رسالة سياسية
المقدمة:
تشهد منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام تصعيداً خطيراً يتمثل في اندلاع حرب إقليمية ذات أبعاد دولية، طرفاها المباشران الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، وذلك عقب فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي جرت في جنيف بوساطة عُمانية، وبقرار أمريكي اتُّخذ من دون غطاء قانوني دولي. غير أن هذه المواجهة لم تبقَ محصورة بين هذين الطرفين، بل سرعان ما اتسع نطاقها ليشمل اعتداءات إيرانية على دول الخليج العربي؛ قطر والإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وسلطنة عُمان، بذريعة استهداف القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها، وذلك رغم إعلان هذه الدول موقفها المحايد ورفضها استخدام أراضيها منطلقاً للهجمات الأمريكية، أو الانجرار إلى الرد أو الانخراط المباشر في هذه الحرب.
وفي السياق ذاته، يتعرض لبنان، ولاسيما مناطق وجود حزب الله في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، لعدوان إسرائيلي وقصف متواصل يدفع ثمنه لبنان وعموم الشعب اللبناني، مع نزوح مئات الآلاف من المدنيين. وقد جاء ذلك بعد أن بدأت صواريخ حزب الله تضرب في إسرائيل عقب مقتل عدد من كبار قادة الصف الأول في النظام الإيراني في بداية الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير 2026.
وقد انتقلت مفاعيل هذه الحرب سريعاً إلى المستوى العالمي، ولاسيما فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل توريد النفط والغاز، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاطر اضطراب الاقتصاد العالمي. ومع أن هذه المواجهة لم يمضِ عليها سوى أسابيع قليلة، فإن مآلاتها لا تزال غير واضحة، سواء من حيث احتمالات احتوائها ووقفها، أو من حيث توسعها وتحولها إلى صراع أوسع نطاقاً.
وتأتي هذه الحرب في لحظة خاصة من تاريخ سورية، وفي ظرف إقليمي ودولي يتجه نحو مواجهة المشروع الإيراني والتخلص من أذرعه، وذلك بعد مرور ما يزيد على عام وربع على فرار بشار الأسد وسقوط منظومة الأسد التي حكمت البلاد لأكثر من خمسة عقود، في الحدث المفصلي الكبير الذي جرى في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
تسعى هذه الرسالة إلى تقديم قراءة سياسية أولية للتطورات الراهنة في الإقليم وانعكاساتها على الوضع السوري، وإلى مناقشة التحديات الأساسية التي تواجه البلاد في المرحلة الانتقالية، إضافة إلى تحديد المسؤوليات والمهام المطروحة أمام الحزب في هذه الظروف المعقدة، مستندةً إلى مخرجات اللقاء التداولي للكادر الحزبي في (5/2/2026)، وإلى الورقة السياسية التي قُدّمت في 9/1/2026.
أولاً: الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على الوضع السوري:
تشهد منطقة الشرق الأوسط، الغنية بثرواتها وموقعها الاستراتيجي، تصاعداً في حدة التوترات والصراعات، في ظل تحولات عميقة في النظام الإقليمي وطبيعة العلاقات بين القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، ولاسيما بعد صعود العملاق الصيني، ودخول النظام الدولي مرحلة من الاضطراب عقب الغزو الروسي لأوكرانيا منذ أربع سنوات وما يشكله من تهديد مباشر لأوروبا. فمن جهة، تسعى قوى إقليمية مختلفة إلى توسيع نطاق نفوذها السياسي والعسكري، مستفيدةً من حالة الفراغ أو الضعف التي تعاني منها بعض الدول العربية، وغياب أي مشروع عربي مشترك. ومن جهة أخرى، تحاول القوى الدولية الكبرى إعادة ترتيب مواقعها في المنطقة بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، سواء في مجالات الأمن أو الطاقة أو طرق التجارة.
