتوازن هو أفضل ما يمكن عمله في هذه المرحلة لحماية الحاكم من الانزلاق نحو الاستبداد، ولحماية البلاد من الانزلاق نحو التقسيم أو الاحتراب الأهلي أو العبث الخارجي.
– وإنكم ستكونون، مثل غيركم، ضحايا للاستبداد عندما تصحون من غفوتكم وتبدؤون في التفكير والتعبير، بل ستكون الأثمان التي ستدفعونها أضعافاً مضاعفة لأنكم الأخطر على المستبد، وعندها لن يسعفكم دين، ولن تحميكم طائفة، ولن ينفعكم ندم.