وقد أخذت الصراعات في السنوات الأخيرة طابعاً أكثر حدة واتساعاً، بحيث باتت المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً وعدم استقرار. فالحروب الدائرة اليوم، سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، لا تعبّر فقط عن تناقضات محلية أو إقليمية، بل تعكس أيضاً اشتباك مصالح القوى الدولية الكبرى، ومحاولاتها المستمرة لإعادة رسم خرائط النفوذ في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
كان التنافس، وأحياناً التناغم، قائماً بين مشروعين رئيسين في الإقليم: الأول، مشروع “ولاية الفقيه” ذي الطابع المذهبي، الذي سعى إلى السيطرة على المنطقة، ومكّن إيران من بسط نفوذها على أربع عواصم عربية، واختراق بنى دولها وتحويلها إلى دول فاشلة. ويرفع هذا المشروع شعارات مثل “تحرير القدس” و”الموت لإسرائيل” و”الموت لأمريكا”، ضمن خطاب أيديولوجي يتاجر بالقضية الفلسطينية لإضفاء مشروعية عليه في المجالين العربي والإسلامي، وقد سبقته إلى ذلك أنظمة عربية اتخذت من هذه الشعارات وسيلة لتكريس الاستبداد.
أما المشروع الثاني، فهو المشروع الإسرائيلي التوسعي وهو منذ مدة بقيادة اليمين المتشدد، الحريص على يهودية الدولة، والمعادي لتشكيل دولة فلسطينية إلى جانبه. ويسعى إلى ابتلاع كامل فلسطين، مستفيداً موضوعياً من المشروع الإيراني الذي يسهم في تفتيت المنطقة وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وتدمير مقومات القوة في دول عربية هامة عبر نشر مناخات الطائفية والمذهبية والجهل. إلا أنه، في الوقت ذاته، لا يقبل أن تتحول إيران إلى منافس ندّي أو شريك له، خاصة في حال امتلاكها السلاح النووي.
وقد شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بداية الصدام المباشر بين المشروعين، حيث كان وقوده سكان غزة والجنوب اللبناني، ثم امتد أثر هذا الصدام لاحقاً إلى الشعب الإيراني وشعوب المنطقة.
كما أن ما يُعرف بالدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية أعادت النظر في استراتيجياتها على صعيد المنطقة، فانتقلت من الاعتماد على الوكلاء لتنفيذ سياساتها إلى الإشراف المباشر. ويعود ذلك إلى معركتها الأساسية في الحفاظ على زعامتها للعالم، وتكريس نفسها قطباً أوحداً في مواجهة الصعود المتزايد للصين. وكانت قد سهلت سابقاً تمدد مشروع “ولاية الفقيه”، الذي شكّل أحد أدوات تنفيذ استراتيجية “الفوضى الخلاقة” التي أعلنت عنها كونداليزا رايس بعد احتلال العراق عام 2003 وتسليمه للنفوذ الإيراني.
إن إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية، وما صرحت به إدارة ترامب من خطط ومشاريع في المنطقة، يتناقض مع المشروع الإيراني التوسعي. وقد أصبح ضرب أذرع إيران في الفترة الأخيرة ليس مطلباً إسرائيلياً فحسب، بل مطلباً أمريكياً أيضاً خاصة من قبل الحزب الجمهوري وإدارة ترامب، وهو ما يتقاطع مع مصالح الشعوب العربية التي كانت ترزح تحت هيمنة ونفوذ إيران. وجاءت، في هذا السياق، عملية “ردع العدوان” وإسقاط المنظومة الأسدية، وفرار بشار الأسد، بعد صمود أسطوري لثورة الشعب السوري.
بالنسبة لسورية، فإن هذه التطورات تنعكس عليها بحكم موقعها الجيوسياسي في قلب المشرق العربي، ما جعلها مركزاً للاهتمام الدولي. وفي ظل العهد الجديد، الذي حظي بدعم دولي، يسعى إلى النأي بالنفس عن التدخلات في محيطه الخارجي، إلا أنه يتعرض لضغوط للتدخل في الساحة اللبنانية، خاصة بعد أن اتخذ مجلس الوزراء اللبناني قراراً تاريخياً باعتبار التنظيم المسلح لحزب الله محظوراً، وضرورة تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، بعد اختطافه المستمر لقرار الحرب والسلم في لبنان.
ولأول مرة، تظهر دول مجلس التعاون الخليجي في موضع انكشاف أمني خطير، إذ تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، رغم نجاحها في صد جزء غير قليل منها، وكان أشدها على دولة الإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، بدت هذه الدول ضعيفة نتيجة الخلافات البينية، وفشلها في بناء منظومة دفاع مشترك قادرة على تشكيل قوة ردع يُحسب لها حساب، في ظل غياب مشروع عربي جامع. ولا يزال العراق مخترقاً من قبل ميليشيات تأتمر بأوامر إيران.
كما يواجه الوضع السوري مجموعة كبيرة من التحديات، من أبرزها مشكلة السلاح خارج سيطرة الدولة في المواقع التي لازالت تخضع لسيطرة ما تبقى من قسد وتعثر تطبيق اتفاق كانون الثاني 2026 والاتفاقات التي تلته، رغم بسط سلطة الحكومة الانتقالية مؤخراً على محافظتي الرقة ودير الزور وقسم كبير من محافظة الحسكة، فضلاً عن تعقيدات الوضع في محافظة السويداء والوجود العسكري التابع للهجري، كما تبقي اسرائيل سيطرتها على المناطق الحدودية وقمة جبل الشيخ، بعد عملية ردع العدوان، ولا تزال تهديداتها مستمرة مع تعثر الوصول إلى اتفاق أمني.
إن التطورات الإقليمية لا تؤثر فقط في موازين القوى داخل سورية، بل تنعكس أيضاً على فرص التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة الوطنية السورية، سواء من خلال تعزيز بعض المسارات أو تعطيل بعضها الآخر.
ومن هنا، يمكن القول إن مستقبل الوضع السوري سيبقى، إلى حد كبير، مرتبطاً بالمسار العام للتطورات في المنطقة، وبطبيعة التفاهمات أو الصراعات التي قد تنشأ بين القوى الفاعلة فيها.
ثانياً: بعد عام وربع على الحدث المفصلي في 8 كانون اول 2024:
شكّل الحدث الذي وقع في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 منعطفاً هاماً في مسار القضية السورية. فقد مثّل، بالنسبة لكثير من السوريين، لحظة أمل بإمكانية الانتقال من مرحلة الحرب والصراع المفتوح إلى مرحلة جديدة تقوم على إعادة بناء الدولة والمجتمع.
وقد رافقت ذلك الحدث توقعات واسعة بإطلاق عملية سياسية جديدة تفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقوى السياسية والمجتمعية في تقرير مستقبل البلاد، وتمهّد الطريق لقيام نظام سياسي أكثر انفتاحاً وتعدداً.
غير أنّ التطورات التي أعقبت ذلك أظهرت أن الانتقال من لحظة التحوّل السياسي إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي يواجه عقبات كبيرة. فسنوات الحرب الطويلة لم تقتصر آثارها على الدمار المادي والاقتصادي، بل أدّت أيضاً إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع، وخلق شبكة معقّدة من المصالح والقوى التي يصعب تفكيكها بسرعة.
كما أنّ تعدّد الفاعلين الخارجيين في الملف السوري، وتباين مصالحهم وأولوياتهم، جعلا من الصعب الوصول إلى توافقات واضحة حول مستقبل النظام السياسي في سورية. وبذلك دخلت البلاد في مرحلة انتقالية غير مكتملة المعالم، تتسم بقدر كبير من الغموض والتردد في رسم الاتجاهات السياسية القادمة.
على المستوى السياسي العام، لا يمكن إنكار التحوّل النوعي المتمثّل بانتهاء منظومة الاستبداد المركزي، وانفتاح المجال العام نسبياً، وعودة السياسة إلى العلن بعد عقود من القمع والمصادرة. فقد استعاد السوريون، بدرجات متفاوتة، حق التعبير والتنظيم، وبدأت تتشكّل مساحات جديدة للنقاش العام، والعمل المدني، والمبادرات المجتمعية، وهو ما يشكّل شرطاً أولياً لأي مسار ديمقراطي لاحق. ويسجل للأمن العام دوره في حماية المظاهرات والاعتصامات والفعاليات الجماهيرية والاحتفالات الدينية. هذا الهامش من حرية التعبير غاب عن السوريين اكثر من ستة عقود.
غير أنّ هذا الانفتاح ما يزال هشّاً، وغير محمي بإطار قانوني ومؤسساتي واضح. فالحكومة الانتقالية لم تنجح بعد في ترسيخ منظومة حكم قائمة على الفصل بين السلطات، ولا في بناء مؤسسات مستقلة وفعّالة قادرة على ضبط المجال العام، أو ضبط السلاح، أو احتواء المجموعات المتشددة بالمستوى المطلوب. وما زلنا بعيدين عن إصدار قوانين تنظّم الحياة السياسية والعمل النقابي، مما يزيد من القلق والمخاوف من إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة السياسية، وإن اختلفت أدواتها وخطابها عن السابق.
إن التحديات الكبيرة التي واجهتها وتواجها الحكومة الانتقالية، نجحت في تجاوز بعض منها، وتعثرت في بعضها الآخر وأمامها الكثير من التحديات: كالإعلان عن نتائج محاكمات مرتكبي المجازر في البعض من مناطق الساحل والسويداء، والاسراع في سير العدالة الانتقالية واستكمال نفوذ الدولة على كامل الجغرافية السورية، وتفعيل بنود الإعلان الدستوري المؤقت وخاصة ما يتعلق بالانتهاء من عملية تشكيل مجلس الشعب الذي يعتبر خلال المرحلة الانتقالية السلطة التشريعية التي تنتظرها مهام كبيرة وخاصة ما يتعلق منها بسن قانون وطني لتشكيل الأحزاب والتي تعتبر رافعة أساسية لتنظيم الحياة السياسية، وتأمين بيئة آمنة لعودة طوعية لللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في إشغال الوظائف العامة في كل مستوياتها ومكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وإعادة الاعتبار لكل المنشقين والمسرحين في المؤسستين العسكرية والأمنية والاستفادة من خبراتهم، والمعالجة السريعة لأوضاع العاملين للذين تم توقيفهم عن العمل في إدارات الدولة، واعتماد الشفافية في أداء الحكومة بالاعتماد على إعلام حر ومستقل يقول الحقيقة كما هي، وضمان الحريات العامة وعدم التدخل في الامور الفردية، وتثقيل دور المرأة في مواقع المسؤولية تقديراً لمشاركتها في الثورة ومؤسساتها وتحملها أعباء غياب المعيل الأساسي للأسرة، والاهتمام بأبناء الجاليات السورية على أساس المواطنة المتساوية وتجسير العلاقات المتصدعة فيما بينهم، وإصدار المراسيم الشاملة التي تقر بالحقوق الثقافية واللغوية للجماعات السورية المتنوعة كما صدر المرسوم 13 الخاص بالكرد السوريين، وتحويل النجاحات التي تحققت على صعيد العلاقات الدولية والإقليمية برفع العقوبات عن كيانات وأفراد، إلى إنجازات تلامس متطلبات الحياة المعاشية والحريات السياسية والمدنية وتعزيز ثقة المواطن بالحكومة الانتقالية.
إن التعثّر القائم في ملف العدالة الانتقالية المرتبط بشكل وثيق بالسلم الأهلي يعود لأسباب عديدة، من بينها ضخامة الملف وتعقيداته (حيث تشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود نحو 16 ألف شخص مدان بجرائم موثقة من مجرمي العهد البائد). وكذلك في بطء عمل لجان البحث عن المفقودين، ومحاسبة من أدانتهم لجان التحقيق في المجازر المؤلمة في الساحل، سواء مجزرة الغدر برجالات الأمن العام أو المجازر المشينة بحق المئات من المدنيين الآمنين في بيوتهم التي رافقت استحضار الفزعات. إن ما هو مطلوب تقديم مقاربة شاملة للعدالة الانتقالية، قائمة على الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، لا على التسويات المؤقتة أو تجاهل الجراح المفتوحة.
كما أنّ الوقوع في فخ أحداث السويداء، وما نتج عنها من مجازر وانتقامات، لا يزال جرحاً مفتوحاً يتطلّب معالجته بمنطق الدولة الحريصة على جميع مواطنيها دون أي تمييز. ومؤخراً أنهت لجنة التحقيق بأحداث السويداء تقريرها وارسلته إلى وزير العدل. ومازال الوضع الأمني في بعض المناطق السورية غير مستقر ومعدل الجريمة والخطف مرتفع.
كما أن الأوضاع في محافظة الحسكة لم تستقر بعد إذ تشهد بعض التوترات في المناطق التي لازالت خارج نفوذ الحكومة الانتقالية.
لقد ورثت المرحلة الانتقالية مجتمعاً منهكاً مثقلاً بذاكرة العنف والانقسام والتهجير وفقدان الثقة.
في الوقت نفسه، تتبلور مظاهر الاحتجاج على غلاء الأسعار رغم تحسين الأجور للعاملين أكثر من ضعف، وعلى التعيينات من لون واحد، والاستفراد في القرار ضمن دوائر ضيقة، وصدور قرارات وتعليمات من بعض المسؤولين في المحافظات تقيّد الحريات الشخصية، إضافة إلى الاستعجال في البت في مسائل يتطلب إقرارها دوائر أوسع، على الأقل بعد استكمال مجلس الشعب، ويمكن تأجيلها إلى ما بعد المرحلة الانتقالية.
لكن ينبغي ألّا نخلط بين الدعوات إلى تعزيز العمل المؤسساتي والشفافية وتكريس دولة القانون والمواطنة، بما يخدم إعادة بناء مؤسسات الدولة، وبين المشاريع التي تراجعت مؤخراً، وتحمل أبعاداً خطيرة تتستّر خلف مطالب محقّة إلى حدّ كبير، لكنها تقوم في جوهرها على مواجهة السلطة السياسية بمنطق المحاصصة أو النزعات الفئوية والانفصالية، بما يتعارض مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة. إنّ التجارب الإقليمية القريبة، ولا سيما في العراق ولبنان، تقدّم نموذجاً تحذيرياً واضحاً لنتائج هذا المسار، حيث يجري تقويض الدولة من الداخل باسم التمثيل، وتُشلّ السياسة لصالح توازنات ما قبل وطنية.
اقتصادياً، لا يزال الواقع يتّسم بالمراوحة، رغم بعض التحسّن المحدود في الخدمات وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم (حوالي المليونين). فالبنية الاقتصادية المدمّرة، وغياب خطة واضحة لإعادة الإعمار والتنمية، واستمرار آثار العقوبات، كلها عوامل معيقة. كما أنّ انتشار شبكات المصالح الطفيلية، التي تملأ فراغ الدولة، يهدّد بإعادة إنتاج اقتصاد ريعي غير منتج، يتناقض مع أي مشروع للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
إنّ الاستحقاق المركزي في هذه المرحلة يتمثّل في الانتقال من منطق إدارة الواقع إلى منطق تغييره، ومن التعاطي مع المرحلة الانتقالية بوصفها حالة مؤقتة مفتوحة، إلى تحويلها إلى مسار محدّد الأهداف، يبدأ بدولة القانون والمواطنة وبجدول زمني واضح، وأدوات سياسية وتشريعية واقتصادية قابلة للتنفيذ. وهذا يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، وضغطاً منظّماً من القوى الديمقراطية والوطنية وتحمل مسؤولياتها.
ثالثاً: المأزق الحالي في الوضع السوري وخطر إعادة إنتاج الاستبداد:
يمكن وصف الوضع السوري الراهن في المرحلة الانتقالية بأنه مأزق مركّب يجمع بين أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية ووطنية. وكل ذلك يجعل من مسألة إعادة بناء الدولة السورية عملية طويلة ومعقّدة، تتطلب جهوداً سياسية واقتصادية كبيرة، فضلاً عن توافر إرادة وطنية جامعة.
إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، يتمثّل في احتمال إعادة إنتاج أشكال جديدة من الاستبداد السياسي أو الأيديولوجي.
فالتجارب التاريخية في العديد من البلدان التي شهدت صراعات أو تحولات كبرى تُظهر أن سقوط نظام استبدادي أو تراجعه لا يؤدي بالضرورة إلى قيام نظام ديمقراطي. ففي كثير من الأحيان قد تنشأ أنماط جديدة من السلطة تكرّر، بأشكال مختلفة، ممارسات الاستبداد السابقة. وفي الحالة السورية، تبدو هذه المخاطر قائمة لأسباب متعددة.
فضعف الحياة السياسية المنظمة، وتراجع دور المؤسسات المدنية، وازدياد تدخل الجماعات الدينية المتشددة، وانتشار النزعات السلطوية داخل بعض القوى السياسية أو العسكرية، كلها عوامل يمكن أن تمهّد الطريق لظهور أنماط جديدة من الحكم الفردي أو السلطوي، أو عودة استخدام الأيديولوجيا بمنحى مختلف.
كما أنّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة قد تدفع قطاعات من المجتمع إلى البحث عن حلول سريعة، حتى ولو جاءت على حساب الحريات السياسية والديمقراطية.
ولهذا، فإن الدفاع عن الطريق الذي يقود إلى الديمقراطية في سورية لا ينبغي أن يقتصر على مواجهة الاستبداد التقليدي، بل يجب أن يشمل أيضاً مواجهة كل المحاولات التي قد تسعى إلى إعادة إنتاجه تحت عناوين أو شعارات جديدة وهذا يتطلب بذل الكثير من الجهود في الحوار ونشر الوعي والارتكاز إلى المجتمع المدني بالعمل المنظم.
إنّ التمييز بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة ضروري؛ فالسلطة الراهنة، التي جعلت من «هيئة تحرير الشام» أو كوادر تنتسب إليها سلطة أمر واقع، اكتسبت شرعيتها من دورها في قيادة عملية ردع العدوان وفي إسقاط نظام شمولي أصابه الضعف والنخر بعد صمود الشعب الثائر أربعة عشر عاماً. غير أنّ بناء الدولة -وهو أولوية وفق تصريحات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع- يتطلّب طاقات كبيرة من المجتمع السوري، ومستوى من الانفتاح على الكفاءات الوطنية أوسع بكثير مما تحقق خلال المدة المنصرمة، مع إعلان خارطة طريق واضحة غير ضبابية، قادرة على تعبئة الجهود للبناء بما يتناسب مع تضحيات الشعب في إسقاط النظام البائد.
رابعاً: في مراجعة تجربة المعارضة السورية والمهام المطروحة:
لا يمكن لأي قراءة جدية للوضع السوري الراهن أن تتجاوز مسألة تقييم تجربة وأداء المعارضة والنخب السورية خلال السنين الماضية في مرحلة الثورة. والعجز عن بناء مشروع وطني جامع يلتف حوله السوريون في كل المراحل وعجزها عن تكريس مفاهيم في الوعي الشعبي تكون ضامن وموجه لأي تغيير، الحرية كشعار اجمع عليه الشعب السوري وكان الأساس بثورته يحتاج من القوى السياسية والنخب ان يترجم بالوعي لآليات قادرة ان تجسده بدءً من مفهوم الوطنية إلى مفهوم دولة القانون وحياديتها والتمايز عن مفهوم السلطة إلى مبدأ فصل السلطات ونبذ خطاب الكراهية إلى مفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة. تكون الأساس في بناء المؤسسات بعد إسقاط النظام وسبيله لتحقيق ثورية الحرية والكرامة والعدالة.
فمن جهة أولى، لم تتمكن معظم أطر المعارضة من بناء مؤسسات سياسية مستقرة وقادرة على العمل وفق قواعد ديمقراطية واضحة، الأمر الذي أدى إلى تكرار حالات الانقسام والصراع الداخلي.
ومن جهة ثانية، عانت بعض قوى المعارضة من الارتهان الكبير للعوامل الخارجية، سواء على المستوى السياسي أو المالي، وهو ما أضعف استقلالية القرار الوطني وأدى في كثير من الأحيان إلى إرباك الخطاب السياسي المعارض.
ومن جهة ثالثة، لم تنجح المعارضة في إقامة علاقة متينة ومستقرة مع المجتمع السوري، بحيث تتحول إلى تعبير حقيقي عن مصالح قطاعات واسعة من المواطنين.
هذا لا يعني التقليل من التضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون خلال مدى زمني طويل من الصراع، ولا من الجهود التي بذلتها العديد من الشخصيات والقوى السياسية في سبيل الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. غايتنا استخلاص الدروس الضرورية التي يمكن أن تساعد القوى الوطنية والديمقراطية السورية على بناء تجربة سياسية أكثر نضجاً وفاعلية في هذه المرحلة وفي المستقبل.
أولها، إعادة الاعتبار للعمل السياسي المنظم بوصفه الأداة الرئيسية للتغيير السلمي والديمقراطي وهذا يتطلب إصدار قانون عصري لتشكيل الأحزاب السياسية، واعتبار هذا المطلب اولوية.
ثانيها، الاهتمام الجدي بالعمل النقابي من أجل الدفع باستقلالية النقابات وممارسة الآليات الديمقراطية في التمثيل والرقابة. النقابات المهنية والعلمية في سورية كان لها دوراٍ كبيراّ في قيادة العمل المدني في معركة الحريات خلال عامي 1978-1980.
وثالثها، العمل على بناء تحالفات واسعة بين القوى الديمقراطية والمدنية، بما يسمح بتشكيل كتلة سياسية واجتماعية قادرة على التأثير في مجريات الحياة العامة.
ورابعها، تطوير خطاب سياسي واقعي يربط بين المطالب الديمقراطية وبين القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل حياة المواطنين اليومية.
فالديمقراطية في نهاية المطاف لا يمكن أن تتحقق أو تستقر إلا إذا ارتبطت بتحسين ملموس في شروط حياة الناس، وبإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
خامساً: الحزب ومسؤولياته السياسية في المرحلة الانتقالية:
تضع المرحلة الراهنة حزبنا أمام مسؤوليات سياسية وتنظيمية مضاعفة، تختلف نوعيًا عمّا سبقها. فنحن لسنا أمام لحظة معارضة تقليدية في ظل نظام استبدادي مغلق، ولا أمام مرحلة استقرار سياسي مكتمل، بل أمام مرحلة انتقالية معقّدة، مفتوحة على احتمالات متناقضة، تتراوح بين التقدّم نحو دولة القانون والمواطنة، أو الانزلاق إلى صيغ جديدة من التفكك أو الاستبداد المقنّع.
أولاً: تقع على عاتقنا كحزب مسؤولية بلورة قراءة سياسية واضحة ومتماسكة للواقع، تواكب التطورات والأحداث، تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتبتعد عن الاصطفافات الحادّة. قراءة تستند إلى منهج يربط بين البنية الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة السلطة، وتوازنات القوى المحلية والإقليمية والدولية، من دون الوقوع في التبرير أو التبسيط أو النقل الميكانيكي للتجارب الخارجية.
ثانياً: ان موقف حزبنا من السلطة الانتقالية، لا يعمل بمنطق الخصومة المسبقة ولا بمنطق التماهي أو التعليق السياسي. نحن معنيين بممارسة دور نقدي مستقل، يميّز بين ما ينبغي دعمه بوصفه خطوة في اتجاه بناء الدولة، وبين ما يجب معارضته أو التحذير منه، عندما يتناقض مع مبادئ الديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية. إنّ استقلالية موقفنا الحزبي شرط أساسي للحفاظ على المصداقية، ولمنع تمييع السياسة أو اختزالها في ثنائية الولاء والعداء.
ثالثاً: نؤكد على دور حزبنا في الدفاع عن وحدة البلاد، وعن مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، في مواجهة كل أشكال التفكك، سواء جاءت تحت شعارات انفصالية، أو محاصصاتية، أو أيديولوجية مغلقة. فالنضال من أجل الحقوق القومية أو الاجتماعية لا يمكن فصله عن إطار الدولة الموحدة، ولا يمكن أن يتحقّق خارج منطق المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، ورفض السلاح خارج إطار الدولة.
رابعاً: تقع على حزبنا مسؤولية المساهمة الفعلية في إعادة بناء الحياة السياسية والنقابية، ليس فقط عبر الخطاب، بل عبر العمل التنظيمي المباشر، والمبادرة إلى الانخراط في النقابات، والاتحادات، ومنظمات المجتمع المدني، والدفاع عن استقلاليتها. فغياب القوى اليسارية والديمقراطية المنظّمة عن هذه الساحات يتركها عرضة لهيمنة قوى تقليدية أو فئوية، ويعيد إنتاج الفراغ الذي لطالما استفاد منه الاستبداد.
خامساً: لا يمكن لحزبنا أن يتهرّب من مهمة النقد الذاتي الجاد، سواء فيما يتعلّق بتجربته السابقة، أو بأدائه خلال سنوات الثورة. فالمراجعة ليست إدانة ذاتية، بل شرط للتجدّد، ولإعادة بناء الثقة مع المجتمع، ولا سيما مع الأجيال الجديدة، التي لم تعش التجربة الحزبية التقليدية، لكنها تبحث عن أدوات سياسية تعبّر عن مصالحها وتطلّعاتها.
سادساً: يكتسب البعد الاجتماعي-الاقتصادي أهمية مركزية في دور الحزب خلال المرحلة المقبلة. فالدفاع عن العدالة الاجتماعية، وحقوق العمّال والكادحين، وإعادة توزيع الثروة، وبناء اقتصاد منتج، لا يمكن تأجيله بحجّة «أولوية السياسة». بل على العكس، إنّ تفريغ الديمقراطية من بعدها الاجتماعي يفتح الباب أمام الردّة، ويغذّي الشعبوية والتطرّف. ومن هنا، فإنّ طرح برنامج اقتصادي–اجتماعي واقعي، قابل للنقاش والتنفيذ، يشكّل أحد أهم المعايير الجدّية في العمل الحزبي.
أخيراً، إنّ وحدة الحزب الداخلية، وإدارة الخلافات فيه بطريقة ديمقراطية ومنظّمة، تشكّل شرطاً لا غنى عنه للقيام بهذه المسؤوليات، ونحن الآن أحوج ما يكون لاستعادة وحدة الحزب مع الطرف الآخر وفق برنامج موحد.
إنّ هذه المرحلة لا تحتمل ترف الانتظار أو الحياد. علينا أن نكون حزبا فاعلاً، ناقداً، ومنخرطًا في الصراع من أجل بناء دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وألا نكون شهود على ضياع فرصة تاريخية جديدة.
خاتمة:
تقف سورية اليوم عند مفترق طرق تاريخي في مرحلة يشهد العالم والإقليم تغيرات كبيرة وخطيرة. فبعد سنوات طويلة من ثورة وحرب وصراع وانقسامات عميقة، أصبح واضحاً أن إعادة بناء البلاد لا يمكن أن تتحقق من خلال حلول جزئية أو مؤقتة، ولا من خلال إعادة إنتاج أنماط سياسية ساهمت في وصول البلاد إلى أزمتها الراهنة.
إن الطريق نحو مستقبل أفضل لسورية يمر عبر بناء دولة تقوم على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية بين جميع أبنائها والمضي باتجاه صياغة عقد اجتماعي جديد من خلال دستور عصري وديمقراطي يضمن الفصل بين السلطات ويحظى بموافقة المؤسسة التشريعية ويخضع للاستفتاء الشعبي.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهداً طويلاً وصبراً سياسياً، ولا يمكن أن ينهض اقتصاد البلاد والارتقاء بالمستوى المعيشي للسوريين بدون استقرار سياسي وحكم يتمتع بشرعية داخلية. وهذا يتطلب قبل كل شيء وجود قوى سياسية واجتماعية قادرة على حمل مشروع وطني ديمقراطي واضح المعالم.
ومن هنا فإن مسؤولية القوى الديمقراطية السورية، ومنها حزب الشعب الديمقراطي السوري، تتمثل في العمل على بلورة هذا المشروع، وعلى إعادة بناء الثقة بإمكانية التغيير السلمي والديمقراطي.
فالمستقبل السوري لن يُبنى إلا بإرادة السوريين أنفسهم، وبقدرتهم على تجاوز جراح الماضي والانطلاق نحو بناء دولة حرة عادلة لجميع مواطنيها.
25 آذار 2026
حزب الشعب الديمقراطي السوري
الهيئة القيادية